; الإخوان المسلمون في سورية.. والقضية الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان الإخوان المسلمون في سورية.. والقضية الفلسطينية

الكاتب علي صدر الدين البيانوني

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001

مشاهدات 106

نشر في العدد 1462

نشر في الصفحة 44

السبت 04-أغسطس-2001

في مواجهة صفقات الاستسلام ومحاولات إغلاق القضية هذه صفحات من  تاريخ الإخوان في فلسطين

«ميثاق» بتأليف جيش لتحرير فلسطين وحملة تعبئة جماهيرية تكشف خطورة الكارثة

تستمد جماعة الإخوان المسلمين مبادئها وتصوراتها وسياساتها من الإسلام، وتحتكم إلى مصادره الأساسية، لذا كان لا بد قبل الحديث عن موقف الجماعة من القضية الفلسطينية من الإشارة إلى التصور الإسلامي لليهود «ديانة وتاريخًا»، وإلى النظرة الإسلامية لفلسطين «الأرض التي استباحها اليهود وأقاموا عليها كيانهم الصهيوني العدواني المصطنع».

اليهودية: هي الدين الذي أنزل على موسى عليه السلام قبل أن يتعرض للتحريف، واليهود في التصور الإسلامي أهل كتاب انحرفوا بدينهم بالزيادة فيه أو النقص أو التحريف.. إلى درجة الشرك بالله تعالى، وموقف الإسلام من أهل الكتاب: مجادلتهم بالتي هي أحسن، ودعوتهم إلى كلمة سواء، ولا يكرهون على ترك دينهم.. وعندما يكونون مواطنين في دولة مسلمة، يكون لهم ما لنا من حقوق، وعليهم ما علينا من واجبات... ووقائع  التاريخ تشير إلى أنه رغم التسامح الذي عومل به اليهود في مختلف المراحل الإسلامية، فإنهم ما فتنوا يكيدون للإسلام، ويتآمرون على المسلمين، ولقد خصص القرآن الكريم مساحة واسعة من آياته للحديث عن اليهود ونقضهم للعهود، وما فعلوه بأنبيائهم عليهم السلام من تكذيب وخيانة وتقتيل.. كما صرحت الأحاديث النبوية الصحيحة بأن المعركة مع اليهود مستمرة، وأنها ستحسم في نهاية الأمر لمصلحة المسلمين.

وفلسطين في التصور الإسلامي، أرض عربية إسلامية أولاً، وهي أرض مقدسة ثانيًا، ولد فيها وعاش عدد كبير من الأنبياء، كما دفن فيها عدد كبير من الصحابة والتابعين والمجاهدين، وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين، الذي أسري بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم إليه، وعرج به من هناك إلى السماء، كما تشير إلى ذلك الآيات الأولى من «سورة الإسراء»، التي ربطت في عقيدة المسلمين بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، والآيات الأولى من «سورة النجم» التي تحدثت عن قصة المعراج وفلسطين في الفقه الإسلامي، وقف لا لأي كان أن يتنازل عنها أو عن يجوز أي جزء منها. 

هي ملامح التصور الإسلامي لليهود ولفلسطين، الذي ينبغي أن يلتزم به كل مسلم، وجماعة الإخوان المسلمين تصدر في مواقفها هذه عنه. 

ارتباط الجماعة في سورية بقضية فلسطين منذ تأسيسها

كان الإخوان المسلمون في سورية، من أوائل المهتمين بالقضية الفلسطينية على الصعيد الشعبي، ففي عام ١٩٤٣م، اجتمع الدكتور مصطفى السباعي «مؤسس الجماعة وأول مراقب عام لها»، بالأخ المجاهد الشيخ نمر الخطيب في فندق أمية بدمشق، قادمًا من فلسطين، يقول السباعي: فحدثني عن استفادة يهود فلسطين من الحرب العالمية الثانية.. ثم قال لي: فهل لك أن تعلن صوت النذير والإيقاظ وكان حديثًا دمعت له عينانا، وعاهدنا الله على أن نبدأ العمل»، «الإخوان المسلمون في معارك فلسطين- السباعي- مجلة حضارة الإسلام- العدد ٦ و٧ عام ١٩٦١م». 

هذه هي البداية، ولم تكن مراحل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية آنذاك قد اكتملت.

