العنوان الإبداع الفني.. والحضارة الإسلامية (1-2)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الجمعة 30-نوفمبر-2012
مشاهدات 1
نشر في العدد 2028
نشر في الصفحة 48
الجمعة 30-نوفمبر-2012
الإبداع الفني..
والحضارة الإسلامية (1-2)
لا توجد حضارة إنسانية
بلا فن ويظل الفن مظهرًا من مظاهر الحضارة، وعنوانًا على رقيها وسنتناول في هذه
المقالات الإبداع الفني في الحضارة الإسلامية وسنبدأ بتعريف الإبداع حيث إنه من
المعاني التي تم إختزالها وإبتذالها، بما يدعونا للعودة لمعنى الإبداع ولنكن
مبدعين في تعريف الإبداع فلن نلجأ إلى التعريفات الجاهزة ولكن لنعد إلى الإبداع
كحالة إنسانية يحتاجها الإنسان في أمرين أساسيين.
الإبداع يلبي حاجة
الإنسان في رؤية الوجود جميلًا ويطوع قوانين الطبيعة للوصول إلى رفاهيته
كل فنان أو فيلسوف أو
طبيب أو زارع أو صانع يقدم جديدًا مفيدًا فهو من أهل الإبداع
الأمر الأول: تلبية
حاجة الإنسان في أن يرى الوجود جميلًا.. وينبثق عن تلك الحاجة الإبداع في مجال
الفكر والفن والفلسفة وسائر العلوم الإنسانية.
والأمر الثاني: هو
تلبية حاجة الإنسان في أن يتحدى قوانين الطبيعة ويطوعها لتلبية حاجاته، والوصول
إلى رفاهيته.
وينبثق عن تلك الحاجة
الإبداع في مجال الصناعة والطب والزراعة.. إلخ
بهذا النوع من الإبداع
يستطيع الإنسان أن يتحدى قانون الجاذبية ويطير، أو يطوع الأثير فيتواصل مع إنسان
في أقصى حدود الأرض ويستطيع أن يعالج المرض بالطب والدواء.
إذا معنى الإبداع يتسع
لكل ما يجعل الوجود جميلًا ونافعًا .
وكل فنان أو فيلسوف أو
طبيب أو زارع أو صانع يسهم في هذا المجال، فهو من أهل الإبداع الذي يجب أن تحتفي
به البشرية.
أما الحاجة الثانية،
فهي ليست مجال خلاف بين البشر، فالكل يريد أن يستفيد مما وصل إليه غيره من إبداعات
في مجال تطويع الطبيعة لخدمة ورفاهية الإنسان.
بناء على هذا الفهم
للإبداع نستطيع أن تؤكد أنه ليس كل شيء جديد وغير مسبوق - وهذا هو المعنى اللغوي
للإبداع - يعتبر إبداعًا بالمعني الإصطلاحي إلا إذا كان يضيف شيئًا جماليًا في
الوجود، أو يضيف شيئًا في خدمة الإنسان
وتحقيق رفاهيته.
حاجات الإنسان
بهذا الفهم للإبداع
نستطيع أن نؤكد أيضًا أن الفنون بشتى مجالاتها المقرؤة والمسموعة والمنظورة تمثل
حاجة من حاجات الإنسان الأساسية في الوجود؛ لأنها تشكل مظهرًا من مظاهر الجمال في
الوجود.
وتربية الشعوب على حب
الجمال وتذوقه يطبع في ثقافة الشعب نزوعًا إلى الإحسان في العمل، وتوخيًا للكريم
من العادات.
إذا إتفقنا على هذا
الفهم للإبداع والذي يتسع ليشمل كافة المجالات التي تضيف للوجود جمالًا ونفعًا، مع
الإعتراف بأن الجمال حالة وجدانية تختلف بإختلاف النفوس والشعوب والأزمان.
فسيكون سهلًا علينا أن
نناقش في المقالات التالية - بهدوء وأسلوب علمي - حالة الغليان المجتمعي التي
تشهدها بلادنا حول حرية الإبداع.
