; الإسراء والمعراج حقيقته وأثره | مجلة المجتمع

العنوان الإسراء والمعراج حقيقته وأثره

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978

مشاهدات 90

نشر في العدد 403

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 11-يوليو-1978

في مساء يوم الأربعاء الماضي شهدت قاعة جمعية الإصلاح الاجتماعي محاضرة إسلامية فكرية ألقاها الدكتور محمد سلام مدكور رئيس قسم الشريعة بكلية حقوق القاهرة، وكانت بعنوان: الإسراء والمعراج حقيقته وأثره، وقد تفضل الأستاذ محمد مدكور مشكورًا بإهداءقراء المجتمع نص المحاضرة القيمة.

وفيما يلي نعرض الجزء الأول منها :

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإني سعيد بتجدد لقائي برواد جمعية الإصلاح الاجتماعي، والتقائي بقادتها وشبابها بعد طول انقطاع بسبب السفر، وكان قد وقر في ذهني عدم اللقاء لبعد الشقة، لكن إرادة الله غالبة، ومشيئته هي المتحققة .

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما.. يظنان كل الظن أن لا تلاقيا .

لقد ألفت منصة هذه الدار وسبق لي أن تشرفت بإلقاء عدة محاضرات بها مدة وجودي في الكويت ما بين سنة ١٩٧١م - ١٩٧٥م فأحببت هذه الدار واطمأننت إلى أهلها، ولمست الخير كل الخير في روادها، وإني لا أنسى تكريم إدارة الجمعية لي عند انتهاء إعارتي لجامعة الكويت، وإقامتها حفلًا كريمًا بهذه المناسبة .

من أجل هذا وذاك وحبي- بحكم طبيعة عملي- لإلقاء المحاضرات حرصت من جديد بعد عودتي للكويت أن ألقاكم، وأتحدث معكم حول بعض الموضوعات الدينية، وكانت المناسبة طيبة هي ذكرى الإسراء والمعراج، هذه الرحلة المباركة المعجزة التي فرضت فيها على المسلمين الصلوات الخمس، أهم العبادات البدنية في الإسلام، والتي هي من عمد هذا الدين الحنيف، فطلبت من إدارة الجمعية أن تسمح لي بهذا اللقاء وأن تطلب مني هذا، وكان في الواقع كل منا سباقًا لهذا الخير .

حضرات السادة: الإسراء يعني  به هنا انتقال النبي صلى الله عليه وسلم ليلًا من مكة التي بها المسجدالحرام إلى بيت المقدس، وفي كتب اللغة: سريت وأسريت بمعنى إذا سرت ليلًا، وما تقييد الإسراء هنا في الآية بأنه كان ليلًا إلا لمجرد التأكيد.. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسراء: ١)

ويقول حسان بن ثابت رضي الله عنه :

حي النضيرة ربة الخدر                      أسرت إليك ولم تكن تسري

 أما المعراج فهو في اللغة السلم والمعارج المصاعد والمراد به هنا صعود النبي صلى الله عليه وسلم بقدرة ربه وجميل صنعه من بيت المقدس من مكان العبادة والسجود من موضع المسجد الأقصى الذي هو أبعد مسجد عن المسجد الحرام حينذاك إلى السموات وما وراء الحجب مخترقًا الفضاء بعد أن هيأه الله وأعده بقدرته التي لا تحد ولا تخضع للسنن الكونية لهذه الرحلة، وهو الذي لا يسأل عما يفعل، ولا يستحيل عليه شيء وهو القائل ﴿إِنَّمَا … قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: ٤٠)

فالإسراء والمعراج رحلتان دينيتان عزيزتان لما فيهما من إعجاز وإعزاز للرسول صلى الله عليه وسلم، إحداها أرضية وهي الإسراء التي بدأت من مكة إلى موضع المسجد الأقصى حيث التقى ببعض إخوانه من النبيين الذين بعثهم الله بقدرته في تلك الليلة لاستقباله وتحيته، فبلغه على البراق الذي كانت سرعته تفوق سرعة الضوء لأن حافره كان يصل فيالخطوة إلى ما ينتهي إليه بصره كما روت كتب السنة، وهذه الرحلة هي التي أشار إليها النص القرآني الكريم ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا (الإسراء: ١)

الثانية المعراج: وهي رحلة سماوية.. رحلة الفضاء الكبرى وبدأت من حيث انتهت الرحلة الأولى إلى السموات السبع ثم سدرة المنتهى مما لا تدركه عقولنا ولا تنفذ إليه أبصارنا ولا علم لنا به إلا عن طريق السمع والتصديق ممن آمنا به وصدقناه. فرأى صلوات الله وسلامه عليه بنور البصيرة وعين الحقيقة التي هيأها الله له ما رأى من آيات ربه الكبرى بعد أن أراه قبل ذلك في الرحلة الأولى بعض آياته، وهذه الرحلة هي التي يشير إليها قوله سبحانه ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ (النجم: ٧-١٨)

يقول بعض المفسرين إن المراد بالنجم هنا الذي يقسم الله به هو محمد صلوات الله وسلامه عليه إذ نزل من السماء ليلة المعراج بعد أن صعد به إلى السموات العلى.

