العنوان قضايا دولية الإذلال الفرنسي لأفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
مشاهدات 59
نشر في العدد 642
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 25-أكتوبر-1983
- ثمة نزاع خفي بين فرنسا والمحورين: أمريكا، وروسيا
- الاستعمار الفرنسي الجديد أجهض تجربة الاستقلال
عند المحكات دائمًا ما تتجلى الحقائق الأصلية وتتكشف الخبايا والبواطن، ولعل هذا أيضًا ينطبق في عالم السياسة وألاعيبها المصلحية المستترة ببريق الصداقة وخدمة المصالح المشتركة بين الدول الكبرى ودول العالم الثالث الملعوب عليها. وتبرز هذه الحقيقة جلية في العلاقة الفرنسية- الإفريقية.
أما المحك الذي كشف القناع عن الوجه الاستعماري الفرنسي الجديد فهو الحرب التشادية التي تدور رحاها هذه الأيام وتدخل فرنسا العسكري السافر فيها. وهذا التدخل ليس غريبًا على المراقبين للأحداث إذ يعتبر السابع من نوعه منذ ١٩٧٦م، وكانت التدخلات الأخرى كالآتي:
في ۱۹۸۰م وفي ۱۹۷۷م في تشاد لدعم جوكوني عويدي، وفي ۱۹۷۹م حيث أطاحت بنظام الإمبراطور بوكاسا إمبراطور جمهورية إفريقيا الوسطى، وفي ۷۷- ۱۹۷۸م في زائير لوقف الحركة الانفصالية التي تديرها أنغولا، وفي ۷۷ - ۱۹۷۸م أيضًا في موريتانيا ضد جبهة البوليساريو وفي ١٩٧٦م في جيبوتي ضد حركة التمرد التي كانت تشجعها الصومال... وليس غريبًا أن تحدث هذه التدخلات رغم الشعار الذي يرفعه الرئيس ميتران «نعم للوجود الفرنسي.. لا للتدخل» والذي ظل يؤكده باستمرار كلما حدث تدخل فرنسي في إفريقيا.
أبعاد التدخل الفرنسي في تشاد
وعن الأبعاد الأساسية للتدخل الفرنسي في تشاد فإنه إضافة إلى عدم رغبة فرنسا في التخلي نهائيًّا عن مستعمراتها الإفريقية والتي استمرت سيطرتها عليها بعد مصير الاستقلال بفضل قاعدتها العسكرية في أنجمينا والتبعية الاقتصادية فإن هناك أبعادًا أكثر عمقًا وأوسع آثارًا داخل القارة السوداء، أولها: إحساس فرنسا بتحرك القوتين العظميين: الأمريكية، والسوفيتية داخل إفريقيا وسعيهما لسحب البساط من تحت قدميها في محاولة لاحتواء مجموعتها الإفريقية التي بذلت في سبيلها المال والرجال ولا زالت.....
ولذلك ثمة نزاع خفي بينها وبين هاتين القوتين أجج ناره اتجاه الحكومة الاشتراكي الغربي الواقع وسط المعسكرين: الاشتراكي الشيوعي، والرأسمالي الغربي.. هذا فضلًا عن اتجاه فرنسا الأخير لتحقيق حلم الزعامة الأوروبية. وهذه الحيثيات جعلت فرنسا تبرز على سطح الأحداث العالمية الساخنة مثل تشاد ولبنان وتتدخل عسكريًّا بصورة سافرة.
أما البعد الآخر والأهم فهو محاولة فرنسا لتثبيت ثقة مجموعتها الإفريقية بها نسبة لإحساسها بنمو روح التحرر الحقيقي وسط الاتجاهات الوطنية بين شعوب هذه الدول.. فإذا ما فقدت سيطرتها على تشاد وفشلت في حماية نظام حبري التابع لها فإن ثقة الزعماء الأفارقة التابعين لمحورها ستتدهور وهذا يعني احتمال اتجاههم نحو الدعم الوطني والسند الشعبي الداخلي في بلادهم... أي بداية نهاية سيطرة قصر الأليزيه.
الاستعمار العسكري
من بين ٣٨ دولة إفريقية تقع تحت نفوذها حرصت فرنسا بشدة على حضورها عسكريًّا داخل حدود ۱۹ دولة إفريقية ركزت عليها باهتمام زايد وهي: ساحل العاج، غينيا، يورندي، زائير، فولتا العليا، إفريقيا الوسطى تشاد الكنغو بنين جيبوتي، الغابون، مالي موريتانيا، النيجر، رواندا توغو السنغال، ومدغشقر.
