; الإسلاميون المغاربة والنظام أمام اختبار ما بعد تفجيرات الدار البيضاء | مجلة المجتمع

العنوان الإسلاميون المغاربة والنظام أمام اختبار ما بعد تفجيرات الدار البيضاء

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003

مشاهدات 1

نشر في العدد 1556

نشر في الصفحة 31

السبت 14-يونيو-2003

الإسلاميون المغاربة والنظام أمام

اختبار ما بعد تفجيرات الدار البيضاء

مظاهرات القوى العلمانية التي دعمها القصر واستبعد منها الإسلاميون

إدريس الكنبوري

  elganbouri2001@yahoo.fr

هل باتت العلاقة بين الإسلاميين والنظام المغربي على الحافة بعد تفجيرات الدار البيضاء في ليلة ١٦ مايو الماضي، ثم خروج وزراء ومسؤولين عدة بتصريحات مباشرة تحاول النيل من حزب العدالة والتنمية المشارك في البرلمان بـ ٤٢ مقعدًا محاولة وضعه في قفص الاتهام بشكل غير مباشر؟

فلأول مرة في المغرب يسير خطاب التحريض ضد الإسلاميين على إيقاع واحد منسجم بين الحكومة والتيار اليساري العلماني الذي برز فيه جناحًا استئصالي أصبح يطالب علنا بمنع الحزب وفرض التضييق عليه، وهو ما يفيد بأن العلاقة بين السلطة والإسلاميين أصبحت قيد اختبار عسير يهم الاثنين معًا. فالإسلاميون المعتدلون المشاركون في البرلمان كانوا وراء منح المشروعية السياسية لما سمي به العهد الجديد، بعد تولي الملك محمد السادس الحكم عام ۱۹۹۹م عبر مشاركتهم في منحه البيعة الشرعية، ثم عبر المشاركة في انتخابات ۲۷ سبتمبر ۲۰۰۲ التي أجمعت كافة القوى السياسية بدون استثناء على اعتبارها أول انتخابات نزيهة وديمقراطية في المغرب.

 وبعد التفجيرات التي وقعت يوم ١٦ مايو الماضي سارع حزب العدالة والتنمية إلى إدانتها وتجريمها، وقاد مظاهرة أمام مقر البرلمان عبر فيها عن إدانته لتلك التفجيرات كما أطلق عليها صفة الإرهابية، وأبدى حرصًا كبيرًا على مسايرة الخطاب العام السائد وعدم الخروج عن الإجماع الذي التأم حول المؤسسة الملكية لإظهار نواياه الحسنة ورفضه للعنف ولم تشذ باقي مكونات الحركة الإسلامية المغربية عن هذا الخط بما فيها حركة التوحيد والإصلاح التي تعتبر رسميًا القاعدة البشرية للحزب والخلفية التنظيرية له على الرغم من أن جماعة العدل والإحسان حاولت إلصاق الجريمة بجهات أجنبية -لم تسمها- لضرب الإسلاميين.

غير أن هذه المواقف لم تشفع للإسلاميين فانبرت الأحزاب العلمانية واليسارية إلى التحريض عليهم واتهامهم بدعم العنف وتأليب الناس عليه.

لكن المفاجأة هذه المرة أن خطاب التحريض على الإسلاميين تم تبنيه من قبل وزراء الحكومة. ففي الجلسة المخصصة للتصديق على قانون محاربة الإرهاب في البرلمان التي جاء انعقادها يوم ۲۰ مايو، بعد أربعة أيام من التفجيرات، وجه الوزير الأول رئيس الوزراء إدريس جطو انتقادات لاذعة لحزب العدالة والتنمية بطريق التلميح واستعمل عبارة: القوى الظلامية التي توجه عادة -ظلمًا- إلى الإسلاميين في صحف اليسار العلماني.

 وردًا على هذه الاتهامات سارع الحزب إلى التعبير عن استعداده لمقاطعة الانتخابات المحلية التي ستجرى يوم ١٢ سبتمبر القادم إذا ما استمرت الحملة التي تستهدفه. وقال مصطفى الرميد -رئيس الفريق البرلماني للحزب- إنه إذا استمرت المضايقات والافتراءات ضدنا فسوف نقاطع الانتخابات الجماعية المقبلة، مضيفًا «نحن لا نتحدث عن افتراءات خصومنا السياسيين، نحن نتحدث عن افتراءات الدولة، وزاد قائلًا: كيف يمكن للإنسان أن يدخل إلى غمار الانتخابات والدولة تقوم من الآن بحملة ممنهجة ضد حزب العدالة والتنمية وربطته بأمور هو ضدها؟ في إشارة إلى أعمال العنف الأخيرة في الدار البيضاء.

