; الإرهاب في ميزان الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الإرهاب في ميزان الإسلام

الكاتب أحمد الريسوني

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996

مشاهدات 89

نشر في العدد 1201

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 28-مايو-1996

أصبح مصطلح الإرهاب يحتل حيزًا كبيرًا في القاموس السياسي المعاصر، وأصبحت له هالة رهيبة، بل لقد أصبح هذا المصطلح نفسه من أخطر وسائل الإرهاب، فتهمة الإرهاب صارت تشكل مسوغًا لا نقاش فيه للانقضاض على الشعوب والحركات والأفراد، وحتى على بعض الحكومات، قصد إذلالها وإخضاعها والتنكيل بها، أو ربما تصفيتها والقضاء عليها، وفي أحيان كثيرة نجد أن مجرد التلويح بتهمة الإرهاب يشكل تهديدًا صريحًا للجهة المراد ضربها ومقدمة للانقضاض عليها، إلى أن ترضخ وتستسلم أمام هذا النوع من الإرهاب.

لذا، أصبح من الضروري العمل على توضيح هذا الأمر، والسعي إلى رفع ما يكتنفه من تلبيس وتضليل وما يصاحبه من استغلال وتهويل، فهذا واجب كل الشرفاء والنزهاء من الباحثين والمفكرين والعلماء، ومن السياسيين والإعلاميين والخبراء وهذه خطوة على هذا الطريق الشائك الطويل.

معنى الرهب في كلام العرب

قال ابن منظور "رهب يرهب رهبة ورهبًا، أي خاف

ورهب الشيء رهبًا ورهبًا ورهبه خافه وترهب غيره إذا توعده

وأرهبه ورهبه واسترهبه: أخافه وفزعه وترهب الرجل إذا صار راهبًا يخشى الله

وأصل الرهبانية من الرهبة قال ابن الأثير، (وأصلها أي الرهبانية من الرهبة الخوف (لسان العرب: مادة رهب)

قال ابن عطية والرهبة الخوف ومنه راهب النصارى، ويقال رهب إذا خاف المحرر الوجيز (101/8).

وقد يبدو مما سبق أن الرهب مرادف للخوف، ولكن التأمل في استعمالات كل من الخوف والرهب يفيد أن الرهب أخص من الخوف يظهر ذلك في جانبين:

الأول: أن الخوف يعبر به عن الشديد والخفيف، ولا يعبر بالرهب إلا فيما كان شديدًا، فالخوف قد يصل إلى درجة الرهبة وقد لا يصل، والخوف اليسير لا يسمى رهبًا.

والثاني: وهو لازم عن الأول، أن الرهب يتضمن معنى الاحتراز والاجتناب للشيء المرهوب أو المرهب منه، وإلى هذا المعنى يشير العلامة اللغوي أحمد رضا في قوله: «رهب خاف أو مع تحرزه (معجم متن اللغة- مادة رهب).

وهذا المعنى الأخير تشهد له وتؤيده الاستعمالات القرآنية كما سيأتي.

الإرهاب والترهيب في الاصطلاح الشرعي

من المعلوم أن الله تعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا، فهم يبشرون بما في اتباع دين الله من صلاح وسعادة وحسن عاقبة، وينذرون مما في تنكب هذا الطريق من فساد وشقاوة وسوء عاقبة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشقَىٰ*  وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحشُرُهُۥ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ أَعمَىٰ*  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَنِي أَعمَىٰ﴾ (طه: 123-125).

والآيات القرآنية التي تصف الرسل جماعيًا وفرديًا بأنهم مبشرون ومنذرون، وتأمرهم بأداء هذه الوظيفة كثيرة جدًا ومتنوعة جدًا، والذي يدخل في موضوعنا من هذه الوظيفة هو شقها الثاني الإنذار، والله تعالى ينذر عباده ويرسل إليهم النذر والمنذرين، رحمة بهم لعلهم يتقون، ولأجل هذا كثر في القرآن الكريم التخويف والوعيد، بل جاء التصريح بأن ما في القرآن من وعيد وتحذير من سوء العاقبة مقصود به تخويف الناس بغية أن يستقيموا ويتقوا، كما في قوله عز من قائل: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (الزمر:15-16).

فهذا نوع من الترهيب أو الإرهاب أرسلت به الرسل، ونزلت به الكتب ويختلف صدى هذا الإرهاب في العباد باختلاف القلوب والنفوس، فالنفوس الميالة إلى تقبل الحق والتواضع له والسير في طريقه، تتأثر به وتأخذه مأخذ الجد والاعتبار، والنفوس الجامحة إلى العناد والكبر تأخذه مأخذ الاستخفاف واللامبالاة وبهذا صار الناس فريقين ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى  وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعات:37- 41).

