العنوان الإرياني .. وجوده مشكلة وغيابه مشكلة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000
مشاهدات 79
نشر في العدد 1399
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-مايو-2000
■ ساهم في تأسيس حركة القوميين العرب في اليمن عام 1958م ثم انسحب منها ولم يلبث أن ظهر داخل صفوف السلطة.
■ اصطدم بالتيار الإسلامي في جامعة صنعاء بسبب رغبته في إلغاء كتاب "التوحيد" في العقيدة.
■ استحوذ عام 1995م على قيادة حزب المؤتمر الشعبي وقاد عملية تصفية للتيار المتعاطف مع الإسلاميين.
■ رغم تصنيفه ضمن التيار الليبرالي إلا أنه لا يبدو نصيرا للحريات ويتصرف بعقلية رجال الأنظمة الشمولية.
■ من أشد أنصار الانفتاح على الغرب وله علاقات وثيقة بيهود من أصل يمني.
■ استضاف المغنية اليهودية شمعة وأقام لها حفلا خاصا في بيته!
صار مؤكدا أن رئيس الوزراء اليمني د. عبد الكريم الإرياني يواجه أسوأ حملة انتقاد سياسية على هامش زيارة وفد سياحي إسرائيلي لصنعاء.. وهي الأزمة الثانية من نوعها في أقل من شهرين، حيث سبق أن تعرض د. الإرياني لانتقادات قوية بعد إعلان اعتزام حكومته تنفيذ مرحلة جديدة من زيادة أسعار بعض المواد النفطية.
أهم ما في الحملة الانتقادية التي يواجهها الإرياني أنها ظهرت مدعومة من أطراف قوية في السلطة الحاكمة في صنعاء، بل وتزامنت مع حملات صحفية اتهمت وزراء في حكومة الإرياني بالاسم بالفساد واستغلال النفوذ، فيما وصف بأنه صورة لتصفية الحسابات بين أطراف داخل الحزب الحاكم وفي الحكومة نفسها.
ولفهم أدق للأزمة التي تمر بها حكومة الإرياني، ينبغي العودة إلى يونيو 1998م، عندما تشكلت حكومة جديدة برئاسة الإرياني خلفت حكومة د. فرج بن غانم.. وكان التغيير نتيجة محتومة لتحفظ رئيس الوزراء السابق على تنفيذ جريمة جديدة من رفع الأسعار قبل أن يمنح صلاحية إحداث تغييرات كبيرة في وزارته وبعض المؤسسات الحكومية المهمة، لكن إصرار الحزب الحاكم على إعلان رفع الأسعار أولا دفع د. فرج بن غانم إلى الاستقالة، مما أدى إلى تشكيل الحكومة الراهنة برئاسة د. الإرياني، والتي كانت أولى قراراتها رفع أسعار الوقود وهي القرارات التي فجرت اضطرابات شعبية جعلت من د. الإرياني هدفا لشعاراتها الغاضبة، وتردد- يومها- أن الإرياني أصابته نوبة إغماءة بعدما سمع عددا من الهتافات ضده من إحدى المظاهرات الغاضبة التي مرت بجوار مكتب رئاسة الوزراء.
وعلى الرغم من عنف الأحداث والهزة التي أحدثتها أعمال الشغب، إلا أن د. الإرياني- المشهور بجراءته وعناده- استمر في تبنِّي قرارات رفع الأسعار معلنا أنه على استعداد لفقدان شعبيته في سبيل تنفيذ ما تسميه الحكومة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي وتصفه المعارضة بأنه برنامج للجباية المالية.
