العنوان الإدارة الأمريكية تغير سياستها تجاه إيران
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1298
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 05-مايو-1998
الشركات الأمريكية التي تبخرت مصالحها في إيران تصطف الآن مع الأصوات الداعية إلى رفع الحظر عن إيران
في مقالة له في صحيفة كريستيان ساينس مونيتور قبل أسابيع يتذكر بروس لينجين رئيس الأكاديمية الأمريكية الديبلوماسية – عميد الرهائن الأمريكيين في طهران قبل حوالي عشرين عامًا – مثلًا فارسيًا كان أحد محتجزيه الإيرانيين يردده على مسامعه لبث شيء من الأمل في نفسه وهو أنه «لا شيء يبقى على حاله» إلى الأبد، أو ما يقابله بالعربية «دوام الحال من المحال»، ومضى أكثر من ١٤ شهرًا، ثم خرج لينجين القائم بأعمال السفارة الأمريكية في طهران في ذلك الوقت مع رفاقه الذين حجزهم طلاب إيرانيون من أنصار الإمام الخميني، بعد حوالي ١٨ عامًا على تلك الحادثة «الأليمة» عاد لينجين ليحرك طبقة الرمال الساكنة التي تغطي العلاقة الأمريكية - الإيرانية وليكون أحد الأصوات الأمريكية العالية التي تضغط على الإدارة الأمريكية من أجل ألا تبقى العلاقة بين البلدين على حالها إلى الأبد.
لم تظهر إشارات الغزل بين الإدارة الأمريكية وإيران واضحة وصريحة إلا بعد انتخاب السيد محمد خاتمي رئيسًا لإيران صيف العام الماضي، وهي محاولات تحاول مجموعات الضغط المتشددة في البلدين وأدها في مهدها، ففي الجانب الإيراني مازالت أمريكا في نظر الملالي وأنصارهم شيطانًا أكبر ونجسًا لا يمكن الاقتراب منه، وفي واشنطن يضغط اللوبي المتصهين باتجاه تشديد العقوبات الأمريكية على إيران التي يعتبرونها عدو إسرائيل الأول ومصدر الخطر القادم الذي يتهدد أمن الدولة اليهودية، ولأن الإدارة الأمريكية يغلب على تركيبتها العنصر اليهودي فقد سوقت بين الأمريكان مقولة أن إيران هي العدو الأول للولايات المتحدة، وعلى حد زعم الكاتب الأمريكي كيث بورتر فإن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة سيئة أو هي «أسوأ من علاقتنا مع أي دولة في العالم بما في ذلك العراق وفيتنام اللتين حاربناهما، وكوبا وليبيا كبشي الفداء المفضلتين لدينا».
الرئيس الإيراني خاتمي المعروف بتوجهاته الليبرالية والبراجماتية غامر بمد يده لمصافحة الأمريكان في المقابلة التلفزيونية التي أجرتها معه محطة سي إن إن في 8 يناير الماضي، وهي إشارة تلقفتها بحذر الإدارة الأمريكية التي تنظر إلى مصالحها الاقتصادية والتجارية تتراجع في منطقة الخليج العربي وترى في الوقت نفسه أن العقوبات التي تفرضها أمريكا دون المجتمع الدولي على إيران لا تضعف إيران بل تحرم الشركات الأمريكية من بلايين الدولارات التي تذهب إلى منافسي الولايات المتحدة في أوروبا الغربية وروسيا والصين واليابان، وانتهز مسؤولون أمريكيون سابقون وأعضاء في الكونجرس ومحللون سياسيون إشارة خاتمي لتذكير الإدارة الأمريكية بضرورة ألا تبقى العلاقة بين البلدين على حالها، وذهب عدد منهم إلى ضرورة مراجعة سياسة الاحتواء المزدوج التي وضعها اليهودي الصهيوني مارتن أنديك والتي تمارسها الولايات المتحدة ضد كل من العراق وإيران منذ عدة سنوات، فقد رأى مستشارا الأمن القومي الأمريكي الأسبقان زبيجنيو بريزنسكي وبرينت سكوكروفت بأن هذه السياسة الأمريكية ضد إيران غير فعالة وسبب في إثارة الخلافات داخل الولايات المتحدة (ورين أفيرز – مايو – يونيو ۱۹۹٧) وكانت رسالة كلينتون السرية إلى خاتمي لتهنئته بعيد الفطر أواخر يناير الماضي أول إشارة رسمية إلى رغبة الحكومة الأمريكية في تغيير توجهاتها السياسية نحو إيران حيث اقترح عليه البدء حالًا بمباحثات مباشرة بين البلدين.
الطريف أن تكون أول مبادرة للجمع بين الرئيسين الأمريكي والإيراني من خلال مباريات مصارعة بين «أبطال أمريكان وإيرانيين جرت في طهران أوائل شهر مارس الماضي، ثم رد المصارعون الإيرانيون الزيارة لزملائهم الأمريكان بعدها بقليل وإن قيل بأن الترحيب الذي لقيه الأمريكان في طهران كان أكثر حميمية من ذاك الذي لقيه الإيرانيون في المطارات الأمريكية».