وقد فهم الحزب الرسالة الحكومية فسارع إلى الرد عبر صحافته على التهم الموجهة إليه لتبرئة نفسه من تهمة العنف والتطرف الديني وقدم الدليل على ذلك بتصويته على قانون مكافحة الإرهاب بلا تحفظ، متراجعًا عن مواقفه السابقة عندما كان ينتقد القانون ويدعو علنًا إلى سحبه من البرلمان أصلًا وبرد نواب الحزب في المؤسسة التشريعية تصويتهم إلى جانب قانون يعادونه بأنهم أرادوا توجيه رسالة إلى المسؤولين مفادها أنهم بذلك يقدمون الدليل على اصطفافهم خلف الحكومة في محاربتها للإرهاب ولا يريدون شق الصف الوطني الداخلي.

 مع ذلك لم تهدأ العاصفة فقد استمرت صحف محسوبة على الأحزاب اليسارية المشاركة في الحكومة في كيل التهم إلى الإسلاميين عمومًا وحزب العدالة والتنمية خصوصًا، لكونه الحزب

استقالة الريسوني من رئاسة حركة التوحيد والإصلاح بعد تصريحاته حول إمارة المؤمنين كانت بهدف تخفيف الحملة ضد الحركة وإرضاء القصر

الإسلامي الوحيد الموجود في البرلمان بين أكثر من ثلاثين حزبًا سياسيًا. وبدا أن جهات عديدة تريد الركوب على أحداث الدار البيضاء لتصفية حساباتها السياسية مع الحزب والحركة الإسلامية.

وزير العدل يتهم!

وفي ٢٥ مايو الماضي أعلن وزير العدل المغربي محمد بوزوبع من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في برنامج بالقناة المغربية الثانية أن حزب العدالة والتنمية لا يحترم عمليًا، نظام الملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية التي يقوم عليها النظام السياسي المغربي، وأنه يعترف بذلك نظريًا فقط، في اتهام مباشر للحزب بالخروج عن ثوابت السياسة الداخلية للبلاد، واتهم الوزير الحزب بأنه يلعب لعبة خطيرة حينما يتحدث باسم جميع الإسلاميين، كما قال إن جميع الإسلاميين ضد الديمقراطية وإنهم في العمق غير ديمقراطيين». وقد كان واضحًا في كلام الوزير تعمد الخلط بين الإسلاميين الذين يتحركون داخل المشروعية وينبذون العنف والتطرف، وتنظيمات الصراط المستقيم و التكفير والهجرة والسلفية الجهادية التي تشير التحقيقات إلى أنها ربما تقف وراء تفجيرات الدار البيضاء، وهو التعميم نفسه الذي تحاول الصحف اليسارية والعلمانية ترويجه لدى الرأي العام.

وفي إشارة إلى أن الدولة ستنهج سياسة جديدة إزاء الإسلاميين بعد التفجيرات، قال وزير العدل إن المغرب بعد ١٦ مايو هو مغرب أخر وأكد أن الحكومة ترفض تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني أو عرقي أو حتى جهوي، مشيرًا إلى أن قانون الأحزاب الجديد الذي سيعرض على المجلس الحكومي خلال الأيام القليلة المقبلة -قبل أن يحال على البرلمان للمصادقة عليه- سيأخذ هذه التوجيهات بعين الاعتبار، وهو ما يعني سد الباب أمام الحركات الإسلامية الثلاث الأخرى التي ترفض حتى الآن السير على طريقة حركة التوحيد والإصلاح التي اندمجت مع حزب سياسي قائم عام ١٩٩٦ بعد فشل محاولاتها تأسيس حزب خاص بها، لكن الحركات الأخرى ترفض الاندماج وتعتبره ذوبانًا وانمحاء للشخصية المستقلة مثل جماعة العدل والإحسان المتشددة في هذه النقطة، وحركة البديل الحضاري التي رفضت السلطة في العام الماضي السماح لها بإنشاء حزب يحمل الاسم نفسه.