 ومن هنا كان الأنبياء هم أشد الناس خوفًا ورهبة لله تعالى وأسرعهم تأثرًا واستجابة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (الأنبياء: 90).

هذا النوع من الإرهاب لابد منه للإنسان لمساعدته على حفظ توازنه وضبط شهواته ومعالجة آفاته، ومن لا يرهب سوء العواقب ولا يبالي بالنذر، ولا يخاف مقام ربه، لا يرجى منه خير ولا صلاح فالرهبة في هذا المقام سبب من أسباب الهدى والرحمة، وإلى هذا يشير قوله تعالى عن ألواح موسى عليه الصلاة والسلام ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (الأعراف: 154).

وإذا كان الله -عز وجل- قد أمرنا أن نرهبه حيث قال في سورة البقرة ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (البقرة:40) فإنه قد جعل هذه الرهبة خاصة له سبحانه، حيث قال بصيغة القصر في سورة النحل وقال الله لا تتخذوا الهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون أي فارهبوني وحدي ولا ترهبوا أحدًا غيري، لأني إلهكم وحدي، قال ابن عاشور أي قصر الرهبة التامة منه عليه، فلا اعتداد بقدرة غيره على ضر أحد (التحرير (١٤/ ١٧٤).

وهكذا تصير الرهبة من الله، والاستجابة لترهيبه وذلك كله هدى ورحمة تصير سبيلًا إلى التخلص والتحرر من سائر أشكال الرهبة والإرهاب، لأن النفع والضر بيد الله، والأمر كله إليه، فالمؤمن حين يعتد بترهيب الله لا يبالي بترهيب أحد سواه.

بين رهبة الله ورهبة العباد

الذين لا يرهبون جانب الله جل وعلا، ولا يخافون مقامه لا يبقى بينهم وبين الطغيان والعدوان حائل ولا مانع، ولاسيما إذا كانت لهم قوة وشوكة، هؤلاء هم الذين ملأوا تاريخ البشرية بالظلم والعدوان والجبروت والطغيان هم الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد وهم الذين ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً (النمل: 34)، ولكن هؤلاء الذين يخشون ربهم ولا يبالون بأمره ولا بنهيه، ولا يؤمنون بوعده ولا وعيده، هؤلاء ينبغي أن يخاطبوا بما يفهمونه، وأن يعاملوا بما يرونه ويلمسونه، لعلهم يرهبون ويرتعدون، ويكفون عن الناس شرهم وأذاهم، ولذلك أمر الله المسلمين أن يكونوا على أهبة الاستعداد في مواجهة أي عدوان، وأن يأخذوا بأسباب القوة الظاهرة، حتى يراها عدوهم فيقف عند حده، وإذا سمينا الأمور بأسمائها، فهذا نوع من الإرهاب، ولكنه إرهاب موجه لوقف العدوان والحد من الطغيان، ثم إنه إرهاب وقائي، حيث ليس فيه قتل ولا قتال، بل هو مجرد إعداد واستعداد، تنبيهًا للعدو المتربص المتحفز، وفي هذا يقول المولى جل شانه ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (الأنفال: 60)، قال الإمام ابن عاشور والإرهاب جعل لغير راهبًا، أي خائفًا فإن العدو إذا علم استعداد عدوه لقتاله خافه ولم يجرؤ عليه، فكان هذا هناء للمسلمين وأمنًا من أن يغزوهم أعداؤهم،(التحرير10/56).

 وهذا التدبير الذي شرعه الإسلام، وأمر به القرآن لا: لا يقتضي حربًا ولا يكون مانعًا من الحرب والقتال، وواقيًا للأرواح والأموال، ولا تقتصر فائدته على المسلمين وحدهم، بل فائدته تعود عليهم وعلى أعدائهم أيضًا، ولذلك وجب على المسلمين أن يكونوا مرهوبي الجانب أمام أعدائهم الذين لا يرهبون الله تعالى، ولا يرقبون في الضعفاء إلا ولا ذمة، ولكنهم يرهبون القوة ويحترمون الأقوياء، كما قال تعالى: ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ﴾ (الحشر:13).

والخلاصة أن هناك نوعين من الإرهاب جاء بهما الإسلام، نص عليهما القرآن:

۱ - الإرهاب بمعنى جعل الناس يخافون ربهم ويعظمون مقامه ويرهبون عقابه، وأكثر ما يعبر عن هذا المعنى عند علمائنا بالترهيب، الذي يقارن الترغيب، وبهذا المعنى ألف الحافظ عبد العظيم المنذري كتابه الشهير الترغيب والترهيب.