ويقول آخرون إن المراد به هنا القرآن الذي نزل على محمد نجومًا أي متفرقًا، والمراد من قوله ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ جبريل ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي قدرة حيث علم الرسول هيأة الصلاة المفروضة في هذه الرحلة وأوقاتها ثم ارتفع وعلا في مكانه. ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ أيدنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى فتدلى أي نزل على النبي بالوحي، وقيل إن الكلام عن محمد صلوات الله وسلامه عليه وإنه استوى جبريل في الأفق الأعلى بمعنى ارتفع ثم دنا أي قرب محمد صلوات الله عليه من نور ربه حتى كان قاب قوسين أوأدنى، فأوحى إليه الله، وما ينبغي لأحد أنيجادل فيما رآه، فإنه رأى نور ربه عن قرب مرتين ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ وروي أن نفرًا من الصحابة سألوا الرسول: أرأيت ربك؟ فقال: «رأيته بفؤادي مرتين»، ثم قرأ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾﴾ وقيل إن الرؤية كانت حقيقية بالبصر فروي أن ابن عباس قال «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد».

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن الرسول قال لما سئل عن رؤيته لربه: «نور أنى أراه» وقيل إن المرئي هو جبريل وصورته الحقيقية. ويقول البعض إن الرؤية كانت لجلال الله وعظمته والله أعلم بالتفاصيل والحقائق، ولكنا نؤمن ونصدق بكل ما جاءت به النصوص لأننا نؤمن بالله وقدرته، ونؤمن برسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه وصدقه وما ينبغي لنا الخوض في التفاصيل والجري وراء كل تأويل.

فهاتان الرحلتان كرم الله بهما نبیه إيناسًا له وطمأنة لخاطره، وقد لاقى من قومه الكثير من الأذى والعناد فلم يلن جانبه، ولم تفتر عزيمته، ولم يتوانَ في المضي في تبليغ الرسالة بل صبر وثابر وقال «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه، ما تركته حتى أهلك».

روى البخاري ومسلم أنه قبل الهجرة بسنة مات أبو طالب عم النبيصلی الله عليه وسلم، وماتت بعده في نفس السنة السيدة خديجة زوجته فحزن عليهما حزنًا شديدًا حتى سمى الناس هذا العام بعام الحزن. ثمأراد الرسول أن ينفس عن نفسهفخرج إلى الطائف ليبلغ رسالة ربه إلى ثقيف، فما وصل إليها إلا وقوبل أسوأ مقابلة حتى أوعزوا الصبية لإلقاء الحجارة عليه حتى سال الدم من وجهه ورأسه، فاتجه إلى ربه وقال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلىبعيد يتجهمني؟ أمإلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي..اللهم إني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».

ومن له غير الله يلجأ إليه ويطلب منه العون، وعدالة الله تقضي بتلبية هذا النداء وإجابة هذا الدعاء،فكانت الإجابة شافية، وكانت هاتان الرحلتان ليتخذ منهما زادًا يدفعه إلى الأمام، ويمسح عنه الآلام، وليمهد له بهما حياة جديدة يرى فيها إشراقة النور الإلهي تغمر قلبه، والذي حدث أنه بعد أن ناجى ربه،وهدأت نفسه عاد أدراجه إلى مكة وأوىإلى دار أم هانئ أخته في الرضاعة وابنة عمه ليبيت عندها ليلة «وكان ذلك ليلة الإثنين ۲۷ من رجب قبل الهجرة بعام كما في بعض الروايات، وقيل كانت في السنة الثانية من بعثة الرسول وقبل غيره ذلك بالنسبة للسنة واليوم والشهر» وفي هجيع الليل والناس نيام حدثت الرحلتان إذ أخبر الرسول أهل الدار عندما استيقظوا من نومهم: أنه استيقظ عقب نومه على صوت يصيح به: أيها النائم قم. فقام وإذا به أمام الملك جبريل، وفي يديه دابة عجيبة هي البراق. لها أجنحة كأجنحة النسر، وطلب الملك جبريل منه أن يمتطيها فلما هم انحنت له. ثم انطلقت به انطلاق السهم متجهة نحو الشمال بصحبة الملك جبريل.