.. يلقي بالكرة خارج ملعبه
ويبدو أن د. الإرياني قد تعلم درسا من أحداث يونيو 1998م، فقد بدا لكثيرين حينها- أن هناك قوى داخل السلطة دعمت حملات الانتقاد ضد رئيس الوزراء وأسهمت في تحميله مسؤولية الإصرار على تنفيذ برنامج رفع الأسعار التي أثقل كواهل اليمنيين بصورة أثرت على مستويات المعيشة .. ولذلك فقد سعى الإرياني- بدهاء عندما حان موعد تنفيذ الجرعة الجديدة في بداية مارس الماضي- إلى رمي الكرة إلى رئاسة الجمهورية، فوجد رسالة باسم الحكومة إلى رئيس الجمهورية تضمنت شرحا للخطوات التي تمت والنجاحات التي تحققت ودعت رئيس الجمهورية إلى دعم الخطوة المقبلة وتأييد الحكومة في قرارها رفع أسعار بعض المشتقات النفطية، كما تضمنت الرسالة شرحًا للأضرار التي يمكن أن تصيب اليمن في حالة عدم تنفيذ المرحلة الجديدة من برنامج الإصلاح الاقتصادي.
وبمجرد أن تلقى الرئيس اليمني رسالة رئيس حكومته .. وأمين عام حزبه .. أحالها بدوره .. في خطوة زكية .. إلى المجلس الاستشاري لإبداء الرأي فيها .. وبدوره ناقش أعضاء المجلس رسالة الحكومة واتخذت الأغلبية موقفا ضد رفع الأسعار .. وبذلك اضطرت الحكومة لإيقاف رفع أسعار المشتقات النفطية التي كان من المتوقع أن تثير ردودا غير محسوبة .. لكن بدا واضحا أن ثمة أزمة تعتمل بين أركان السلطة، فجزء منها يتخوف من رفع الأسعار بالنظر إلى حالة التأزم الاقتصادي والمعيشي الذي يعانيه المواطنين .. وجزء آخر- بقيادة الإرياني- يحذر من عدم الالتزام بالاتفاق مع المنظمات الدولية في تحرير الأسعار.
صاحب هذا الخلاف اشتداد الحملة الصحفية ضد الحكومة ورئيسها.. وبدا أن السهام اتخذت لها هدفا واحدا هو د. الإرياني باعتباره أكثر المتحمسين لرفع الأسعار مهما كانت الآثار السلبية على المواطنين أو على شعبية حزب المؤتمر الشعبي الحاكم الذي يرأسه الرئيس على صالح الذي وعد الشعب بتحسين وعيشته أثناء الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 1999م.
تجسدت أشدت الانتقادات في مقالة كتبها الأمين العام لنقابة الصحفيين اليمنيين، ونشرها في صحيفة خليجية وحملت اتهامات صريحة للإرياني بأنه يقود اليمن نحو مصير مجهول بتبنيه المتحمس لبرنامج فاشل أضر بالاقتصاد وأغرقه في حالة كساد تدهورت بسببها أحوال نسبة كبيرة من المواطنين ناهيك عن ازدياد عدد العاطلين مع استمرار مظاهر الفساد المالي والإداري، وازدياد الخلافات بين الوزراء وخروج الغسيل القذر على صفحات الجرائد بإيحاء من مسؤولين في الحكومة والحزب الحاكم.
وجاء وفد اليهود
وفي خضم الحالة السيئة التي كانت تمر بها الحكومة جاءت زيارة وفد إسرائيلي بحجة السياحة، إلى صنعاء لتزيد الحملة الموجهة ضد الإرياني اشتغالا.. فللمرة الأولى يصاحب زيارة "يهود" لليمن حملة إعلامية عن بدء عملية التطبيع وعن استعداد اليهود لدعم اليمن اقتصاديًّا حتى تصير بمثابة "يابان" المنطقة .. واتضح أن الوفد الإسرائيلي ضم هذه المرة صحفيين ليسوا من أصل يمنِي.. ورجال أعمال وحاخامات أعطوا انطباعات قوية بأن زيارتهم تختلف عن الزيارات السابقة لليهود من أصول يمنية الذين اعتادوا زيارة اليمن منذ الثمانينات.
ومرة ثانية، تركزت السهام حول د. عبد الكريم الإرياني باعتباره- أيضا- أشد المتحمسين لفتح الأبواب أمام اليهود لزيارة اليمن، بحجة زيارة أقاربهم ومواطن آبائهم الذين هاجروا إلى فلسطين المحتلة عام 1948م.