لكن السباعي وعمر بهاء الدين الأميري وهما من مؤسسي الجماعة كانت لهما مشاركات في الشأن الفلسطيني قبل ذلك  التاريخ، فمن مقالات السباعي المبكرة مقالة نشرها في مجلة «الفتح» القاهرية سنة «١٩٣٥م ١٣٥٤هـ»، بعنوان «مأساة فلسطين» استهلها بقوله: «مأساة الأندلس تمثل مرة ثانية على مسرح الحياة في  تاريخ العرب والإسلام تلك هي مأساة فلسطين».

وفي مقالة أخرى في المجلة نفسها سنة ١٩٣٨م ١٣٥٧هـ، بعنوان: موقف سورية من فلسطين، يقول: إن مؤتمر العلماء الذي انعقد في دمشق أيد الفتوى القائلة: «إن جهاد فلسطين جهاد شرعي يجب على كل مسلم أن يشارك فيه...» أما عمر بهاء الدين الأميري فنعثر له على ثلاث مشاركات في المجلة المذكورة يذكر في الأولى وهو طالب جامعي في فرنسا ضمن حلقة باريس من شباب محمد «جمع إعانة لمنكوبي فلسطين» «الفتح- العدد  ٥٧٧  سنة ١٩٣٧ م ١٣٥٦هـ ». وفي الحفلة الختامية للمؤتمر العام لشباب محمد ألقي كلمة «دار الأرقم» الطور الأول لجماعة الإخوان المسلمين في مدينة حلب، بصفته أمين سرها يذكر تشكيل «لجنة إعانات فلسطين... وقد باشرت عملها «الفتح- العدد ٦٢٧- سنة ١٩٣٨م- ١٣٥٧هـ ».

وفي مؤتمر علماء دمشق لقضية فلسطين ألقى كلمة دار الأرقم مطالبًا بسبعة مطالب:

۱ - استنكار اعتداء السلطات البريطانية في فلسطين على المسلمين في إدارة شؤونهم الدينية باستيلائها على المجلس الأعلى والمحاكم الشرعية وإدارة الأوقاف واعتدائها على العلماء والقضاة بالعزل والسجن والتشريد والتعذيب.

۲ - استفظاع محاولة تقسيم فلسطين وإنشاء دولة يهودية وإزالة الصبغة العربية الإسلامية، ثم إعلان التضامن مع أهل فلسطين.

3- استنكار سياسة البطش وتدمير القرى والمدن بمن فيها وتمكين اليهود من الاعتداء وتزويدهم وتقويتهم.

4-  تحية مجاهدي فلسطين الصناديد حراس الأماكن المقدسة. 

5- مناشدة ملوك العرب والإسلام.. أن يمدوا يد العون جديًا لمؤازرة مجاهدي فلسطين.

٦ - دعوة مسلمي العالم إلى مساعدة منكوبي فلسطين.

7-  تأكيد قرار مؤتمر بلودان بجعل يوم ۲۷ رجب يوم فلسطين... للتوعية وجمع المال والنصرة. 

مواكبة الإخوان لمراحل القضية الفلسطينية

إنه لأمر ذو دلالة، أن يقترن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية بالانخراط في قضية فلسطين، مما ينبئ بأن هذه القضية سوف تكون أحد المحاور الرئيسة الموجهة في تكوين الجماعة، فكرًا وسياسة ومواقف وممارسات.. ويمكن أن نلحظ ذلك طوال  تاريخ الجماعة حتى يومنا هذا متجليًا في أربع مراحل: 

المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل قيام الكيان الصهيوني «١٩٤٣- ١٩٤٨م»، التي كانت فيها فلسطين لا تزال تحت الانتداب البريطاني وهي أخطر المراحل، حيث قادت الجماعة حملة التوعية بالمخاطر الصهيونية المحدقة بفلسطين، وبضرورة الإعداد والاستعداد الشعبي والرسمي للمواجهة المسلحة القادمة، ثم الانتقال إلى ساح القتال على أرض فلسطين بكتيبة خاصة من شباب الجماعة يقودها المراقب العام نفسه الدكتور مصطفى السباعي.

كان نشاط الجماعة للقضية الفلسطينية في هذه المرحلة على ثلاثة میادین:

على الصعيد الرسمي: بتقديم المذكرات للحكومة وللجامعة العربية.