وفي أواخر الشهر نفسه شهدت إحدى غرف جامعة بنسلفانيا الأمريكية أول لقاء شبه رسمي بين إيران والولايات المتحدة حين التقى لينجين بعلم وموافقة الإدارة الأمريكية الدكتور مصطفى تركز هراني أحد الأكاديميين الإيرانيين المقربين من الرئيس الإيراني، ولم يكن خاتمي – الذي لم يتعزز نفوذه في إيران إلى الحد الذي يتجاوز فيه خطوط الملالي الحمراء – لم يكن يريد لذلك اللقاء أن يأخذ طابعًا رسميًا ومباحثات مباشرة مع الحكومة الأمريكية، وكذلك الأمر بالنسبة للرئيس كلينتون الذي لا يدري كيف يواري فضائحه التي يثيرها ضده أنصار حكومة نتنياهو الصهيونية، لكن اللقاء المذكور أوصل الرسالة التي أراد خاتمي توجيهها للأمريكان، وقد أكد تركز هراني لمحاوره إيمان الرئيس خاتمي بالقيم الديمقراطية وعزمه على تحديد نفوذ الخط المتشدد في إيران على حد قول المصادر الأمريكية وكذلك رغبة خاتمي بتحسين علاقات بلاده مع الخارج، وهي سياسة واضحة يتبعها الرئيس الإيراني الذي أظهر انفتاحًا على العالم الخارجي وخصوصًا الدول العربية، والخليجية منها على وجه أخص.
إيران على حد قول تركز هراني حاولت حتى في زمن الرئيس السابق رافسنجاني تقديم إشارات إيجابية للولايات المتحدة عندما وافقت لشركة كونكو الأمريكية عام ١٩٩٥م على عقد بمليار دولار لتطوير حقول نفط وغاز في بحر قزوين، إلا أن قرار الإدارة الأمريكية بمنع الشركات الأمريكية وتلك الأجنبية التي تستثمر في الولايات المتحدة من أي نشاط استثماري في إيران حرم الشركة الأمريكية من ذلك العقد الذي اقتنصته إحدى الشركات الفرنسية إيران لم تتضرر من القرار الأمريكي بل الشركات الأمريكية هي التي تبخرت مصالحها في إيران، وهي التي تصطف الآن مع الأصوات الأمريكية الداعية إلى رفع الحظر التجاري عن إيران حفاظًا على المصالح الأمريكية الاقتصادية.
شروط أمريكية
الحكومة الأمريكية على لسان الناطق باسم الخارجية جيمس روبين مازالت تصر رغم المبادرات الإيجابية من جانب الرئيس الإيراني على أن أي تطبيع العلاقة بين البلدين ينبغي ألا يتم إلا بعد تحقيق إيران لبعض الشروط الأمريكية أهمها وقف دعمها لما تسميه «الإرهاب»، ووقف برامجها المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل والصواريخ بعيدة المدى، ووقف مساعداتها التي تقدمها – على حد زعم الأمريكان – للجماعات الراديكالية المعارضة لعملية السلام في الشرق الأوسط ويعنون بذلك حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية.
هذه الشروط الأمريكية قابلة للتفاوض خصوصًا أن رغبة الإدارة الأمريكية في الحوار مع إدارة الرئيس خاتمي حقيقية ونابعة من ضغط الشركات الرأسمالية الأمريكية عليها ومن مصلحة أمريكا في إبعاد منافسيها الآخرين عن المنطقة، وقد بدأ التيار الأمريكي «الوطني» حملة إعلامية مضادة لتسويق فكرة الحوار مع النظام الإيراني الجديد، ومن الأسباب التي يستند إليها دعاة الحوار الأمريكي - الإيراني أمثال الدكتور غاري سيك العضو السابق في مجلس الأمن القومي وأحد مساعدي الرئيس كارتر أثناء محنة الرهائن الأمريكيين في طهران أن الرئيس خاتمي دان الإرهاب علنًا ورسميًا باعتباره يتناقض مع الإسلام، وأن إيران نفسها ضحية للإرهاب، يقصد ضحية العمليات منظمة مجاهدي خلق المعارضة التي شنت حوالي ٢٩٤ هجومًا داخل إيران انطلاقًا من أراض عراقية في الشهور التسعة الأولى من العام الماضي، ومجاهدي خلق تصنفها الإدارة الأمريكية ضمن المنظمات الإرهابية لكنها مع ذلك تلقى دعمًا وتأييدًا من عدد كبير من أعضاء الكونجرس الأمريكي.