والمشهور عن د. الأرياني أنه يقيم علاقات حميمة مع يهود من أصل يمني يعيشون في أمريكا.. وفي عام 1992م، أثار دهشة مواطنيه عندما استضاف مغنية إسرائيلية من أصل يمني تدعى شمعة- في صنعاء.. وأقام لها حفلة خاصة في منزله.. كما استضافها التلفاز اليمني في حلقة خاصة أثارت تعليقات مريرة ضد الزيارة في صحف المعارضة.
أثارت زيارة اليهود ضجة سياسية وإعلامية- يمنيا وعربيا- وحاصرت الاتهامات د. الإرياني الذي دافع عن الزيارة بأنها توجه رسمي وليس موقفا شخصيا له، وتردد أن الإرياني أوحى للوفد الإسرائيلي بمفاجأة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب وزعيم حزب الإصلاح الإسلامي، وزيارته في منزله.. لكن مساعدي الشيخ الأحمر تنبهوا للأمر وانتهت المحاولة بطردهم من منزل الأحمر، وازدياد الحملة ضد الإرياني، وضد زيارة الوفد الإسرائيلي لصنعاء.. ووجه الشيخ عبد الله الأحمر انتقادات للإرياني واعتبره مسؤولا عن غلطة السماح للإسرائيليين بدخول اليمن بوهم أنهم من أصول يمنية.
ومن جديد أحس الإرياني أنه يوضع في قفص الاتهام وحده، وأنه ربما يدفع- وحده- ثمن الإجراءات الاقتصادية غير الشعبية وثمن السماح للإسرائيليين بزيارة اليمن.. وربما كان هذا الإحساس سببا لتغيب الإرياني عن استقبال الرئيس علي صالح لدى عودته من جولته الخارجية الأخيرة.
ولم يتردد الرجل في تحريك بعض مؤيديه للاعتراض على تحميله وحده مسؤولية "التطبيع" مع اليهود، بينما هناك مسؤولون كبار يتحملون المسؤولية معه.
وكانت القشة في الحملة ضد الإرياني هو مقالة ثانية للأمين العام السابق لنقابة الصحفيين "مطهر الأشموري" نشرها هذه المرة في جريدة يمنية مدعومة من قيادات بارزة في الحكومة والحزب الحاكم.. حملته وحده مسؤولية فتح الباب أما زيارة الإسرائيليين وفي التواصل مع اللوبي اليهودي في أمريكا وإبرام صفقة ترحيل آخر يهود "صعدة" باعتبارها "بزنس" شخصي.
المقالة اتهمت الإرياني- أيضا- بأنه "عراب" الموقف اليمني الرسمي أثناء أزمة الاحتلال العراقي للكويت، ووصفته بأنه صاحب العلاقة الأقوى بالرئيس العراقي صدام حسين، ومحل ثقته، وأحد مستشاريه في العمل القومي.
وبالطبع أثارت المقالة غضب د. الإرياني الذي سارع- كما ذكرت مصادر صحفية وسياسية- إلى تقديم استقالته، لكنه تراجع عنها بوعود في التحقيق مع كاتب المقالة وإيقافه عن العمل وربما فصله من عضوية الحزب الحاكم.
وأيًّا ما تكن نتائج التحقيق الذي من المتوقع ألا يحدث أصلا.. فقد أيقن الإرياني أن بقاءه في رئاسة الوزراء قد تجاوز المدة المفروضة له، وأن استمراره ربما كان مرهونا باستخدامه لإصدار قرارات غير شعبية يتحمل وزرها سياسيًّا وتبرر إقالته كنوع من امتصاص الغضب الشعبي المتوقع.
