; الاستراتيجية الأمريكية للهروب من بلاد الرافدين | مجلة المجتمع

العنوان الاستراتيجية الأمريكية للهروب من بلاد الرافدين

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 24-ديسمبر-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1682

نشر في الصفحة 30

السبت 24-ديسمبر-2005

أريد أن أسال الرئيس : لماذا قتل ولدي ؟ تساؤل بسيط قذفته «سيندي شيهان» في وجه الرئيس بوش حول مقتل ولدها في العراق؛ وهي أم أمريكية من ولاية كاليفورنيا؛ أصرت على مقابلة الرئيس بوش واعتصمت قرابة أسبوع في خيمة نصبتها أمام الاستراحة التي يقضيّ فيها الرئيس الأمريكي عطلته في كروفورد بولاية تكساس، التساؤل بسيط؛ نعم وإنساني بالدرجة الأولى.. لكنه من منظور سياسي يهز «العقيدة الاستراتيجية» التي تتكيّ عليها الحرب العدوانية على العراق؛ لأن من بدهيات المنطق أن الإيمان بالهدف من مستلزمات العقيدة المكونة لأي استراتيجية مهما كان نوعها .

وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في جلسة استماع بمجلس الشيوخ يوم ١٩ أكتوبر الماضي لم تلتفت لتساؤل «شيندي» الإنساني- الاستراتيجي؛ بل ظلت تمعن في التضليل؛ شارحة استراتيجيتها الجديدة آنذاك في العراق؛ التي اختصرتها في ثلاث مفردات؛ «التطهير والاحتجاز والبناء» وتعني تطهير المناطق من سيطرة «المتمردين» واحتجازهم في أماكن مؤمنة وبناء مؤسسات عراقية وطنية.

لا يحتاج المرء إلى ذكاء شديد ؛ كي يكتشف أن ما روجته رايس حينذاك ليس سوى «استراتيجية تضليل» محضة؛ وبشكل مكشوف تخجل منه؛ حتى أدنى حكومة بدائية تتعلم «الديمقراطية» في أطراف العالم الثالث؛ وربما الرابع.

 في جلسة الاستماع ذاتها؛ أعادت السيناتور «بربرا بوكسر» «ديمقراطية عن ولاية كاليفورنيا» طرح الأزمة الأمريكية في العراق معززة تساؤل الأم الثكلى «شيندي»؛ ولكن بسياق سياسي قائلة: «إن الشعب الأمريكي لا يرغب في إعادة تشكيل الشرق الأوسط على ظهور أبنائه ودافعي ضرائبه». لكن الكلفة المالية والبشرية في العدوان على العراق كبيرة؛ إذ يكلف كل جندي أمريكي؛ ما يقارب ٣٥ ألف دولار أمريكي مترافقاً مع ضعف شديد في قدرة الجيش على استدعاء الاحتياط والحالة النفسية المتردية للجنود والضباب السياسي الكثيف - مجسداً بالفوضى العراقية الحالية - الذي يمنع رؤية نهاية الطريق؛ والخسارة الاستراتيجية والدبلوماسية التي لحقت بأمريكا وأضعفت تأثيرها الدولي والإقليمي؛ كل ذلك أجبر الإدارة المتغطرسة على التفكير ببدائل استراتيجية للخروج.

سياسات أمنية

إحدى الدراسات التي بحثت استراتيجية الخروج صدرت عن «مركز مشروع البدائل الدفاعية»؛ وهو مركز أبحاث أمريكي يعنى بالقضايا الدفاعية والاستراتيجية؛ ويهدف إلى رسم سياسات أمنية لمواجهة ما بعد الحرب الباردة. لخص الاستراتيجية الأنفة؛ وضع جدول زمني لانسحاب أمريكي منظم؛ مترافقاً مع إجراءات تشكل خطوطاً عريضة لتفصيلات تتضمنها أثناء التنفيذ بمساعدة الغلاف الإقليمي للعراق، وهذه الإجراءات هي: -تطوير ودعم قوات أمن عراقية أصيلة. صياغة- نظام إقليمي محيط بالعراق على قاعدة عدم التدخل في شؤونه. 

-إحلال قوات بديلة عن قوات الاحتلال الأمريكي تحت مظلة دولية. وربما يقرأ الحراك السياسي المتعلق بالملف العراقي بالمنطقة حالياً؛ ابتداء من اللقاء العربي بجدة ومروراً بزيارة عمرو موسى للعراق؛ ثم وصولاً لمؤتمر الوفاق العراقي بالقاهرة على أنه مقدمات ابتدائية لاستراتيجية الخروج في شقها العربي. ويأتي في ذات السياق أيضاً تصريحات المسؤولين العراقيين والأمريكيين الراهنة التي تتحدث عن جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية، وكتأكيد على ذلك شهد الميدان العراقي ممارسات ميدانية مؤشرة وهي احتفالات تسلم قصور صدام من قوات الاحتلال من قبل الحكومة العراقية؛ وخاصة بمنطقة تكريت التي تعرض فيها السفير الأمريكي والجنرال جورج كابسي تقصف صاروخي كاد أن يودي بحياة السفير .

برنامج سياسي للمقاومة

تتضمن استراتيجية الخروج؛ خلق أفق سياسي من نوع ما يمكن المقاومة العراقية من طرح برنامج سياسي بهدف عزل المقاومة التي تمثلها السلفية الجهادية باعتبارها واجهة إرهابية غدت تهدد دول الإقليم انطلاقاً من الحاضنة العراقية؛ وتفجيرات عمان الأخيرة نموذج لهذا الخطر الإقليمي. ويؤكد هذا المنحى ما ذكرته مصادر خاصة لجريدة الحياة اللندنية حول مشاورات استخباراتية أمريكية- عربية- عراقية على هامش مؤتمر القاهرة الأخير لبحث إمكان تطويق الزرقاوي، وهي أفكار سبق أن طرحها مسؤول الاستخبارات البريطاني في العراق على وزیر دفاع بلده جون ريد، وتضمنت توصيات بجدولة انسحاب قنوات الاحتلال بغية إرضاء، السنة لاحتواء مقاتلي حزب البعث وعزلهم عن أنصار القاعدة. استراتيجية الهروب بدأت، وخلال الأشهر المقبلة سيرى المشهد العراقي المزيد من تفصيلات حراكها في الميدان وفي الأفق السياسي.

الهوامش:

كاتب فلسطيني

الرابط المختصر :