العنوان الاستراتيجية الأمريكية في الشمال الأفريقي
الكاتب مصطفى الخلفى
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 74
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
حوض المتوسط هو قلب السياسة الجيوستراتيجية لواشنطن في العالم.. ويمثل حزامًا من النزاعات.. بؤر التوتر وتنامي الحركات الراديكالية العنيفة
المعلومات التي بين أيدينا تتجاوز أن تكون مجرد تقرير إخباري علي وضعية التواجد العسكري الأمريكي في حوض البحر الأبيض المتوسط، بل إنها تتجه لعرض مختلف الحيثيات لهذا البعد من التواجد، وتتيح بالتالي فهمًا أشمل للبعد الرابع، أي البعد العسكري بعد الأبعاد الثلاثة الأخرى «السياسية، الاقتصادية، الثقافية»، ونعتقد أن محصلة هذا الفهم هي استيعاب المعطيات الجيوستراتيجية التي تحكم المنطقة العربية إجمالاً في عالم ما بعد الحرب الباردة.
في كلمة وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين أمام مجلس العلاقات الخارجية في ١٤ سبتمبر من سنة ۱۹۹۸م، قال كوهين: إن الحفاظ على دفاع قوي ومرن في عالم جديد خطير، تميزه تهديدات معقدة «تعترضه ثلاثة تحديات وهي: إرهاب يتخطى الحدود القومية، ودول خارجة على القانون تتسارع لبناء أسلحة الدمار الشامل، وتوترات عرقية ودينية واقتصادية تقوض الأمن والاستقرار في مناطق حساسة من العالم، بمعنى أن الولايات المتحدة لم تعد في مواجهة عدو قوي واحد، كما كنا خلال الحرب الباردة»، واعتبر كوهين أن إحدى دعامات التعامل بفاعلية مع هذه التحديات هي «التعاون الدولي، فإذا كانت الولايات المتحدة زعيمة العالم بلا منازع، إلا أنها لا تستطيع حل المشكلات وحدها».
وتمثل منطقة الشمال الأفريقي حيث حوض البحر المتوسط إحدى أهم المناطق التي تذخر بتحديات عديدة للسياسة والمصالح الأمريكية من جانب، وتهدد دول جنوب أوروبا على الضفة الأخرى من حوض المتوسط.
ولذلك فقد أقامت الولايات المتحدة منذ سنوات شراكة استراتيجية مع بعض دول الشمال الأفريقي التي سمحت بتواجد عسكري أمريكي على ترابها، وقدمت تسهيلات عسكرية في مياهها وأراضيها للولايات المتحدة مقابل مساعدات عسكرية واقتصادية.. وكانت الولايات المتحدة - ولازالت - على تنسيق تام في تحركاتها مع حلف شمال الأطلنطي «الناتو».
إن حوض المتوسط يمثل قلب السياسة الجيوستراتيجية للولايات المتحدة في العالم، فهو مكان انطلاق التدخل الأمريكي في مختلف بؤر التوتر، بحيث إن معدل تدخل الأسطول السادس المرابط في حوض المتوسط، وصل إلى التدخل مرة كل خمسة أشهر، وهو معطى جديد لم يكن في فترات الحرب الباردة، وتقوية الوجود الأمريكي في هذه المنطقة واكبته سياسة جديدة تعتمد على التموضع القبلي والمُسبق للواء بحري دائم من جهة، ومضاعفة العمليات المشتركة مع الحلفاء وتهيئة القواعد والموانئ في الشمال الأفريقي لخدمة هذه العمليات من جهة، واستعمالها في حالة النزاع من جهة أخرى.