كما ذهب عدد من أنصار الحوار الأمريكي – الإيراني إلى أن إيران كانت ضحية للإرهاب الأمريكي وليس العكس، ويذكرون على سبيل المثال حادث إسقاط البحرية الأمريكية لطائرة الركاب المدنية الإيرانية فوق مضيق هرمز عام ۱۹۸۸م ودعم الولايات المتحدة للدكتاتور الإيراني الشاه محمد رضا بهلوي، بل وتدخلها ضد ثورة مصدق وإعادة الشاه المخلوع عام ١٩٥٣م.
الشروط الأمريكية المذكورة إن أصرت عليها الإدارة الأمريكية بضغط من اللوبي الصهيوني لن تساعد خاتمي في سياساته الانفتاحية، بل ستدعم الموقف الذي يتبناه التيار الإيراني المحافظ، وإيران ماضية في سياساتها، وبرامجها وخصوصًا برنامج التسلح النووي وأسلحة الدمار الشامل، وهي مسألة مهمة وحيوية بالنسبة لها، خصوصًا أن الدول القريبة منها إسرائيل والهند وباكستان قد سبقتها إلى بناء أسلحة نووية واستراتيجية، فهل تدرك الإدارة الأمريكية ضرورة تغيير شروطها حفاظًا على مصالحها الحيوية في المنطقة؟
ما بين التسرع والحذر
خبراء في السياسة الأمريكية يدعون إلى مزيد من الحوار الأمريكي - الإيراني
واشنطن: بيتر سوشين
على الرغم من الاختلاف الشديد في الرأي حول سرعة وتوقيت توسيع الاتصالات الأمريكية مع إيران، هناك اتفاق عام على أن زيادة الحوار بين البلدين ربما يخفف من توتر دام نحو عقدين أصاب العلاقات الثنائية بينهما، كما يقول بعض خبراء السياسة الأمريكية في الخليج.
وفي معرض اشتراكهم في مؤتمر حول السياسة الأمريكية في الخليج نظمه مجلس سياسة الشرق الأوسط الشهر الماضي أعرب أربعة خبراء عن وجهات نظر مختلفة تمامًا عن الأوضاع في إيران، وقال دوف زاخيم، الباحث في مؤسسة هيريتيج (Heri- tage foundation) وأحد أعضاء فريق عمل خاص مكلف إنجاز تقرير عن إصلاح الدفاع الأمريكي من الواجب علينا، أي الولايات المتحدة، أن ننتهز أي فرصة انفتاح من جانب طهران وأضاف: وبغض النظر عما إذا كان الرئيس الإيراني خاتمي جادًا أو غير جاد علينا أن ننتهز كل فرصة أمامنا لإجراء حوار يتيح للأفكار الخارجية بدخول إيران».
وردد وجهة النظر هذه جوزيف مارتي، مدير إدارة الشرق الأدنى وجنوب أسيا في مجلس الأمن القومي الذي قال: «نحن بعيدون عن إقامة علاقات طبيعية مع إيران، ومن الواضح أن نوعًا ما من التغيير يجري في إيران وأن خاتمي يتخذ خطوات معينة، إلا أن الولايات المتحدة لا تندفع إلى أي شيء إننا سنمضي خطوة بخطوة ونستجيب إلى مبادرات ملائمة من جانب إيران».
وتابع: «رفضت إيران عرضنا الرامي إلى إجراء حوار رسمي، ومع ذلك أوضحنا أننا سنستمر في الإصغاء ونبين أننا سنستجيب إلى أي تعبير عن مسلك إيجابي».
كذلك حث على اتباع أسلوب حذر شبلي تلحمي، أستاذ كرسي دراسات أنور السادات في جامعة ماريلاند وإيفان إيلاند، مدير دراسات سياسة الدفاع في معهد كاتو.
وقال تلحمي إنه «يجري تغيير هيكلي في إيران، إن انتخاب خاتمي في مايو الماضي كان تعبيرًا حقيقيًا عن الرأي العام الإيراني».
وأضاف أنه إن لم يتضح مفاد ما حصل في الواقع، فسيتحتم على الولايات المتحدة أن تمضي بحذر.
إلا أن تلحمي أكد أن الولايات المتحدة بحاجة إلى إجراء حوار مع إيران لا عزلها، كذلك حث على عدم زيادة حدة العقوبات الأمريكية على إيران لأن ذلك كما قال، يمكن أن يشدد قبضة «المحافظين المتطرفين» فيها.
وعلى الرغم من تفاوت القضايا والآراء، تناول الموضوع الرئيس أهمية إجراء حوار جوهري بين جميع أطراف وشعوب منطقة الخليج والحاجة إلى مثل هذا الحوار.
ولخص تشاز فریمان، رئيس مجلس سياسة الشرق الأوسط ما جرى في الجلسة فقال: إن أحد العناصر الرئيسة للحروب العسكرية يدعو إلى عدم عزل العدو أو قطع الصلة به وأضاف أن هذا الأسلوب الاستراتيجي نفسه يمكن أيضًا تطبيقه في العمل الدبلوماسي.