ووقف به البراق عند جبل سيناء حيث كلم الله موسى ثم وقف مرة أخرى في بيت لحم حيث ولد عيسى ثم انتهى به إلى بيت المقدس، وهناك صلى على أطلال هيكل سليمان ومن خلفه من أوفدهم الله لاستقباله من الأنبياء. ثم عرج به إلى السماء ثم إلى سدرة المنتهى التي ينتهي عندها الملك جبريل، ثم قربه ربه أكثر من ذلك فرأى نور ربه واستمع إلىأوامره حيث فرض عليه وعلى أمته الصلاة وانتهى الأمر بها إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، والصلاة هي أبرز أركان الجانب العملي في الإسراء والمعراج، كما أنها الركنالعملي من أركان الإسلام بل هي عماد الدين التي تجمع في الواقع أصول كل العبادات، وهي نور للقلوب والبصائر يهديها إلى الحق ويرشدها إلى الطريق القويم، وإنها في الواقع لكبيرة إلا على الخاشعين، واختصها الله سبحانه بالتشريع على هذا الوجه بخلاف سائر العبادات لما لها من الأهمية البالغة فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي التي تربي في الفرد كل خصال الخير، لذا حث الإسلام عليها، وقرنها بالإيمان بالغيب ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْوجعلها في أول المراتب بعد الإيمان يقول سبحانه ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.

والصلاة التي شرعها الله وطلبها من عباده هي التي يخلص فيها المؤمن من دنياه متفرغًا وقت إتيانهالربه بالتكبير والمناجاة وطلب الهداية، وهي التي تؤثر في نفس المصلي وترقق شعوره وإحساسه وتزيل منه الغرور والكبرياء، وانظر إلى المصلي وهو يضع جبينه وأنفه على الأرض موضع مواطئ الأقدام خضوعًا لله الجميع في ذلك سواء.

واختلف العلماء في الهيئات التي فرضت عليها الصلاة في هذه الرحلة، فروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين ثم زيدت في صلاة الحضر وأقرت في صلاة السفر إلا المغرب أي أنها شرعت ثلاثًا، وكذا فإن الصبح بقي ركعتين، لكن ابن عباس رضي الله عنه روى أنها فرضت في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين إلا في المغرب فبقي فرضها على أصله وكذا الصبح.

وكان لا بد يا حضرات السادة أن يحدث رسول الله قريشًا عن رحلته الخارقة للعادة، ويبلغ المسلمين أمر ربه بتكليفهم بالصلاة، فلما هم بالخروج بعد أن أخبر من معه في الدار، أشفقت عليه أم هانئ وتعلقت بردائه لتحول بينه وبين ذلك خشية أن يكذبه الناس أو تسخرمنه قریش وقالت: يا نبي الله لا تحدث الناس فيكذبوك ويؤذوك. فقال وهو الذي لا يخشى في الحق شيئًا ويهون عليه في سبيله كل أمر قال: والله لأحدثنهم. وكان ما توقعته أم هانئ بل ارتد بعض المسلمين الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم. واستنكر الناس هذا وقالوا إن العير تسير شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرًا مقبلة أيذهب محمد في ليلة واحدة ويرجع؟

وذهب ناس إلى أبي بكر فقالوا هل علمت أن صاحبك يزعم كذا وكذا؟ فلم يصدقهم فيما نسبوه إلى الرسول من قول، فلما استوثق من صدق الرواية عنه صدق وقال: والله لئن كان الرسول قال هذا فإني أومن به وأصدق وما تعجبكم من ذلك؟ إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه. فهذا أبعد مما تعجبون منه، وذهب للقاء الرسول وكان نفر من قريش قد طلبوا منه صلوات الله عليه أن يصف لهم بيت المقدس فأخبرهم عنه ووصفه لهم وكان أبو بكر كلما سمع منه وصفًا صدق وآمن وقال إنه لحق. ولذا سمي بالصديق، كما أخبرهم الرسول عن قوافلهم التجارية إلى الشام وعن عيرهمأين لقیها ومتی تصل مما لو يؤيد مع تبيين صدقه موضع الربية وقد أعز الله نبيه وأظهر لهم صدقه حتى إنه جاء عنأبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، أي لم أعرفها حق المعرفة فكربت كربًا ما كربت مثله قط، قال :فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به».

ونتج عن هذا أن عادت الطمأنينة إلى من تزعزع إيمانهم، وازداد المؤمنون إيمانًا، وقوي عزم الرسول بالنصر، ودخل الكثيرون من قريش في دين الله وسمي أبو بكر بالصديق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

123

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

في ذكرى الإسراء والمعراج

نشر في العدد 29

197

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)