وهناك أمر مهم يتعلق بالحوار المتوسطي لحلف الناتو المؤطر ببرامج «الشراكة من أجل السلام» وهو حوار بدأ منذ سنة ١٩٩٤م. بين الناتو وست دول متوسطية، ويهدف إلى المساهمة في الأمن والاستقرار في الحوض المتوسطي، وإنجاز فهم جيد ومتبادل لسياسات مختلف الأطراف المتسارعة في الحوار، فضلاً عن الاشتراك في أنشطة خاصة «التعليم الإعلام، حفظ السلام، المراقبة» ومنذ سنة ١٩٩٧م عرف هذا المشروع ديناميكية جديدة من خلال تأسيس «مجموعة التعاون المتوسطية» في قمة الحلف بمدريد.
إن بداية عقد التسعينيات، عرفت مخاضًا شديدًا، داخل حلف الناتو، برز بوضوح في قمة ۱۹۹۱م، وعند الحديث عن المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو والانتقال به من مجرد منظمة عسكرية تقليدية للدفاع المشترك إلى منظمة سياسية - عسكرية للتعاون في مجال الأمن، والخروج بالتالي من منطق «الحفاظ على التوازن الاستراتيجي»، لاسيما بعد التحاق عدد من دول المنظومة الاشتراكية بالحلف، وفي سياق تحويل الناتو إلى عنصر مركزي في الأمن المشترك لأعضائه، تبلورت سياسة الحوار المتوسطي ومشروع الشراكة من أجل السلام، والتي تندرج في إطار «الشراكات المعززة الهادفة لتعزيز طاقات الحلفاء والشركاء على العمل معًا»، حسب بيان المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو والصادر عن قمة واشنطن المنعقدة في 24/٩/1999م.
وقد قام مركز الأبحاث الأمريكي راند RAND بإعداد دراسة مفصلة حول مستقبل هذا المشروع، تم توزيعها على السلطات والشخصيات السياسية والعسكرية للحلف، بالإضافة إلى الدول الست المشاركة في الحوار المتوسطي، في مؤتمر على أعلى مستوى نظم بروما في نوفمبر ۱۹۹۷م وحسب هذه الدراسة فإن المنطقة المتوسطية تحتل أهمية استراتيجية متزايدة في السنوات الأخيرة، باعتبار تدهور حالة الاستقرار في جنوب - شرق المتوسط، مما يؤثر على المصالح الحيوية للناتو، إن حوض المتوسط هو بمثابة «حزام من النزاعات» وبؤرة توتر، ويعرف حالة من تنامي الحركات الراديكالية والعنيفة، وتتقاطع فيه الاختلالات السوسيو اقتصادية، وقد تنتج عن ذلك عدة مشكلات وتحديات كالهجرة المرتبطة بحالة التنامي الديموجرافي المهمول في الجنوب المتوسطي، وما تطرحه من مطالب الشغل والتعليم والصحة والسكن.
ولقد تمت الإشارة في المؤتمر الآنف الذكر إلى أن الاختلال الديموجرافي بين ضفتي المتوسط سيتعمق في القرن الواحد والعشرين، وستنتج عنه تحديات خطيرة بدءًا من سنة ٢٠٢٥ من خلال تدفق عمليات الهجرة السرية، حتى إن بعض الخبراء الاستراتيجيين يتحدثون عن أن الشمال الأفريقي أصبح «مكسيك أوروبا».
كما أن تدهور حالة الاستقرار سيربك استيراد الطاقة والعمليات التجارية، فـ ٦٥ %من واردات أوروبا الطاقية (البترول، الغاز الطبيعي) تأتي من هذه المنطقة محملة في حوالي 3۰۰۰ باخرة يوميًّا، 30 %من البترول تستورده إيطاليا من ليبيا و ۳۲ %من الغاز الطبيعي الذي تحتاجه إيطاليا يأتي من الجزائر، والشيء نفسه عند فرنسا وألمانيا واليونان وأسبانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة، ففي سنة ١٩٩٦م لوحدها، بلغت واردات أسبانيا من المنطقة المغاربية ما نسبته ٧٤% من حاجاتها من الغاز الطبيعي، في المقابل فإن المنطقة جنوب المتوسط سوق رئيس لتسويق المنتجات الأوروبية والغربية عمومًا، فمثلاً ٦٧% من ورادات الجزائر هي من أوروبا، أما تونس فبنسبة ٦٩%، وليبيا ب٦٦%، والمغرب بـ ٥٧%.