ورغم تأكيدات ميتران المتكررة أثناء جولته الثالثة والأخيرة داخل إفريقيا بأن فرنسا لا تعتزم التدخل في الشؤون الداخلية للدول إلا أن الحقائق تدحض هذا الافتراء إذ يوجد في جيبوتي وحدها وهي آخر المستعمرات الفرنسية التي نالت استقلالها في يونيو ۱۹۷۷ حوالي ٤,٠٠٠ من رجال القوة العسكرية الفرنسية بحجة الحيلولة دون تدخل الجارتين المتناحرتين: الصومال، وإثيوبيا.
وفي ساحل العاج حيث يسيطر الفرنسيون على البلاد سيطرة واسعة نجد حوالي ٥٠ ألف فرنسي منهم ۱۲۰۰عسكري في العاصمة داكار- وقد عللت هذا الوجود العسكري إحدى الصحف الباريسية بما يلي: «نحن لا نستطيع تجاهل القارة الإفريقية التي تمولنا بـ ١٠٠٪ من اليورانيوم والكوبالت و۷۲٪ من المغنيسيوم و٥٥٪ من الكروم و۷۳ ٪ من الحديد و25٪ من الرصاص». ومن جانب آخر نجد أن الدعم العسكري الفرنسي المكثف يساهم في تحطيم اقتصاديات المنطقة، كما يستنهص روح النزاع الداخلي بين الجارات.
الاستعمار الاقتصادي
أما في جانب العلاقات الاستعمارية الاقتصادية الفرنسية- الإفريقية فقد خلقت فرنسا منطقة فرنك واسعة داخل إفريقيا وربطت اقتصادياتها وعملاتها بالفرنك.
وقد اتبعت فرنسا لتحقيق هذه الغاية أذكى الوسائل، فكما ذكر ميتران في إحدى جولاته الإفريقية «أن الولايات المتحدة الأمريكية معنية أساسًا بالمكاسب الإستراتيجية دون اهتمام بمشاكل القارة نفسها وأنها متجهة للتقارب مع جنوب إفريقيا دون اكتراث لأثر ذلك على بقية إفريقيا» إلا أن هذا التصريح ما هو إلا أسلوب تعمية المذنب لأبعاد الريبة والشك عما يرتكبه، إذ نجد أن ما يعني فرنسا أيضًا هو الإستراتيجية المصلحية وبأسلوب أعمق وأنكي.. فكيف ذلك؟
إذا قمنا برصد الدعم الفرنسي نجد جله يتركز على الدعم العسكري وتخفيف الأزمات الاقتصادية المتوالية بل الدائمة والتي تعيشها معظم إفريقيا. وبالتحليل الاقتصادي نجد أن دعم هذين النوعيين الاستهلاكيين بقروض ضخمة دون الدعم الاستثماري أو الإنتاجي يجعل الربط والتبعية بهذا الأسلوب أقوى وأقل أصلًا من الخلاص والاستقلال.
ومع أن ميتران كان قد انتقد سياسة الرئيس الفرنسي السابق ديستان في اتباعه لهذا الأسلوب ووصفها «بسياسة رجل المطافي المذعور» غير أنه قد وقع في ذات الفخ وذلك بما صرح به من داخل إفريقيا بأن جهود فرنسا ليست محدودة إلا أنها ستوجه إلى الأكثر فقرًا.. وكلاهما وجهان لكارت واحد.
وكان الاختيار الحاسم الذي كشف سياسته بهذا الصدد هو طلب رئيس الغابون عمر بونجو بإقامة فرنسا المحطة نووية في بلاده. وقد كان الرفض الدبلوماسي المتوقع فيما ذكره ميتران من أن الأمر يحتاج إلى دراسة مسبقة وأنه يتعين على الغابون أن تدرس في أول الأمر مشروعًا شاملًا للطاقة قبل أن يقع اختيارها على الطاقة النووية ولعل هذا الرفض ينبه بعض الزعماء الأفارقة الذين أطلقوا على متيران لقب «المحرر الاقتصادي لأفريقيا».
الاستعمار الثقافي
وبتسليط الضوء على أوجه الإستعمار الثقافية البديلة والذي مثلت فرنسا قمته من بين جميع الدول المستعمرة، فإن أبرز معالمه تتضح في تبديل اللغة التي تعتبر من أقوى الجذور التي تربط البنية المستعمرة بالمستعمر، ولم تفلح أي من الدول الاستعمارية بمثل فرنسا في إحلال لغتها بديلًا للغات المحلية في إفريقيا حتى بعد انتهاء الاستعمار الشكلي وقد وصل ذلك لدرجة أن أصبحت الفرنسية اللغة الرسمية لوسائل الإعلام المختلفة واللغة المشتركة لمختلف اللغات المحلية القبلية داخل الدولة الواحدة بل نجد حتى الأميين يتحدثونها بطلاقة- ولولا عمق وقوة الثقافة والتراث الإسلامي لما استطاع المغرب العربي أن يتخلص من هذا الأسر رغم البقايا المتخلفة حتى الآن والزائلة بإذن الله.