 الإرهاب بمعنى جعل أعداء المسلمين يهابون جانبهم فلا يعتدون عليهم، ولا يبادرونهم بالحرب وذلك لما يرونه من قوتهم وقدرتهم واستعدادهم وواضح أنه ليس في أي منهما مساس بأحد لا بقليل ولا بكثير، لا بحق ولا بباطل، فالإرهاب الأول للهداية، والإرهاب الثاني للوقاية.

أخطر ما في استعمال مصطلح الإرهاب اليوم هو الخلط المتعمد بين الظالمين والمظلومين، بل وقلب الحقائق وإلصاق تهمة الإرهاب بالمعتدى عليه

الإرهاب في اصطلاح السياسيين اليوم

أسجل في البداية أن مصطلح الإرهاب يستعمل اليوم لدى السياسيين والإعلاميين بكثير من التفاوت والخلط والتلبيس، ومع ذلك يمكن تلمس معنى مشترك يقصد في غالب الحالات الموصوفة بالإرهاب، وهو أن الإرهاب يقصد به أعمال العنف التي يقوم بها الأفراد أو الجماعات بشكل مبيت، ضد خصومهم السياسيين.

وتشمل أعمال العنف كل الأضرار المادية التي يتم إلحاقها بالأشخاص من قتل فما دونه، كما تشمل كل أعمال التخريب التي يتم إلحاقها بالمنشآت العمرانية والصناعية وغيرها من المصالح المعتبرة عند الأفراد، والشعوب، والجماعات، والحكومات.

 وأما قصر هذه الأعمال على الأفراد والجماعات دون الدول والحكومات فإن هذا الاستعمال الغالب اليوم لدى السياسيين، بحيث يتم التغاضي عما تقوم به معظم الحكومات والدول، ويقع التعامل معه بشكل مغاير، ولو أن بعض الأصوات الضعيفة تحاول من حين لآخر أن تدخل ضمن الأعمال الإرهابية ما تقوم به الدول أيضًا، وقد جرى الحديث مرارًا عن إرهاب الدولة، ولكن ذوي الهيمنة السياسية والإعلامية يصرفون الأنظار عن ذلك ويركزون خاصة على الأفراد والجماعات والمنظمات.

 وأما اشتراط أن تكون الأعمال مبيتة، فلكي تخرج من العمل الإرهابي بعض الصدامات وردود الفعل التي تقع بشكل عفوي وفجائي دون تحضير ولا تدبير ولا قصد كان تنتج أعمال شغب وعنف عن مظاهرة سلمية، أو يتحول نقاش سلمي إلى عراك وضرب.

وأما الاقتصار على دائرة الخصومة السياسية، فلأجل استبعاد الجرائم العادية التي تقع في المجتمعات من قتل وضرب وسرقة واغتصاب وتكون دوافعها نزوات ونزاعات وحاجات شخصية، فهذه أيضًا لا توصف عادة بالإرهابية، فإذا استثنينا هذه بقي في دائرة الخصومة السياسية كل أشكال الصراع والتدافع لأهداف سياسية، أو تتصل بالسياسة تأثيرًا وتأثرًا، سواء لدى الطرفين أو لدى أحدهما فقط.

ملاحظات وضوابط

لقد أصبحت تهمة الإرهاب بهذا المعنى الأخير سلاحًا خطيرًا يسلط على كثير من الشعوب والجماعات والمنظمات، وأحيانًا حتى على الدول والحكومات، وأصبح ترويج هذه التهمة وإلصاقها بجهة من الجهات كافيًا لإدانتها وتجريمها وشن الحرب عليها، بل يمكن القول إن تهمة الإرهاب قد أصبحت من أخطر وسائل الإرهاب.

غير أن أخطر ما في استعمال مصطلح الإرهاب اليوم هو التسوية والخلط المتعمد بين الظالمين والمظلومين بين المعتدين والمقهورين، وقد يتجاوز الأمر مجرد الخلط والتسوية إلى قلب الحقائق بإضفاء صفة المشروعية على الظالم المعتدي وإلصاق تهمة الإرهاب بالمظلوم والمعتدى عليه.

إن النظر السليم والحكم الصحيح على الأعمال التي توصف اليوم بالإرهاب، لابد فيهما من التمييز والتفريق، ووضع كل شيء في موضعه اللائق به، فهذا من البديهيات الألفبائية التي يقتضيها العدل والإنصاف، أما الخلط والتعميم والتسوية بين المختلفات، فليس سوى أسلوب من أساليب المغالطة والتضليل والخداع.