المعلوم والمجهول في شخصيته
والحقيقة أن شخصية د. عبد الكريم الإرياني امتزجت فيها عوامل عديدة جعلت منه أحد أركان السلطة الأساسية منذ تشكيله أول وزارة في أكتوبر 1980م، فهو- أولا- ينتمي إلى أسرة عريقة في اليمن الأوسط، برز منها علماء وقضاة وسياسيون وأدباء.. كما أسهم في تأسيس فرع حركة القوميين العرب في اليمن عام 1958م، لكنه سرعان ما انسحب منها وتفرغ للدراسة في أمريكا، وعاد منها يحمل شهادة الدكتوراه في فرع يتعلق بالمبيدات الحشرية.. ثم تولى مناصب وزارية عدة كان من أهمها منصب وزير التربية والتعليم، وإدارة جامعة صنعاء.. واصطدم في منصبه ذاك بالتيار الإسلامي بسبب رغبته في إلغاء كتاب "التوحيد" الذي يدرس العقيدة الإسلامية بأسلوب عصري.. وقد ترك الإرياني اليمن بعدها وعمل في أحد صناديق التنمية في الكويت حتى تم استدعاؤه عام 1980م لتشكيل الوزارة، وانتهت أيام وزارته عام 1983م بإعلان الأزمة الاقتصادية في اليمن، وانكفأ الإرياني لمدة عامين بعيدا عن المناصب الرسمية الكبرى، ثم عاد كوزير للخارجية وبدأ رحلة الصمود من جديد حتى صار أحد كبار أصحاب النفوذ، وتزعم من خلال منصبه العتيد في وزارة الخارجية.. مما يطلق عليه في الوسط السياسي اليمني التيار الداعي للعلاقات الوثيقة مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من ذكاء الإرياني وحيويته إلا أنه يتصف بشخصية صدامية مع الآخرين ويتهمه خصومه بأنه صاحب نزعة تمكين أقاربه في المناصب الإدارية المختلفة.. وهي ظاهرة بارزة تشمل الكبار منهم والصغار على السواء.. وعندما تولى رئاسة الوزراء في الحكومة الأخيرة عام 1998م، اختار صهره ليكون وزيرا لشؤون مجلس الوزراء فأطلق اليمنيون مقولة: إن الإرياني عندما تسلم تشكيل الوزارة من الرئيس وضع أول شرط قائلا: واجعل لي وزيرا من أهلي...
وبالإضافة لمكانته الحكومية، فقد تمكن عام 1995م من الاستحواذ على قيادة حزب المؤتمر الشعبي العام، ووضع شرطا لقبوله المنصب: إطلاق يده في العمل الحزبي للحصول على أغلبية مريحة في انتخابات عام 1997م، ومن حينها بدأ عملية تصفية للتيار المتعاطف مع الإسلاميين، وزرع خصومهم في أجهزة الحزب والدولة، فدشن سنوات الخصام بين الحزبين اللذين كان لتحالفهما عام 1993م 1994م، إسهام كبير في القضاء على حركة الانفصال التي قادها الحزب الاشتراكي.
ومع أن د. الإرياني يتم تصنيفه ضمن التيار الليبرالي.. إلا أن الرجل لا يبدو نصيرا للحريات النقابية والجماهيرية، ويتصرف مع مثل هذه الدعوات بعقلية رجال الأنظمة الشمولية التي تجعل من النظام الديموقراطي شعارا فضفاضا لا يمس شيئا من نفوذها وهيمنتها على المجتمع في مقابل هامش من حرية الصحافة والعمل السياسي لا يؤثر على اختيارات الحزب الحاكم المهيمن على مقدرات الدولة وإمكاناتها المالية والإدارية والأمنية.. وهو النموذج المعروف حاليا في أكثر من بلد عربي.
ضغوط الحملة الإعلامية والسياسية ضد د. الإرياني ليست بالهيِّنة.. لكن مسألة إقالته
لن تتضح قبل انتهاء احتفال اليمن بالذكرى العاشرة لقيام الوحدة في 22 مايو الجاري.. وهي كذلك مسألة مرتبطة بقرارات رفع الأسعار التي صارت تمثل هما سياسيًّا وشعبيًّا للنظام يساوي هم التعامل مع رئيس وزراء: وجوده أو عدم وجوده يسبب مشكلة عويصة بكل معنى الكلمة.