ومن الخيوط الذكية كذلك للأسر الثقافي الفرنسي تسهيل وسائل التعليم العالي للدارسين الأفارقة في فرنسا ونتيجة ذلك فقد أصبح طلاب باريس هم الغلبة المسيطرة على طبقة المتعلمين أيضًا اهتمت باريس بتخفيض وتسهيل وسائل الاتصال بين باريس والعواصم الإفريقية الفرنكية وعلى سبيل المثال فإن إرسال رسالة من باريس إلى غينيا يكلف نفس ثمن إرسال رسالة داخل باريس كما تقوم أيضًا بدعم تذاكر السفر بالطائرة ووسائل الاتصال السلكية واللاسلكية، وأصبحت باريس مدخل الملاحة الجوية للعواصم الفرنكية من كل العالم، بل وصل الأمر أعجبه إلى أن السفر الجوي من الغابون إلى ساحل العاج يحتاج إلى المرور عبر مطار باريس!!
الاستعمار السياسي
كما استطاع الاستعمار الاقتصادي إحكام تبعية منطقة الفرنك الإفريقية- باريس فإن الاستعمار الثقافي قد لعب دوره في ربط زعماء هذه المنطقة بالسياسية الأليزيه فأضحوا أصابع تتحكم فيها ويديرها القصر الباريسي بوسائله السالفة الذكر.
ومن مؤشرات الاهتمام الفرنسي المتزايد لإفريقيا أن ميتران وحده قام بثلاث جولات واسعة داخل إفريقيا فضلًا عن تظاهرة بالوقوف إلى جانب إفريقيا دوليًّا مما حدا بأحد الزعماء الأفارقة أن وقف يومًا يطلب من الرئيس ميتران «أن تكون فرنسا صوت إفريقيا في المحافل الدولية».
الكمنولث الفرنسي
وتتويجًا للسياسة الاستعمارية الفرنسية فقد انتهجت فرنسا بما يشبه الكمنولث فأقامت ما يسمى بمؤتمر القمة الفرنسي- الإفريقي والذي يعقد سنويًّا في باريس أو أحد العواصم الإفريقية. ففي المؤتمر العاشر الذي عقد في الرابع من أكتوبر الحالي في فيتيل شرقي فرنسا وفي حضور ۳۸ دولة إفريقية جلس الزعيم ميتران محييًا المؤتمر وأجلس على أحد جانبيه الرئيس الزائيري موبوتو الذي استضاف قمة كنشاسا العام الماضي، وعلى جانبه الآخر جلس الرئيس فيليكس هوفويه بواني أكبر الرؤساء سنًّا. والمراقب لهذا المشهد السياسي الاستهزائي بمنظار الحرية والعزة والاستقلال لا يراه الا فصلًا ختاميًّا معبرًا عن الذل والاستعلاء ضمن مسرحية السياسة الدولية.
ونخلص ختامًا إلى مختصر الأسباب التي ساعدت على هيمنة الاستعمار الفرنسي الجديد بسياسته المشوبة ببريق الرقة والتضامن والتي تمكنت من إجهاض تجريه الاستقلال حتى تجلت أزمة الأفارقة في أذل صورها هي:
استرخاء القوى الاستعمارية التقليدية «بريطانيا- بلجيكا» وارتياحهما النفسي للتخلص من لعنة وثقل التحرك والتبعات الاستعمارية يقابله اتجاه فرنسا المعاكس في هذا المضمار.
الرغبة الفرنسية في الظهور كقوة عالمية ثالثة.
اعتزازها بصدارتها وقدم تدخلها وعمق جذورها داخل إفريقيا جعلها تتحرك بذعر منازعة موسكو وواشنطن زحفهما نحو إفريقيا.
غياب منظمة الوحدة الإفريقية مهد لمنظمة الفرنك الإفريقية أن تحل بديلًا لها.
الجفاء العربي- الإفريقي وعدم الاكتراث من جانب المسلمين من حيث الاهتمام للتبشير بالإسلام والدعم الاقتصادي والارتباط الثقافي.
الأحوال المتردية التي تعيشها إفريقيا يجعلها تتجه دون تردد لمن يدعمها ماديًّا أو معنويًّا…
ولكن الأمل معقود على الطليعة الوطنية الراشدة التي استقت ثقافتها من المنابع الإسلامية وتلك التي نالت من الثقافة الباريسية وقيمتها بمنظور الإسلام الذي انتظم أكثر من ٦٥% من شعوب الدول المعنية وخلطتها بالحرارة الإفريقية التي تستعر لإذابة القيود الحديدية كلما أحاطت عنقها أو اقتربت لتمس حريتها وأصالتها الإسلامية العريقة.36