لا بد في هذا الموضوع من التمييز مثلًا بين الحالات الآتية:

الحالة الأولى كون الفاعل ظالمًا والمفعول ضده مظلومًا لا ذنب له.

 الحالة الثانية كون الفاعل مظلومًا والمفعول ضده هو ظالمه المصر على ظلمه.

 الحالة الثالثة: كونهم معًا معتدين ظالمين.

 الحالة الرابعة: حالة من ترك الوسائل السلمية وسلك من أول الأمر أعمال العنف والإرهاب لنيل حقه، أو لم يستنفد كل الفرص السلمية المتاحة له.

الحالة الخامسة: من سلك كل السبل السلمية واستنفد كل فرص المطالبة والإقناع لنيل حقه ورفع الظلم والعدوان عن نفسه، فلم تجده شيئًا ولم يأبه له خصمه، بل أمعن في ظلمه وهضم حقه.

 الحالة السادسة: حالة من يبادئ خصمه بالعنف والإرهاب.

الحالة السابعة: من يلجأ إلى العنف دفاعًا عن النفس أو معاملة بالمثل، حيث جاءت البداية من خصمه.

 الحالة الثامنة: حالة من كان حقه مقررًا ومسلمًا ومعترفًا به.

الحالة التاسعة: من كان حقه مجرد ادعاء ومطلب، لم يثبت أحقيته ولم يعترف بمشروعيته.

فهذه الحالات كلها موجودة الآن في من يتهمون بالإرهاب، ويدانون به ويجرمون وليس فيما عرفته البشرية وأمنت به من تعاليم دينية، أو قيم أخلاقية، أو قواعد قانونية، أو أعراف قضائية ليس فيها ما يسوغ التسوية بين كل هذه الحالات وإدانتها وتجريمها جميعًا واعتبارها شيئًا واحدًا، والحكم عليها بحكم واحد، ولكن الأغلبية الساحقة. نعم ساحقة من السياسيين وأتباعهم من الإعلاميين وغيرهم يفعلون هذا، يفعلون هذا تلبيسًا على الشعوب وتضليلًا لها، ويفعلونه على سبيل الإرهاب والإذلال لذوي الحقوق المشروعة حتى لا ينهضوا لنيل حقوقهم ورفع الظلم عن أنفسهم، ويفعلونه على سبيل التشويه والتنفير من كل فكرة أو حركة ينشد أصحابها الحق والعدل والكرامة.

وإذا كان المنطق يقتضي أن ندين كل إرهابي ظالم، وأن ندين كل مسارع إلى تفجير أعمال العنف والقتل حتى ولو كان ذلك في طلب الحق ما دام لم يستنفد جميع الوسائل السلمية في طلب حقه، فإن هذا المنطق نفسه يقتضي تأييد من قام يدافع عن نفسه وعن حقه بعد أن صبر واحتمل، وبعد أن استنفد كل السبل والوسائل السلمية.

 وإذا كنا ندين المبادئ بالعنف والإرهاب، فلا شك أن من يفعل ذلك ردًا ودفاعًا عن النفس يختلف عنه، وحتى حينما ندين من يرد العنف بمثله، فيجب على الأقل أن ندين أكثر البادئ بالعدوان.

وإذا كنا نقف موقف التحفظ أو التردد أو حتى الإدانة تجاه من يدافع عن حق مختلف في أحقيته، أو مازال بحاجة إلى إثبات واعتراف فليس من العدل في شيء أن نستنكر على من يسعى إلى حق لا غبار عليه، ولا نزاع في مشروعيته، وهكذا.  والأدهى والأمر هو أن يدان المظلوم المعتدى عليه ويسمى إرهابيًا ويسكت تمامًا عن ظالمه، وعن الظلم الذي ألحقه به. قد يحظى ظالمه بالتأييد والدعم والمساندة.

وإذا كنا لا ننتظر من صانعي السياسة الدولية وعبيدهم أن يحتكموا إلى المنطق، ويرجعوا إلى الإنصاف، فإن أهل العلم والفكر، وأهل المبادئ من السياسيين والإعلاميين، مدعوون وجوبًا إلى أن يميزوا وينصفوا، وأن يحاربوا التلبيس والتضليل والخلط.