معركة حول إمارة المؤمنين

غير أن الذي زاد الطين بلة ورفع درجة الغليان بين إسلاميي العدالة والتنمية من جهة والوزراء الاشتراكيين والتيار اليساري من جهة ثانية بعض التصريحات التي نسبت إلى رئيس حركة التوحيد والإصلاح المندمجة في الحزب الدكتور أحمد الريسوني قبل التفجيرات بأقل من أسبوع وفسرت على غير ما هي عليه فيما يبدو، إذ نسب للريسوني قوله في حوار صحفي مع يومية مغربية فرانكفونية: إن الملك غير مؤهل من الناحية العلمية للقيام بمهمة إمارة المؤمنين وإن المطلوب هو إنشاء مؤسسة مستقلة للإفتاء تضم العلماء ورجال الفقه الأمر الذي جر عليه انتقادات من داخل حركته وخاصة من الدكتور عبد الكريم الخطيب أمين عام حزب العدالة والتنمية الذي استاء من تلك التصريحات بالنظر إلى مواقف الحزب من إمارة المؤمنين وإلى قرب الخطيب من القصر، وقد أصدر الريسوني بيانًا في اليوم التالي للنشر يكذب فيه ما جاء في الصحيفة ويقول إن الحوار أجري معه باللغة العربية لأنه لا يعرف الفرنسية، وإنه اشترط على الصحفي مجري الحوار أن يعرض عليه نص الترجمة قبل النشر لكن الصحفي أخل بالتعهد، وقال أيضًا إن تصريحه الأصلي بشأن إمارة المؤمنين كان يدعو إلى إنشاء مؤسسة للإفتاء تحت سلطة الملك كأمير للمؤمنين دستوريًا، يكون له وحده حق البت في اجتهاداتها والحسم فيها وليس مؤسسة مستقلة عنه أو منافسة له كما فهم، غير أن الصحفي الذي أجرى الحوار صرح بأن ما جاء في الصحيفة

د. محمد ضريف: خياران في مراكز القرار حول الإسلاميين الاستئصال أو الإدماج

صحيح وأنه يحتفظ بالشريط الأصلي المسجل فيه النص الكامل للمقابلة، لتأخذ القضية بعدًا آخر بعد تفجيرات ١٦ مايو ومحاولة اليسار والعلمانيين إدخال الحركة والحزب والإسلاميين عمومًا في قفص الاتهام.

وبعد التفجيرات عادت تصريحات الريسوني المنشورة لتحتل الواجهة وأبرزها التيار الاستئصالي كدليل على عداء الإسلاميين للملكية وتآمرهم على الحكم بزعمه لتأليب القصر عليهم فعادت حركة التوحيد والإصلاح إلى التذكير بمواقفها السابقة من إمارة المؤمنين لدفع التهمة عنها، وكذلك فعل حزب العدالة. لكن ذلك لم يخفف من غلواء اليسار الذي رأى في حدث التفجيرات مناسبة لا ينبغي إفلاتها لتصفية الحسابات السياسية مع التيار الإسلامي خاصة حزب العدالة والتنمية الذي سيشكل المنافس الرئيس لليسار في الانتخابات البلدية المقررة في سبتمبر المقبل، بحكم غياب جماعة العدل والإحسان الرافضة للمشاركة ولتطبيع العلاقة مع النظام.

وأمام حدة المواجهة صرح الدكتور الخطيب علنًا في حوار صحفي بأن الريسوني أخطأ في تصريحاته بشأن إمارة المؤمنين، ووصف رئيس الحركة بكلمة غير لائقة «الغبي»، لكن الريسوني فهم فيما يبدو أن الخطيب يريد بذلك إرسال اعتذار بالنيابة عنه إلى القصـر فـرد بأن الخطيب حر في أن يقول ما يريد وأنه لا يعتبر ما قاله شتيمة في حقه والظاهر أن ضغوطًا مورست على الريسوني لتقديم استقالته من رئاسة الحركة وهو ما فعله يوم ١١ يونيو، بهدف التخفيف من الحملة الموجهة ضد الحركة ومحاولة إرضاء القصر. وقد حرص البيان الصادر عن المكتب التنفيذي للحركة حول الاستقالة على التذكير من جديد بمواقفها من إمارة المؤمنين، حيث أشار إلى أن الريسوني تقدم باستقالته بشكل طوعي دون أن يكرهه أحد بعد أن تعرضت مضامين الحوار لعدة تأويلات لم يقصدها صاحبه، خاصة ما يتعلق بإمارة المؤمنين التي تعتبرها جميعًا -ويعتبرها الدكتور أحمد الريسوني خاصة- إحدى أهم الركائز والمسلّمات للدولة المغربية والكيان المغربي التي نتمسك بها»، وأضاف البيان أنه وبعد مناقشة هذه الاستقالة ودواعيها فإن المكتب التنفيذي قد صادق عليها مقدرًا للأخ الريسوني ما قدمه للحركة واستعداده لمواصلة عطائه خدمة للبلاد.