الإبداع أسلوب حضارة
قبل أن نتحدث عن حرية
الإبداع وإستكمالًا لتعريف الإبداع، سنعيش مع نموذج مثالي للتأسيس للإبداع كأسلوب
في بناء حضارة جديدة، هي حضارة الإسلام.
بعد الهجرة أصبح
للمسلمين مكان يصلون فيه علنًا، وأصبح من لوازم الوطن الجديد البحث عن أسلوب
للنداء للصلاة.
جمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم أصحابه ليتشاورا... كيف ينادون للصلاة؟
حسنًا، ليسوا هم
الوحيدين في الدنيا الذين ينادون للصلاة، بالتفكير النمطي طبيعي أن يستدعوا تجارب
من سبقهم.
قال أحدهم: نستخدم بوقا
مثل اليهود... وقال آخر: نستخدم ناقوسًا كالنصارى.
رفض النبي صلى الله
عليه وسلم الفكرتين، ولم يعط حلًا جاهزًا، بل ترك الأمر قضية عامة ينشغل بها
المجتمع ليفكر في طريقة مبتكرة للنداء للصلاة.
يبلغ الإنشغال بقضية
التميز مبلغه، حتى يرى الصحابي عبد الله بن زيد في المنام صيغة كلامية للنداء
للصلاة، يعرضها على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «إنها رؤية حق إن شاء الله،
فقم على بلال فألقها عليه فإنه أندى صوتًا منك»... ويسمع سيدنا عمر صوت بلال
فيهرول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: «والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل
الذي رأى عبدالله بن زيد».
ما رأيك عزيزي القارئ
في هذا الموقف؟
نبي قائد يرسم منهاج
حضارة حضارة تقوم على الإبداع وأول الإبداع البعد عن التقليد، والبحث عن التميز.
والنموذج أمامنا
لنتأمله أبرز مظاهر الإبداع في النداء إلى الصلاة عند المسلمين أنه إستخدم الكلمة،
وما أدراك ما الكلمة!!
إنها أهم مظاهر الإبداع
عند أمتنا العربية، فإن كان غيرنا من الأمم خلدوا مآثرهم وتاريخهم بمعابد وتماثيل
وأقواس نصر، فقد خلد العرب آثارهم بالكلمة شعرًا.
ومن مظاهر الإبداع إستخدام
الصوت الإنساني، بما يحمله من جمال في والتنغيم وإبراز المعاني.. بما لا يمكن أن يتوافر
في البوق أو الناقوس.
ومن مظاهر الإبداع، أنه
يتناسب مع شعيرة الصلاة، التي لا يحدها مكان في الإسلام، فقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، فأينما أدركتك الصلاة، إرفع صوتك
بالنداء فلست بحاجة للبحث عن بوق أو ناقوس.
في البدء كانت الكلمة
نموذج الإبداع في المثل البارز الذي ذكرناه، ثم إطرد الإبداع من علامة هذا
النموذج، لينتج الأذان مئذنة هي فنية معمارية للمسجد، وتتحول الكلمات إلى أداء
صوتي موسيقي، وتتحول الأحرف والكلمات إلى فن تشكيلي مثل إيذانا بميلاد فن جديد
تباهي به الحضارة الإسلامية حضارات العالم.
ومن هنا نقف وقفة مع
الفن الإسلامي فن إسلامي؟! وهل هناك فن إسلامي؟! لنر.
الفن الإسلامي
قلنا: إننا سنتحدث عن
الإبداع في الفن الإسلامي، وسنتخذ من الفن التشكيلي نموذجًا نتحدث عنه في هذا
المقال ومقالات تالية.
تميزت حضارة الإسلام
بأنها وضعت ضوابط شرعية في كل ما يتعلق بحياة المسلم بما فيها الفن.
وجد الفنان المسلم نفسه
محاطًا بقيود وضوابط توجهه إلى الإبتعاد عن تصوير (رسم) ما فيه روح، وتمنعه من عمل
التماثيل.