مع المشكلة الديموجرافية وكذا المشكلات الطاقية والاقتصادية، يضاف مشكل رابع يتعلق باحتمال تحول المنطقة الجنوب - متوسطية إلى مصدر تهديد عسكري في حالة صعود أنظمة معادية للغرب، وامتلاك لأسلحة الدمار الشامل؛ مما يعكس معه تهديد أمن باريس ومدريد ولندن ويون، ولهذا أشارت دراسة لأدولف کارسلون عممتها وكالة الإعلام الأمريكية في صيف ۱۹۹۸م على هامش زيارة ويليام كوهين للمغرب إلى توافر عدد من بلدان الشمال الأفريقي على الصواريخ البالستية القادرة على إصابة أهدافها في عمق أوروبا، فضلاً عن تقدم برامج التسلح والصناعة العسكرية لهذه الدول، وبروز تطلعات عندها من أجل امتلاك الأسلحة النووية، وخصوصًا عند ليبيا التي تعتبر - في نظر الناتو - من أكثر الدول المغاربية سعيًا لرفع مستوى إمكاناتها وقدراتها العسكرية.
تبعًا للحيثيات السالفة الذكر، تبلورت المبادرة المتوسطية للناتو، والقائمة على بندين، أولاً: الشراكة من أجل السلام، وثانياً: توفير حزام واقٍ ومرن للدفاع المضاد تكفلت به الولايات المتحدة فيما بعد، وهو شبيه بنظام صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ البالستية، وقد تحملت مسؤولية بناء هذا النظام الدفاعي في البداية الدول الأوروبية المعنية فرنسا، أسبانيا إيطاليا، ثم البرتغال، وقد تمت الدعوة بإلحاح لذلك في تقرير صادر عن لجنة التكنولوجيا الجوية - الفضائية التابعة لاتحاد أوروبا الغربية في مايو ۱۹۹۳م، وربطت الأمر بصعود «الأصولية المسلمة» في الشمال الأفريقي، وقد أكد على ذلك ويليام كوهين في المنتدى عبر الأطلسي: أوروبا، والولايات المتحدة شركاء في الدفاع، وذلك في 20/٦/1998م عند تطرقه للموقع المهم لبرنامج الشراكة من أجل السلام في سياسة الناتو المتوسطية.
المراجع
1- Gabriel, E. "L'importance stratégique du Maroc et de la Région Méditerranéenne". 23/3/99. Rabat: USIS. Section des Affaires Publiques. Ambassade des Etats Unis d' Amérique P.6.
2 - كوهين، م نص الكلمة أمام مجلس العلاقات الخارجية، واشنطن: وكالة الإعلام الأمريكية، 15/٩/1998م.
3- Bédar, S. "Dialogue Sécuritaire entre deux rive" in Arabics No de sept, 99, P.39.
4- NATO Handbook "The Alliance's Mediterranian Dialogue",1998 Edition,in: http://www.nato.int/handbook/1998.
5- Wijk, R. "Vers une nouvelle stratégie politique pour I"OTAN" in revus OTAN, Edition Web, vol, 46, No 2. Eté 98.
6- Santis, N.de "L"avenir de L'initiative méditerranéenne de l'OTAN", in Revue OTAN, Edition Web. Vol. 46. No 1. Printemps 1998.
7- Carlson. A. "OTAN/ Afrique du Nord: Problémes et perspectives", Rabat: USIS. Septembre 1998.
8- الكرمز. ع. «تزايد الحضور العسكري - الأمريكي بالمغرب 81-98» دراسة غير منشورة.