لقد صارت تهمة الإرهاب سلاحًا خطيرًا يتم تسليطه على كثير من الشعوب والجماعات والمنظمات وأحيانًا على الدول والحكومات

تهمة الإرهاب وسياسة الكيل بمكيالين

 لقد أصبح معروفًا وواضحًا أن صانعي السياسة وقادتها من الأمريكيين وحلفائهم وأعوانهم يتعاملون مع قضايا العالم الإسلامي بمعايير ومنطلقات تختلف اختلافًا كبيرًا عن تعاملهم مع قضاياهم وقضايا الأمم والشعوب الأخرى، فكل ما هو ضد الإسلام والمسلمين يجد كامل الحزم والتنفيذ والتأييد والتمويل والتسليح، والتعبئة العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية، وكل ما فيه خير ومصلحة وحق للمسلمين يواجه بالرفض والمحاربة والتشويه والحصار، أو على الأقل بالإهمال والإقصاء والعرقلة.

وهكذا فحتى تهمة الإرهاب دخلتها سياسة الكيل بالمكيالين، فحينما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين، فإن تهمة الإرهاب جاهزة في كل لحظة، لا تحتاج لا إلى بحث ولا دليل، ولا تحقيق، كما أن حملات التشويه والإدانة تكون جاهزة لا تميز ولا تفرق لا بين ظالم ولا مظلوم، كما أن مخططات المواجهة والحصار والتصفية لا تحتمل تأخيرًا ولا مهلة ولا تفاهمًا.

 أما عندما يتعلق الأمر بغير المسلمين أو حين يكون المسلمون هم ضحايا الإرهاب، فكل ما سبق ينعكس تمامًا.

وبهذه الثنائية في التعامل تصبح الأعمال التي يقوم بها الشعب الفلسطيني لحماية وجوده وتحرير أرضه، أعمالًا إرهابية، بينما هي عند كافة الأمم أعمال بطولية مقدسة، وبهذه الثنائية تصبح السودان – مثلًا - مصدرة للإرهاب والإرهابيين، ولو لم يثبت ضدها أي شيء ولا مرة واحدة، ومن أي نوع ولأي سبب، بينما إسرائيل والمنظمات اليهودية تغتال، وتختطف وتدمر داخل العواصم الغربية والعربية وغيرها، ولم تتهم بالإرهاب في يوم من الأيام.

 وبهذه الثنائية تعتبر إيران دولة داعمة للإرهاب لكونها - ربما - تساعد بعض اللبنانيين على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم، وهو عمل مشروع معترف به لدى كل الأمم وفي كل العصور، بينما الدول التي تدعم الصرب وتمكنهم من إبادة المسلمين وتهجيرهم من بلدهم في البوسنة والهرسك، لم توصف قط بالإرهاب، ولا بمساندة الإرهاب لأنها يوغسلافيا، وروسيا واليونان، ونحوها، وليست باكستان أو أفغانستان، هذا فضلًا عما يقع في بعض بلدان المسلمين حيث يقتل الأبرياء في الشوارع والبيوت والمساجد ولا يسمى ذلك إلا محاربة للإرهاب.

ومن الفوائد التي يحسن ذكرها في هذا السياق، أن أول تشريع اجتماعي جاء به الإسلام هو تحريم سياسة الكيل بمكيالين، فإن أول ما نزل في العهد المدني من. عصر الرسالة المحمدية هو سورة المطففين التي مطلعها: ﴿وَيل لِّلمُطَفِّفِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَستَوفُونَ وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخسِرُونَ *أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبعُوثُونَ لِيَومٍ عَظِيم يَومَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ (المطففين:1-2-3-4-5) قال ابن عباس في أول سورة نزلت على رسول الله له ساعة نزل بالمدينة، وكان هذا فيهم كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا بخسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة انتهوا فهم أوفى الناس كيلًا إلى يومهم هذا.

وعن أبي هريرة قال: "نزلت في رجل يعرف بأبي جهينة، واسمه عمرو كان له صاعان يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر"، تفسير القرطبي (١٩ ٢٥٠) وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للدول فإنه ينطبق أيضًا على علاقة الحكومات مع الحركات الإسلامية، حيث لا يوصف اعتداء الحكومات العلمانية على اختيار الشعوب المسلمة كحالة الجزائر، أو مصادرة حقها في التغير عن اختياراتها بواسطة الهيئات السياسية والنقابية وفتح المجال أمام كل التيارات والاختيارات إلا نوعًا من محاربة الإرهاب، وحينما تدافع هذه الشعوب عن نفسها بعد أن أغلقت أمامها كل السبل فلا يسمى ذلك إلا عين الإرهاب.

أصبح معروفًا أن صانعي السياسة الأمريكية وأعوانهم يتعاملون مع قضايا العالم الإسلامي بمعايير تختلف اختلافًا كبيرًا عن قضايا الأمم والشعوب الأخرى.

الرابط المختصر :