 مستقبل العلاقة بين الإسلاميين والنظام

يرى بعض المراقبين للشأن الإسلامي في المغرب أن التطورات اللاحقة لتفجيرات الدار البيضاء تشير إلى عزم النظام وضع سياسة جديدة تجاه التيار الإسلامي عمومًا، والشق المشارك في العملية السياسية خصوصًا، وذلك في أفق تقليم أظافره وتضييق مساحة تحركه ونشاطاته. فاستقالة الريسوني من رئاسة الحركة في هذه الظروف تحديدًا، وهو المعروف باعتداله وبمواقفه من إمارة المؤمنين كما كان أول زعيم إسلامي يستقبله الملك بعد توليه الحكم عام ۱۹۹۹ وألقى درسًا أمامه في رمضان من ذلك العام، تؤشر إلى وجود أزمة خطيرة يعيشها التيار الإسلامي والأكثر من ذلك تكشف عن عجز واضح في التعاطي مع أكبر أزمة في تاريخ الحركة الإسلامية المغربية بعد أزمة حركة الشبيبة الإسلامية للشيخ عبد الكريم مطيع مع الملك الراحل الحسن الثاني في السبعينيات والتي انتهت بفرار مطيع إلى الخارج والقضاء على حركته وإيداع أعضائها في السجون.

 وقد وجه العاهل المغربي رسالة قوية وعاها الإسلاميون في خطابه يوم ٢٩ مايو الماضي عندما قال لقد دقت ساعة الحقيقة معلنة نهاية زمن التساهل في مواجهة من يستغلون الديمقراطية للنيل من سلطة الدولة، وتحدث عن المظاهرة التي نظمتها الأحزاب السياسية ذات الغالبية اليسارية يوم ٢٥ مايو في الدار البيضاء ومنع الإسلاميين من المشاركة فيها بطريقة أحرجتهم وأظهرت تبني الملك للمظاهرة، حيث شبهها بالمسيرة الخضراء التي دعا إليها الحسن الثاني عام ١٩٧٥ لاستعادة الصحراء من إسبانيا، غير أن المفاجأة الكبرى التي كانت بمثابة رسالة واضحة أن العاهل المغربي لم ينه خطابه بآية قرآنية كما دأب على ذلك منذ توليه الحكم وهي العادة التي درج عليها الحسن الثاني طيلة مراحل حكمه وبدون استثناء.

 ويقول الدكتور محمد ضريف الباحث في ملف الحركات الإسلامية وأستاذ العلوم السياسية لـ المجتمع إن مرحلة ما بعد ١٦ مايو ترسم عهدًا جديدًا في العلاقة بين النظام والإسلاميين ويضيف: «أعتقد أننا نعيش اليوم مرحلة مخاض على مستوى تدبير ملف الإسلاميين مستقبلًا على ضوء تداعيات تفجيرات ١٦ مايو، فداخل مراكز القرار هناك صراع بين توجهين: توجه يميل إلى الانفتاح وتوسيع حق المشاركة وإدماج أكثر التيارات الإسلامية شعبية مثل العدل والإحسان، ومحاولة احتواء ثقافة العنف الجديدة التي ظهرت بعد التفجيرات وهناك توجه أخر يعتمد المقاربة الأمنية وخطابًا استئصاليًا، ويدعو إلى القطيعة مع الإسلاميين بمختلف توجهاتهم بما فيهم حركة التوحيد والإصلاح، باعتبار أنه لا يوجد فرق بين المعتدلين والمتطرفين وأنه ليس في القنافذه أملس كما يقال وأعتقد أن المستقبل سيبين أي التوجهين ستكون له الغلبة.

وحول ما إذا كان الخيار الأمني هو الذي سيسود في التعاطي مع الإسلاميين يقول ضرفي ولا أعتقد أنه سيتم اللجوء إلى المقاربة الأمنية في تدبير ملف الإسلاميين لأن المقاربة الأمنية جريت أصلًا في الماضي وفشلت، ونحن نتمنى أن ما حدث في تظاهرة الدار البيضاء يوم ٢٥ مايو ليس قرارًا معينًا وأنه يدخل في إطار ردود الفعل وردود الفعل يمكن تفهمها»، مشيرًا بذلك إلى الشعارات المعادية للإسلاميين التي رفعها التيار اليساري في تظاهرة الدار البيضاء والتي قرنت بين الحركة الإسلامية والإرهاب!.

الرابط المختصر :