العنوان الإرهابي أبو نضال!
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1986
مشاهدات 52
نشر في العدد 774
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 08-يوليو-1986
- حركة «فتح» حكمت على «أبو نضال» بالإعدام ولم تستطع تنفيذ الحكم.
- أبو نضال يتخذ حاليًا من سوريا ولبنان مقرًا لانطلاق عملياته الإرهابية التي يسميها عنفًا ثوريًا!!
أعلن وزير الداخلية الشيخ نواف الأحمد الجابر يوم الثلاثاء الماضي 1/ 7/ 1986، عن نجاح أجهزة الأمن في القبض على المتهمين، في محاولة الاعتداء على موكب سمو أمير البلاد في الحادي والعشرين من مايو ١٩٨٥، وكذلك المجرمين الذين زرعوا المتفجرات في المقاهي الشعبية بالشرق والسالمية في 11/ 7/ 1985، والذين حاولوا اغتيال رئيس تحرير جريدة السياسة.
وقد ذكرت إحدى الصحف أن المتهمين بحادثة التعرض لموكب سمو أمير البلاد خمسة أشخاص من حزب الدعوة، بينما المتهمون بحادثة متفجرات المقاهي الشعبية ومحاولة اغتيال رئيس تحرير السياسة، اثنان من جماعة «أبو نضال» ألقي القبض على أحدهم، فيما طلب رسميًا من دولة عربية تسليم المجرم الثاني لمحاكمته على جرائمه في الكويت.
من هو أبو نضال؟
اسمه صبري خليل البنا، ولد في يافا بفلسطين سنة ١٩٣٦ أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى، وأمه سورية من اللاذقية، هاجر إلى غزة عام ١٩٤٨ وكان صبيًا في الثانية عشرة من عمره، ثم ترك الدراسة مبكرًا ليلتحق بالعمل في إحدى دول الخليج، حيث عمل في نهاية العقد الخامس من هذا القرن في ورش البناء «دهانًا وطراشًا»، وانتسب في هذه الأثناء إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم انسحب من الحزب في مطلع العقد السادس من هذا القرن وشكل مع مجموعة من رفاقه «تنظيم فلسطين السري»، ثم انتسب إلى حركة «فتح».
وفي عام ١٩٦٧ تفرغ للعمل الفدائي في الأردن وأصبح عضوًا في قيادة إقليم الأردن لحركة «فتح»، التي كانت تضم بالإضافة إليه كلًا من قدري وناجي علوش «أبو إبراهيم» و«أبو داود» و«أبو صالح»، وكان هؤلاء -ربما باستثناء أبو داود- نواة الاستقطاب لما عرف فيما بعد بتيار اليسار في حركة «فتح»، ومن ثم عمليات الانشقاق عن التنظيم الأم.
وقبل أحداث سبتمبر «أيلول» عام ١٩٧٠ في الأردن نقل أبو نضال إلى بغداد، وتسلم رئاسة مكتب «فتح»، ومن ثم أصبح عضوًا في المجلس الثوري لحركة فتح استنادًا إلى قرار الحركة الذي يعتبر مسئولي مكاتب الحركة في دول الطوق المحيطة بالكيان اليهودي أعضاء في المجلس الثوري.
اختلافه مع قيادة فتح
بعد أحداث أيلول عقد المؤتمر الثالث لحركة «فتح» في دمشق، فتقدم أبو نضال ممثلًا عن اليسار في فتح ببرنامج عمل يتبنى إسقاط النظام في الأردن، وهو البرنامج المضاد للبرنامج الذي تقدم به علي الحسن الذي يدعو إلى سرية العمل الفدائي ضمن إستراتيجية «التفجير المتسلسل».
في مقابلة له مع مجلة «كابيو» الإسبانية نشرته في ٢٥ أبريل «نيسان» 1975 قال أبو نضال: «الخلافات مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قديم، بدأ مع وجود هذه القيادة التي أنشئت بقرار من مؤتمر الملوك والرؤساء العرب الأول بالقاهرة سنة ١٩٦٤، بهدف تطويق بداية حركة التحرير الوطني الفلسطيني المسلح، وامتصاص النقمة الجماهيرية الفلسطينية والعربية التي حملت في طياتها بدايات العمل الثوري المسلح، وعندما توحدت البورجوازية الصغيرة بالتزاوج بين قيادة المنظمة وقيادة «فتح» سنة ١٩٦٨، تفجر الصراع الداخلي حينما خانت البورجوازية الصغيرة بقيادة المنظمة البرنامج السياسي للحركة».
ففي ذلك التاريخ «14/ 11/ 1968» وضعت الحركة الفلسطينية المسلحة في الأردن وجهًا لوجه أمام النظام، وكان برنامج الحركة يقول بالإطاحة بالنظام، ولكن قيادة المنظمة التي كانت جزءًا من قيادة فتح خانت هذا البرنامج، فتصاعد الخلاف الداخلي، وبرز خطان سياسيان داخل حركة فتح وداخل المنظمات الأخرى.