كيف يلتزم بتلك الضوابط
وكل الإنتاج الفني للحضارات من حوله تقوم على التماثيل ورسم الأشخاص، فأينما دخل
في معابد الهند وبلاد فارس ومصر، وآثار حضارة اليونان والرومان يجد التماثيل
بمختلف أشكالها والكنائس وسائر دور العبادة تزينها صور الأشخاص والمقدسات.
فإن كان كل هذا حرامًا،
فماذا يفعل الفنان المسلم؟ هل يتمرد على قواعد الشرع، ويساير فنون عصره؟ أم يعادي
فطرته ويكبت نوازعه ويتخلى عن الفن؟ أم يقبل التحدي ويبدع فنا؟
قبول التحدي
قبل الفنان المسلم
التحدي، ودخل معترك الفن، فأبدع فنًا تشكيليًا جديدًا يقوم على الحرف والكلمة
والجملة العربية وعلى الزخرفة بأشكالها النباتية والهندسية البديعة كما أبدع عمارة
امتدت لتشمل كل مظاهر الحياة، ولم تقتصر على دور العبادة فقط.
وأهم من هذا، أنه أبدع
فلسفة جديدة للفن، فبدلًا من فلسفة الفن للفن التي قامت عليها الحضارات المتزامنة
مع وجود حضارة الإسلام أبدع فلسفة الفن في خدمة الحياة، فبدلًا من أن يكون الفن
متمحورًا حول آلهة موهومة مزيفة وأشخاص وحيوانات مقدسة، وحكام وأسر أرستقراطية،
صار الفن في حضارة الإسلام أسلوب حياة، فلم يعد مقصورًا على دور العبادة فقط بل في
كل بيت.. بدءًا من عمارته التي تتميز بالخصوصية والبيئة الداخلية الخضراء، والجمع
بين الهدوء وتدفق الضياء، مرورًا بزخارف الخط العربي والزخارف الإسلامية التي تزين
الجدران وصولًا إلى أدوات الإستخدام اليومي من أوان، وأسلحة وسجاجيد حتى تجليد
الكتب وتزيينها بالمنمنمات الصور الدقيقة من الداخل، وتزيين المصاحف بالزخارف كل
هذه العناصر مزينة بالفن الإسلامي الفريد.
وإمتد الفن الإسلامي
ليصبغ الحياة العامة بصبغته الفنية في الأسواق أو القيصرية والأسبلة (المكان الذي
يستسقي منه المارة) والتكية (بيت الدراويش) والحمامات العامة والمدارس وأسوار
المدن.. إلخ.
لمسة جمالية
تستطيع أن تتذوق هذا
الجمال وأنت تتجول في شوارع القاهرة ودمشق، وإسطنبول وسائر الحواضر التي أشرق
عليها الإسلام فصبغه بلمسة من جماله وجلاله.
بإختصار أبدع الفنان
المسلم فنًا جديدًا جعل معنى الفن في الإسلام يختلف تمامًا عن معنى الفن المسيحي،
أو الفن البوذي.. فالفن المسيحي يعني الفن الذي صنع خصيصًا للكنيسة من تصوير
وموسيقى ونحت وغيرها، وكذلك الفن البوذي، هو فن المعابد وكل ما يتعلق ببوذا .
بينما يعني الفن
الإسلامي كل ما قام بصنعه المسلمون أو كل ما إبتكره من حرف وفنون في البلاد التي
أشرقت عليها شمس الإسلام، في كل ما تقع عليه عينك في البيت والسوق والطرقات ودور
العبادة.
نعم نحن مدينون
للفنانين الذين أبدعوا تلك الفنون التي جعلت لنا حضارة مميزة بخصائصها الفنية،
وهذا ما سنفصله في المقال القادم إن شاء الله تعالى.
ليس كل شيء جديد يعتبر
إبداعًا إلا إذا كان يضيف شيئا جماليًا في الوجود أو يخدم الإنسان
الفنان المسلم أبدع فنأ
تشكيليًا يقوم على الحرف والكلمة والزخرفة بأشكالها النباتية والهندسية البديعة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل