; فتاوى (العدد 2169) | مجلة المجتمع

العنوان فتاوى (العدد 2169)

الكاتب د. أحمد ناجي

تاريخ النشر الجمعة 01-يوليو-2022

مشاهدات 79

نشر في العدد 2169

نشر في الصفحة 50

الجمعة 01-يوليو-2022

الإجابة للدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله

الاستدانة لا تمنع الحج

. أنا مدين للبنك بمبلغ من المال وملتزم بسداد الأقساط في موعدها، فهل يجوز لي الذهاب إلى الحج مع وجود هذا الدين؟ وما حكم من له تجارة جارية وعليه ديون وله ديون عند بعض الناس، فهل يجوز له الحج كذلك ؟

- إذا كان الدين مقسطاً على المسلم والبنك يأخذ دينه من المرتب، فمثلا أحدهم اشترى سيارة بالتقسيط عن طريق البنك، والبنك يأخذ من راتبه ومنتظم بهذا، فيستطيع أن يذهب للحج مع بقاء هذا الدين بأقساطه ويؤخذ من دخله بصفة منتظمة، ولا حرج عليه في هذه الحالة.

أما الديون التجارية، فهي لا تمنع المسلم من أداء الحج لأنها مستمرة وسيظل التاجر له وعليه، والمهم أن يكون ماله أكثر مما عليه، أو مساويا له: أي عنده القدرة والاستطاعة، والله أعلم.

الحج مع استئذان الدائنين

. هناك شخص يريد أن يذهب إلى الحج، ولكن عليه ديونا، وقال له الناس أصحاب الديون: إذا ذهبت إلى الحج ومت نسامحك بالمال، لكنه متردد هل يحج أم لا ؟

المفروض أن المسلم إذا كان عليه دين فلا يجوز له أن يحج حتى يوفي دينه؛

لأن الحج حق الله والديون حقوق العباد وحقوق العباد مبنية على المشاحة وحقوق الله مبنية على المسامحة، الله يسامح في حقه ولكن العباد لا يسامحون في حقوقهم، ولذلك لا يجب على الإنسان أن يحج إذا كان عليه دين حتى يقضي دينه ويسدده لأصحابه، إذا كان أصحاب الدين متسامحين وقالوا له: نحن نسمح بأن تذهب إلى الحج فهم تنازلوا عن حقوقهم وقد قالوا له : لو مت فنحن مسامحون في المال، وهذه زيادة فضل منهم، فجزاهم الله خيراً، لكن إذا لم يأذنوا له فلا يجوز  له .

ومن هنا نقول: إذا كان على الإنسان دين وهو مشتاق جداً إلى الحج فعليه أن يذهب ويستأذن أصحاب الدين، فإذا سمحوا له جاز له أن يحج بشرط أن يكون واثقاً من نفسه بالقدرة على تسديد الدين، لكن إذا كان يعرف أنه إذا حج فلن يستطيع أن يسدد الدين فلا يجوز له أن يحج، لأن تسديد الديون أولى حتى ولو كان ديناً مؤجلاً، إلا إذا كان ديناً مؤجلاً مثل ديون الحكومة، فبعض البلاد تعطي قرضاً طويل الأجل وتعطي بيتاً أو أرضاً أو شيئاً من هذا لمدة 20 أو 30 سنة فهذا معروف أنهم يأخذون من راتبه حتى ينتهي من سداد الدين، فمثل هذا لا يمنع لكن الممنوع إذا كان ديناً وعليه أن يسدده خلال سنتين أو ثلاث أو نحو ذلك، وقد يؤدي حجه إلى تعطيل أداء الدين في وقته، فليس عليه أن يحج، بل ليس له أن يحج، إلا إذا استأذن أصحاب الدين وأذنوا له، وكان واثقاً من نفسه بالقدرة على الوفاء بهذا الدين.

الاستدانة من أجل الحج

. هناك بعض الحجيج ربما لا يملكون نفقة الحج الآن، ولكنهم يعملون ولديهم موارد معينة، فهل يمكن أن يستدين نفقة الحج على أن يسددها بعد ذلك؟

- لهم أن يفعلوا ذلك؛ ولكن لم يكلفهم الله ذلك، الله لم يكلف الإنسان الاستدانة للحج، لأن الدين هم بالليل ومذلة بالنهار، والنبي صلى الله عليه وسلم علم بعض أصحابه أن يستعيذ بالله من غلبة الدين وقهر الرجال، وكان يستعيذ بالله من المأثم والمغرم (الاستدانة)، قالوا : يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف (1)، من أجل هذا لا يندب للمسلم أن يدخل نفسه ويسجنها في الدين، لكن لو فعل ذلك لأن أمامه فرصة قد لا تتاحله ثانية وهناك ظروف أمامه وهو مطمئن إلى ما عنده من موارد ستجعله قادراً على الوفاء بدينه لم يكن عليه حرج، وإن لم يكن واثقاً فلا .

●  رفع الشعارات السياسية بالحج

. بعض الحجاج يرفعون شعارات سياسية تعبر عن توجهات بعض الحكومات، فهل يجوز لهم ذلك ؟

لا يصح رفع أي شعارات سياسية أو إثارة النعرات الطائفية في الأماكن المقدسة خلال أداء مناسك الحج، فشعيرة الحج تعلمنا أن نحيا بروح الأمة الواحدة. وإن من يثير النعرات الطائفية ويرفع الشعارات السياسية في الحج يحدث فتنة في الحج الإسلامي، وفي المجتمع الإسلامي، ويحدث نوعا من أنواع الإلحاد في الحرم، قال تعالى: ﴿وَمَن يُرد فيه بالحاد بظلم نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (الحج: 25)، والمراد بالآية نهي الحاج وتحذيره من جميع المعاصي، وقال القرطبي في تفسيره للآية الكريمة سنة أقوال منها : أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة، وإن لم يعملها، وكذلك قال تعالى: ﴿فَلا رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الحج  (البقرة: 197)، وقد قال ابن مسعود وابن عباس، وعطاء الجدال هنا أن تماري مسلماً حتى تغضبه فينتهي إلى السباب، وخلص إلى أن ربنا يريد من الحج أن يكون رحلة سلام خالصة من كل ما يعكرها .

وعلى أهل العلم والفكر والدعوة في الأمة العمل على مقاومة النزعات العصبية والدعوات العلمانية التي تفرق الأمة الواحدة، وتمزق كيانها، وتحولها إلى امم شتى يجافي بعضها بعضا، فشعيرة الحج تعلمنا أن نحيا بروح الأمة الواحدة إن لم يكن عملاً وتطبيقاً، وهذا هو الواجب، فعلى الأقل فكراً وشعوراً : ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونَ(المؤمنون: 52) إن الحج هو موسم لأداء فريضة دينية عظيمة، والجدال فيه يعتبر مساساً بالركن الخامس من أركان الإسلام فالحج من أعظم شعائر الإسلام وأحد أركانه الخمسة، واستغلال هذه الفريضة الأغراض سياسية مشبوهة أو لتحقيق أهداف ومآرب لا علاقة لها بمقاصد الحج الشرعية يخرج هذه العبادة عن حقيقتها.

ويخالف أحكام الشريعة الإسلامية وخصوم الإسلام عرفوا قيمة الحج في توحيد الأمة، وإيقاظها، وتعريفها بذاتها.

وتنبيهها من غفلاتها .

ومما يذكر في ذلك ما كتبه رئيس  حملة التبشير التي اجتاحت مصر في أوائل القرن العشرين أن الإسلام سيظل في مصر صخرة عاتية تتحطم عليها محاولات التبشير المسيحي، ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع القرآن، والأزهر، واجتماع الجمعة الأسبوعي، ومؤتمر الحج السنوي فالمبشر أدرك ما يصنعه مؤتمر الحج» الكبير بروحانيته وإيحاءاته وشعائره ومشاعره في أنفس المسلمين، وربطهم بأصولهم، وتذكيرهم بهويتهم وتميزهم ويعيد كلا منهم تائبا إلى ربه، طاهرا مغتسلاً من خطاياه، كيوم ولدته أمه، فهو ميلاد جديد للمسلم، وإن أهم درس يتعلمه المسلم من الحج: أنه ينتمي إلى أمة كبيرة أمة واحدة.. أمة القبلة، وأمة التوحيد ... أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله».

من هنا وجب علينا أن نتعلم من هذا المؤتمر الإسلامي العالمي، الذي لم يدع إليه ملك أو رئيس أو أمير، بل دعا إليه الله تبارك وتعالى، وفرضه على المسلمين مرة في العمر، ليخرج المسلم من نطاق المحلية إلى أفق العالمية، وليرتبط شعورياً وعملياً بأبناء الإسلام حيثما كانوا في مشرق أو مغرب، وليستفيد أهل الحل والعقد في الأمة من هذا الموسم الرباني لجمع كلمة الأمة على الهدى، وقلوبها على التقى وعزائمها على الخير المشترك للجميع.

الحج عن الأسير

. هل يجوز أداء الحج عن الأسير؟ وهل يتوجب علينا طلب الإذن منه قبل ذلك؟

- الأصل في الحج أنه عبادة ذاتية شخصية، يؤديها الإنسان بنفسه وبدنه وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (النجم: 39)، ولكن الله تعالى - فضلاً منه وكرماً ورحمة رخص في بعض العبادات أن يؤديها عنه غيره في حالات معينة مثل أن يموت الإنسان ولم ييسر له أن يؤدي فريضة الحج، وخصوصاً إذا كان مستطيعاً إليه سبيلا ثم قصر؛ فتفضل الله سبحانه بإجازة أن يحج عنه ابنه أو قريبه، كما جاء في الحديث الصحيح.

ومثل الحج عن الميت الحج عن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أن يسافر الأداء فريضة الحج لا بالسيارة ولا بالطائرة، ولا يمكنه أن يؤدي أركان الحج ماشياً أو راكباً أو محمولاً، ومثله المريض مرضا مزمناً لا يرجى شفاؤه، وفق سنة الله المعتادة، مثل المشلول ونحوه.

أما الأسير فليس من هؤلاء، ويرجى أن يفك الله أسره، فدوام الحال من المحال: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (آل عمران: 140)، ويجب علينا ألا نفقد الأمل في الغد، والثقة بالنصر، ولا نيأس أبداً: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (يوسف: 87)؛ ومن هنا يكون قياس الأسير على الشيخ الكبير أو المريض مرضاً مزمناً مقعداً، قياساً في غير موضعه، وهو غير صحيح، فلا يجوز إذن الحج عن الأسير لا بإذنه، ولا بغير إذنه، والله أعلم.

الهامش

(1) روته أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، أخرجه النسائي في صحيحه تحت رقم (5487) صححه الألباني.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 181

125

الثلاثاء 25-ديسمبر-1973

الهندسة في خدمة الحج

نشر في العدد 219

87

الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

حولَ بَيت الله الحَرام

نشر في العدد 2111

92

الجمعة 01-سبتمبر-2017

فريضة الحج.. مقاصد وغايات.