بعد حرب رمضان أي في بداية عام ١٩٧٤، طرحت حركة فتح ومعها بعض الفصائل الفلسطينية شعار «السلطة الوطنية»، فعارض أبو نضال وشكل إطارًا تنظيميًا بالاشتراك مع ناجي علوش وأبو داود، وكان هذا الإطار على علاقة ما بأبي موسى ولكن «أبو نضال» لم ينخرط في «جبهة الرفض» التي تشكلت عام ١٩٧٥، والتي ضمت جبهة التحرير العربية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجبهة التحرير الفلسطينية، وجبهة النضال الشعبي، إلا أنه ظل على اتصال مع هذه الجبهة. وعندما انشقت جماعة «أبو موسى» صيف عام ۱۹۸۳، قال أبو عمار لصحفيين أجانب إن أبو نضال وخمسة وخمسين من رجاله انضموا إلى المنشقين في البقاع الذين يقودهم أبو صالح، وكان أبو نضال هو الذي استغل نفوذه في المؤتمر الثالث لحركة فتح، لإيصال أبو صالح إلى عضوية اللجنة المركزية، وأوصل ماجد أبو شرار إلى أمانة سر المجلس الثوري، وتتهم مصادر فلسطينية جماعة أبو نضال باغتيال سعد صايل القائد العسكري الفلسطيني في البقاع العام الماضي.
انفصاله عن حركة «فتح»
ونتيجة لتفاقم خلافه مع التيار العام في فتح، انفصل أبو نضال بتنظيم فتح في العراق عام ١٩٧٦، واستقل بتنظيم خاص أطلق عليه اسم «حركة فتح - المجلس الثوري» وكان ناجي علوش هو الأمين العام لهذا التنظيم، رغم أنه كان ما زال حتى ذلك الوقت يعمل علنًا كعضو المجلس الثوري لحركة فتح، وضمت قيادة التنظيم أبو داود ومنير شفيق.
وورث أبو نضال بعد انشقاقه جميع تسهيلات وممتلكات «فتح» في بغداد، بما في ذلك معسكر التدريب في الرمادي قرب بغداد وعدة مكاتب ومنازل وكميات كبيرة من الأسلحة، وإلى هذا ورث اسم فتح وشعاراتها، فالمجلة التي أصدرها في بغداد حملت اسم «فلسطين الثورة» وهو اسم مجلة فتح، كما أن جناحه العسكري حمل اسم العاصفة، وهو اسم الجناح العسكري في «فتح» وقد سيطرت جماعته على الجالية الفلسطينية في العراق التي يقدر عددها بثلاثين ألفًا، وصار أي فلسطيني يريد دخول الجامعة أو له مصلحة يريد إنجازها في الدوائر الحكومية، يحتاج إلى موافقة التنظيم وخاتمه، وكان قبل الانشقاق دعا إلى عقد مؤتمر عام لحركة «فتح» عام ١٩٧٥، من أجل اتخاذ قرار بطرد ياسر عرفات من الحركة، وبالتالي الحفاظ على وحدتها. ولكن الضغوط الفلسطينية حملت حكومة العراق على منع عقد المؤتمر.
الحكم عليه بالإعدام
وكرد فعل مباشر لعملية الانشقاق ونتيجة لما قيل من إنه حاول في تلك الفترة تدبير اغتيال خالد الحسن والتآمر لاغتيال عرفات، أصدرت محكمة «فتح» الثورية حكمًا غيابيًا بالإعدام على صبري البنا بتهمة إثارة حرب أهلية فلسطينية، ولكن أبو نضال هزئ من هذا الحكم، وقال في مقابلة مع مجلة «الديار» الأسبوعية اللبنانية: «إنني قادر تمامًا على الوصول إلى قيادات المنظمة المتذبذبة لتنفيذ أحكام الإعدام التي أصدرتها عليهم» ولم يكن من السهل على المنظمة التخلص منه أو القبض عليه لتنفيذ الحكم الصادر عليه، فقد وصف بأنه «إنسان عنيف وإن لم يكن بالغ الذكاء، ولديه مقدرة عجيبة في التنكر وسبر أغوار المستجدات السياسية في الساحة العربية».
وتعتبر جماعة أبو نضال من أكثر التنظيمات السرية دقةً وتنظيمًا وتنكرًا وحمايةً من جهات عربية معروفة، فقد استطاع أبو نضال في إحدى المرات أن يتجول في بعض البلدان العربية في زي قس كاثوليكي، وساعد في عملية تسلل أبو داود إلى الأردن في زي امرأة من أجل نسف مجلس الوزراء الأردني، ولكنه اعتقل وصدر عليه حكم بالإعدام ثم أطلق سراحه بإرادة ملكية.
