; الإدارة بالقلب | مجلة المجتمع

العنوان الإدارة بالقلب

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 17-يوليو-2010

مشاهدات 81

نشر في العدد 1911

نشر في الصفحة 54

السبت 17-يوليو-2010

كم استوقفتني آية من كتاب الله تعالى وجدت فيها عبراً كثيرة ومنافع عديدة، ولطالما سألت الله تعالى أن يعينني على التمثل بما فيها، هذه الآية هي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).
إنه إعمال القلب وإفساح الطريق له، إذ إن الحياة لا يمكن أن تستقيم بالمنطق والعقل فحسب، إنها بحاجة إلى رطوبة القلب وطراوته، إنها بحاجة إلى المشاعر الصادقة الحميمة التي تنبع من قلب مليء بالحب والرحمة.
وصدق أبو تمام حينما قال:  ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم وبلوت ما وصفوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعًا وإذا المودة أقرب الأنساب وكان سليمان الداراني يرحمه الله يقول: «إني لألقم اللقمة أخا من إخواني فأجد طعمها في قلبي ويقول سعيد بن العاص يرحمه الله: إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه »وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة : أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين إن هندسة الحياة وصناعة التأثير بحاجة إلى قلب واسع فسيح، يسع من وما حوله، بل يسع هذا الكون، كيف لا وهو القلب الذي تعلق برب الكون ومليكه ؟ إن يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد إن مما يثلج الصدر أن ديننا قد سلط المجهر على القلب منذ أكثر من أربعة عشر قرنا حتى قال نبينا إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ( رواه مسلم عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر بل يقول الرسول : «إن في القلب مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» لقد امتلأ كتاب ربنا وسنة نبينا بالآيات والأحاديث التي تسمو بالمشاعر وتنمي العواطف وتجعل الإدارة بالقلب أمراً بدهيًا عند الصغار قبل الكبار.
يقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ )الحشر:9) ويقول الله تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 22)
وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (رواه مسلم) وعن أنس، أن رجًلا كان عند النبي ﷺ قمر رجل به فقال: «يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي أعلمته ؟ قال: لا، قال: أعلمه فلحقه فقال: إني أحبك في الله فقال: أحبك الذي أحببتني له» (رواه أبو داود بإسناد صحيح).
وجلس عبد الله بن مسعود في السوق يبتاع طعامًا، فإبتاع ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدها قد حلت، فقال: حلت وإنها لمعي، فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها، اللهم افعل به كذا، فقال ابن مسعود: اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه  (إبراهيم جمل جذور الشر، ص ٤٦-٤٧).
ولقد تجاوزت المشاعر عند المسلمين الإنسان لتصل إلى الحيوان، حتى إن عمر بن الخطاب رأى رجًلا يسحب شاة من رجلها ليذبحها، فقال له: ويلك قدها إلى الموت قوداً جميًلا (يوسف القرضاوي الإيمان والحياة مكتبة وهبة القاهرة ۱۹۹۰م، ص  ٢٩0).
بل كتب عمر بن عبد العزيز إلى والي مصر أنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ست مائة رطل (المرجع السابق، ص ۲۹۰).
ويروي ابن الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن ركض الفرس إلا لحاجة، وأنه كتب إلى صاحب السكاك ألا يحملوا أي فرس بلجام ثقيل، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة (المرجع السابق ص (۲۹۰) .
      أولئك أباني فجنني بمثلهم              إذا جمعتنا يا جرير المجامع
الهوامش:
رئيس قناة حياتنا الفضائية ورئيس مركز التفكير الإبداعي

الرابط المختصر :