; الإسلامية بين سلبيات التحزب وإيجابيات التنظيم | مجلة المجتمع

العنوان الإسلامية بين سلبيات التحزب وإيجابيات التنظيم

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000

مشاهدات 64

نشر في العدد 1390

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 29-فبراير-2000

في عالم يتفنن أهله في التعاطي المنظم مع الحياة وما فيها، وفي دنيا يتخصص فيها الموهوبون لوضع برامج منظمة لكل شيء بحيث لم يعد مكان للعبث والفوضى حتى في ساحات لعبهم ولهوهم، يفترض بالإسلاميين وهم أصحاب مشروع حضاري عالمي يهدف إلى تغيير الأمة بل وهداية الأمم إلى حيث الاستقامة والصراط السوي أن يتمتعوا بأعلى درجات التنظيم والانضباط.

 إن تشخيصنا الموضوعي للواقع الذي نحن عليه هو البداية السليمة للتحرك المدروس وإن اعترافنا بوجود الخلل هو نقطة انطلاق مطلوب لمعالجات صائبة للواقع الذي نطمح إلى تغييره وإن محاسبة النفس على أمل تغييرها هو الإمساك برأس الخيط الدال على الهدف ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:۱۱)، وما لم تقنع النفس بتبني الخيار الحضاري المنظم فلا يمكن لهذه النفس العابثة أن تفرز تنظيمًا حضاريًّا لما حولها من واقع ووجود وموجودات ولا يعني ذلك أننا نريد أن نؤسس لبدايات صحيحة وكأن كل ما سبقها كان خطأً، كما لا نقصد نقدًا أو نقضًا لجهود جبارة ومباركة خطاها الرعيل الأول من المغيرين الذين تركوا بصمات واضحة على الحياة الإسلامية في مجتمعاتنا الراهنة، ولا يعني ذلك أيضًا مصادرة وتهميشًا أو إلغاء لتجارب عملية رائدة في ميدان العمل الإسلامي المنظم، ولكننا نريد التأكيد هنا على أن ما جرى لم يعد كافيًا وافيًا، وأن طموحًا مشروعًا للتطوير والتغيير ما زال حلمًا وهمًا -نوعًا وكماً- تحمله لتسريع عملية التحول باتجاه أسلمة الحياة التي يتطلع أهلها لحضارة إنقاذ ورجال منقذين -ولا أراهم غير فتية إسلاميين ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف:13).

ولكي نكون -نحن الذين ندعي الإسلامية- أهلًا لحمل هذا الهم، فلا سبيل أمامنا سوى انتهاج آخر ما أبدعته التجربة الإنسانية من رؤى وأفكار تنظيمية واستيعاب كل إفرازات المدنية في هذا المجال وتحويلها إلى برامج عملية تؤهل أصحابها لخوض معركة المصير ومساجلات التغيير والتأثير في عالم تتحدى فيه الحضارة الغربية كل وجود حضاري آخر وتسعى بعنف لقهر الآخرين على الاستسلام أمام مقولات العولمة وترشحات رؤاها وأنماطها وقوالبها الجاهزة فيما تثمر قوى محلية لمحاصرة الفكر الإسلامي والمؤمنين به والداعين إليه غير مدركة الآثار السلبية الخطيرة التي أفرزتها سياسات القمع والمتمثلة بسخط الأمة وكراهيتها لمن يمارسون القمع بحق النخب الخيرة التي استأثرت باحترام الجماهير واهتمامهم باعتبارها المعبر الحقيقي عن طموحاتهم وآمالهم وآلامهم علماً بأن الطرق القمعي على مسامير الوعي قد عمق حفرها في الأرض وجذّر وجودها في الوجدان الشعبي المتعاطف معها والمنحاز فطريًّا لصالحها، ويبدو أن مثل هذه الضغوط وذلك القمع الذي يعاني منه الإسلاميون مضافًا لأوباء الساحات السياسية الأخرى قد ولد آثارًا سلبية داخل الصف الإسلامي تمثلت ببروز حالات وظواهر تحزب مغلقة الأطر، تجاوزت حدود التنظيم المنفتح على الأمة والمستوعب للجماهير، وبما يعني وجود حالة انكفاء على الذات من شأنها عزل الإسلاميين عن الأمة ويتناسب طرديًّا، إذ كلما ضاقت دوائر التفكير والتأطير الحزبي في العمل الإسلامي فقد التنظيم المنفتح قدرته على التأثير والتغيير وانطوت الحركة الإسلامية على نفسها بحيث لم تعد تأنس حتى بإسلامي آخر يشاطرها الرأي والرؤية في الكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك، هذا فضلًا عن قطاعات الأمة التي كانت تفتح صدورها وأذرعها للإسلاميين، وتحتضن وجودهم، وتتلقى بقبول مقولاتهم وآراءهم، الأمر الذي سجل معدلات انحسار تنذر بتقوقع مرعب إذا لم يعد الإسلاميون النظر فيما أقدموا عليه من عمل غير مقصود قطعًا ولكن قوانين الحياة والمجتمعات لا تعذر ولا تتسامح مع المتقاطعين معها وإن كانوا من ذوي النوايا الطيبة.

 لذلك لابد للإسلاميين من التمييز الدقيق بين التحزب والتنظيم والسعي الدؤوب لفك حالة الاشتباك والارتباك الذهني لدى العاملين ممن لا يبصرون الخطوط الشفافة العازلة بين التحزب السلبي المنغلق والتنظيم الحضاري المنتج بكل ما في التحزب من أخطار القوقعة والانغلاق والضمور والانحسار وما في التنظيم من قيم عليا ورؤية حضارية واستيعاب محسوب للطاقات وتوظيف علمي للجهود والإمكانات واختزال واختصار للمسافات.

ونعتقد جازمين أن الخلط بينهما تضييع للفرص وإجهاض لحركة الوعي المنظم واستجابة غير واعية لضغوط الواقع وإيحاءات المعاناة وتلك أخطر آفات التنظيم عمومًا والتنظيم الإسلامي خصوصًا لأنه التنظيم الوحيد المستوحى من أجواء الحضارة الإسلامية ذات البعد الإنساني والهادفة لدعوة الناس جميعًا إلى حب الانعتاق والانطلاق على إيقاعات هتاف القيم الخيرة والمبادئ السامية والتعاليم المنقذة الهادية.

وفي مثل هذه الظاهرة المرضية التي تختلط فيها المفاهيم أو تغيب فيها الرؤية وتتضبب الأجواء تظل أفكار المثقفين الإسلاميين أضواء كاشفة لابد من تسليطها على متعرجات الطريق وتقاطعاته لكي لا تضل القافلة ولكي يوهب العاملون فرص الوضوح في الرؤية وكشف تعرجات الطريق وتموجات الدرب الشائك الطويل.

الرابط المختصر :