وقد تمكن هذا التنظيم بما لديه من وسائل اتصال وأساليب تهريب للأسلحة، من تنفيذ عدد من عمليات الاغتيال ضد ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية، ودبلوماسيين أردنيين وخليجيين. وعلي حين تقدر مصادر منظمة التحرير بأن عدد أفراد هذا التنظيم يقدر بعدة مئات تقدره المصادر الغربية بأنه قد يصل إلى ألفين.
ويرفض صبري البنا أن تطلق عليه وعلى جماعته صفة الإرهاب، لأنه يعتبر عملياته مجرد عنف ثوري، وقد قال في مقابلة صحفية ظهرت في نشرة قبرصية: «نحن تنظيم ممتد ونطرح خطًا فكريًا تقدميًا، وتهم تنظيمنا قضايا الثورة العربية، ونحن نناضل على جبهات عديدة، والعنف الثوري والكفاح المسلح هما إحدى هذه الجبهات».
محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن
ومن المعروف أن جماعة أبو نضال أعلنت مسئوليتها عن محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو ارغوف في 3/ 6/ 1982 وهي الحادثة التي اتخذ منها الصهاينة ذريعة لغزو لبنان بعد ثمانٍ وأربعين ساعة. وقد ألقي القبض في لندن على ثلاثة بتهمة علاقتهم بالحادثة، قيل إنهم من جماعة أبو نضال وهم غسان سعيد، ومروان البنا، ونواف الروسان. وقد نقل عن رئيس المجموعة نواف الروسان قوله: إن غزو «إسرائيل» للبنان -الذي كانت محاولة اغتيال أرغوف ذريعته- هو العلامة التي ستجعل التاريخ يذكرني».
ولسنا ندري كيف يفكر أعضاء هذه الجماعة، كيف يعتبر غزو اليهود للبنان بحجة تدمير منظمة التحرير متذرعين بمحاولته اغتيال السفير الإسرائيلي.. كيف يعتبر هذا الغزو مفخرة تاريخية له؟!
صحيح أن هذه المنظمة قامت ببعض العمليات ضد اليهود خارج فلسطين المحتلة ولكن، هل هذا العمل وحده هو طريق تحرير فلسطين؟ لماذا لم نسمع عن عمليات لجماعة أبو نضال داخل فلسطين المحتلة؟ ولماذا كان تركيز معظم عملياتهم ضد ممثلي منظمة التحرير وضد دبلوماسيين عرب، وضد شعب الكويت وأبنائه في المقاهي الشعبية الآمنة وغيرها من الأماكن في الكويت؟
والأمر الذي يثير الدهشة حول طبيعة هذه الجماعة أنها تتنقل بين عاصمتين عربيتين أو ثلاث بينها تناقض واضح، فحين انشق أبو نضال عن «فتح» استقر في بغداد، وقيل وقتها إن الذي عزز مكانته هناك كشفه عن محاولة انقلابية كان يعد لها عقيد منشق، ولكن حرب الخليج وما أحدثته من متغيرات في العلاقات بين بغداد وعمان والقاهرة وبعض العواصم العربية الموسومة بالاعتدال، جعلت وجود أبو نضال في بغداد غير مرغوب فيه، فتوجه إلى دمشق رغم عمليات العنف التي سبق أن قام بها في هذه العاصمة الأخيرة.
أنشأ أبو نضال مركزًا للتدريب في سوريا ومركزًا إعلاميًا، واستأنف ممارسة عمليات القتل والتفجير، ولم تلبث سوريا أن طلبت منه مغادرة البلاد فعاد إلى بغداد نهاية عام 1982. ثم لم تلبث بغداد أن أغلقت مكاتب أبو نضال في شارع السعدون وذلك في نوفمبر «تشرين الثاني» 1983. فعاد أبو نضال مع جماعته مرة أخرى إلى دمشق وبالطبع إلى لبنان.
ولو أن جماعة أبو نضال ركزت عملياتها ضد العدو اليهودي في الأرض المحتلة، لوجدت كل الدعم والاحترام من الجماهير أما أن يكون همها القتل، وقتل الأبرياء تحديدًا وخارج نطاق الصراع ضد العدو اليهودي في فلسطين، ولتنفيذ أهداف بعيدة كل البعد عن مسار القضية الفلسطينية، أو متناقضة تمامًا مع هذا المسار وتحت حماية أجهزة الاستخبارات العسكرية للدولة التي تقيم فيها، وربما لدول أخرى، فهذا ليس عنفًا ثوريًا، بل هو عنف عبثي مشبوه لا بد أن يتوقف أو يوجه الوجهة الصحيحة نحو الأرض المحتلة في فلسطين. وعلى الذين يجد أبو نضال في ديارهم الحماية والدعم أن يعيدوا النظر في موقفهم منه وأن يطردوه، وإلا فإن استمرار وجوده على أراضيهم يجعل جميع المراقبين يجزمون بأن هذا الإرهابي يعمل لحساب أولئك.