على الصعيد الشعبي: بالمحاضرات والاجتماعات العامة في المدن والقرى حيث انطلق السباعي بالعمل من مدينة دمشق، فألقى أول محاضرة في مقر «الشبان المسلمين» في باحة مسجد الدرويشية عن فلسطين نشرتها كاملة جريدة القبس وانتهت المحاضرة في مظاهرة كبرى تهتف لفلسطين وتدعو للعمل من أجلها، وبرغم الأحكام العرفية المعلنة بسبب الحرب، وصلت المظاهرة إلى مديرية الشرطة العامة، حيث حاول مدير الشرطة العام منعها، فرفض الجمهور إلا أن تصل إلى فندق الشرق حيث كان يقيم رئيس الوزراء سعد الله الجابري، الذي رفض استقبال وفد المظاهرة، فحمل مدير الشرطة العام مطالبهم، ثم تفرقت المظاهرة «انظر كتاب: مصطفى السباعي- د . عدنان زرزور- ص ۱۸۸». ثم انتقل السباعي بعد ذلك إلى جميع المدن السورية، يشرح للجماهير خطورة الوضع الذي آلت إليه القضية الفلسطينية، والمخاوف التي تحيط بمستقبلها، يقول السباعي: «حتى اتهمني الغافلون عن حقائق الأمور في فلسطين بأني أبالغ كثيرًا فيما أردده من حقائق». 

على الصعيد العملي والجهادي: أرسل الإخوان بعض شبابهم ليزوروا فلسطين، ويطلعوا بأنفسهم على الأحوال فيها، فزاروا يافا وتل أبيب وحيفا والقدس، وكثيرا من المستعمرات اليهودية.

ثم بدأ التحضير لجهاد السلاح حين وقعت كارثة التقسيم بقرار من الأمم المتحدة في ۲۹ نوفمبر عام ١٩٤٧م، فقام الإخوان المسلمون بوضع ميثاق أخذوه على الجماهير السورية، بتأليف جيش التحرير فلسطين، وانطلقوا في الاجتماعات العامة الحاشدة يبينون خطر الكارثة، ويعلنون فتح باب التطوع في مراكزهم في جميع أنحاء البلاد.

وقد جوبهت الجماعة بعقبات وضعتها الحكومات المتعاقبة سواء في منع التطوع أو التدريب أو تأمين الذخيرة، لاختلاف التصور الطبيعة المعركة، يقول السباعي: فقد قال لي مسؤول كبير: إنك تحمس الشباب المتعلمين للتطوع في حرب فلسطين، وحرام أن نرسل هذه الزهرات ليموتوا هناك، وخير منهم العاطلون من القبضايات فقلت له: إن معركتنا مع اليهود ليست معركة أجسام وزنود، بقدر ما هي معركة وعي وتضحية وإيمان، وإننا سنقاتل في فلسطين شبابًا من اليهود، أعدوا فكريًا وعسكريًا لهذه المهمة منذ سنوات «مجلة حضارة الإسلام- السباعي- العدد ٦٠ و٧ عام ١٩٦١م- ص ١٦٣».

وبعد شهر ونصف الشهر من التدريب، التحقت كتيبة الإخوان المسلمين بالمجاهدين العرب على أرض فلسطين على دفعتين الأولى بقيادة الملازم عبد الرحمن الملوحي وصحبة البطل الشهيد عبد القادر الحسيني، وقد حضر هذا الفوج معه معركة القسطل. ثم سافر الفوج الثاني بقيادة الدكتور السباعي، الذي قام بتوزيع الإخوان على مناطق القدس العربية التالية: الشيخ جراح، المصرارة، سعد وسعيد القطمون، وكانت مسؤولية القيادة فيها موزعة على المجاهدين الإخوان: عدنان الدبس، وزهير الشاويش، وكامل حتاحت وكان مقر السباعي في غرفة القيادة بالروضة المطلة على المسجد الأقصى مع الضابط فاضل عبد الله والملازمين عبد الرحمن الملوحي وجمال الصوفي... وسبب اختيار الإخوان القتال في القدس وما حولها، هو أهمية هذه الجبهة عسكريًا ودينيًًا، وبالفعل فقد خاضوا فيها معارك طاحنة «معركة القطمون، معركة الحي اليهودي في القدس القديمة، نسف الكنيس اليهودي لوجود مقاتلي اليهود فيه»، معركة القدس الكبرى، استشهد فيها عدد من مجاهدي الجماعة، وجرح آخرون، ففي معركة الحي اليهودي جرح الملازم الملوحي، وما يزيد على أربعين من الإخوة، وقد ذكر السباعي- رحمه الله- بعض الشهداء منهم: تيسير طه ضيف الله مراد الرقيب هاشم محمد قباني، محمد عرنوس، محمود الدندشي، محمد الصباغ، راشد طالب، نایف حسن عودة، راضي الجوهري. 

الرابط المختصر :