; اليوم الأخير في حياة الشهيد عبدالله عزام | مجلة المجتمع

العنوان اليوم الأخير في حياة الشهيد عبدالله عزام

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

مشاهدات 65

نشر في العدد 944

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

لم يعلق كثيرًا على تلك القنبلة التي وجدت قبل أربعة أسابيع مثبتة في سقف منبر مسجد الشهداء الذي تعود أن يخطب فيه الجمعة، وألقى خطبته دونما تعليق على الأمر أو ذكر له، ثم قامت إدارة المسجد بتشديد الحراسة على المسجد بعد ذلك ومارس الشيخ حياته بعد ذلك كما المعتاد.

وتوجه إلى مؤتمر الجماعة الإسلامية في لاهور وألقى كلمة في الندوة العالمية لقادة الحركات الإسلامية حملهم فيها أمانة الجهاد، وكانت من آخر ما ألقى من كلمات في مؤتمرات أو لقاءات عامة، وكأنها كانت وصية مودع يقف على ثغر ويخشى أن يؤتى منه.

وفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من نوفمبر عاد إلى بيته بعد منتصف الليل حيث كان يناقش الأستاذ برهان الدين رباني ويستحثه على إعادة توحيد صفوف المجاهدين لمواجهة المرحلة الحاسمة التي يتعرض الجهاد فيها للمكر والكيد ورجع كعادته مهمومًا فقد كان يعيش القضية وأحداثها بقلبه لذلك امتزجت بدمائه وحياته فصارت نبضه وفكره.

وفي الصباح جلس كعادته في مكتبته ليعد خطبة الجمعة، وحينما اقترب موعد الصلاة نظر الشيخ في ساعته فوجد أن ابن اخيه «أبو الحارث» الذي كان سائقه وحارسه الخاص في نفس الوقت قد تأخر، فطلب منه ولداه محمد وإبراهيم أن يصحبهما في سيارتهما إلى المسجد طالما أن أبا الحارث قد تأخر، ولم يشأ الشيخ أن يرد طلبهما خاصة وأن محمدًا كان قد رجع من الأردن منذ ساعات فقط، وركب الشيخ السيارة التي كان يركبها لأول مرة ولم يكن يعلم أنها المرة الأخيرة أيضًا، وبعد خروجه من البيت جاء أبو الحارث بسيارته واعتذر للشيخ عن تأخره وطلب منه أن ينتقل للركوب معه فنظر الشيخ إلى محمد وإبراهيم اللذين ألحا في أن يبقى معهما، وبين إلحاح أبو الحارث وإلحاح محمد وإبراهيم غلبت العاطفة الشيخ فقرر البقاء معهما وطلب من «أبو الحارث» أن يتبعه.

مشى أبو الحارث بسيارته خلف السيارة التي يركب فيها الشيخ وحينما خرجت السيارة من شارع أرباب رود متجهة إلى شارع مسجد الشهداء الذي لا يبعد عن شارع أرباب رود أكثر من مائتي متر سارت بهما السيارة في شارع جمرود رود أحد شوارع بيشاور الرئيسية، لاحظ أبو الحارث أن محمدًا قبل انحنائه لدخول شارع مسجد الشهداء كان محتضنًا الرصيف وقريبًا منه فقرر أبو الحارث أن ينحني هو من الجهة الفسيحة ويسبق سيارتهم وحينما هم أبو الحارث بما عزم عليه لم يشعر إلا بانفجار شديد في السيارة التي يجلس فيها الشيخ والتي لا تبعد عن سيارته أكثر من خمسة أمتار ثم حجبت عنه الرؤية حينما انفجر الزجاج الأمامي بسيارته التي أوقفها إلى جوار السيارة التي تفجرت وانشطرت نصفين وقذفت به بعد انفجارها حوالي عشرة أمتار بعدما اصطدمت رأسه بإحدى السيارات التي كانت تقف بجوار الطريق، وجرى نحو الشيخ واحتضنه فوجد الدم ينزف من أنفه وفمه ولا يوجد من يعينه أو يساعده، فالناس قد فزعوا من شدة الانفجار، وأخذ كل منهم يبحث عن ملجأ يلوذ به خاصة بعدما غطى حطام السيارة ومن فيها دائرة يزيد قطرها عن مائتي متر، والتفت أبو الحارث يبحث عن رجال الشرطة الذين تعودوا على الوجود في المكان في كل يوم جمعة فلم يجد أحدًا.

حاول أن يحمل الشيخ وحده فلم يستطع وأثناء تكرار محاولته وجد بجواره من يساعده وأوقف أول سيارة مرت بالطريق ووضع فيها الشيخ وركب معه بعض الشباب الذين كانوا متوجهين إلى المسجد وذهبوا به إلى المستشفى الجامعي في بيشاور لعله يكون هناك أمل في النجاة، بعدما وضع أبو الحارث الشيخ في السيارة التي أخذته إلى المستشفى قال بصوت عال: الأولاد؟ أين الأولاد؟ محمد وإبراهيم؟ وجرى نحو بقايا السيارة التي كان بعض الدخان يتصاعد منها وقام مع بعض من تجمعوا بقلبها بحثًا عن محمد وإبراهيم إلا أنه لم يجد فيها أحدًا وقبل أن يتكلم بشيء آخر وجد أحد الباكستانيين يربت على كتفه ويقول له: هناك جسد شهید! وتلفت أبو الحارث ومن معه إلى الناحية التي أشار إليها الرجل فوجد جسد محمد- رحمه الله- على بعد أكثر من مائة متر من السيارة وقد تمزق من شدة الانفجار! أما جسد إبراهيم فقد وجدوه في جهة أخرى على بعد ستين مترًا من السيارة! وقد تمزق هو الآخر- رحمه الله.

أما الشيخ فحينما وصلوا به إلى المستشفى وجدوه قد فارق الحياة، فنقلوه إلى خيمة في بيته القديم، وأقسم لي معظم من دخلوا الخيمة أن الرائحة الزكية قد خرجت من جسد الشيخ وعبأت الخيمة حتى تراكم الناس على جسد الشيخ ليروا أولى بشريات الشهادة.

ثم نقلوا الشيخ مع ولديه إلى دار الهجرة في بابي حيث كان الشيخ سياف قد وصل إلى القرية من إسلام آباد فور سماعه نبأ اغتيال الشيخ حيث كان في اجتماع هناك ثم تبعه الأستاذ رباني ثم باقي قادة المجاهدين ووقف الجميع دون أن يتكلموا عدة دقائق بعد ما غلبتهم الدموع وعقدت ألسنتهم الصدمة.

مات الشيخ مع ولديه محمد ٢١ سنة ومتزوج وإبراهيم ١٦ سنة، وترك خلفه زوجته الصابرة أم محمد وثلاثة ذكور وثلاث إناث وديونًا بلغت ما يقرب من خمسة وعشرين ألف دولار، ودفن في نفس المقبرة التي دفنت فيها من قبل والدته ورفيق دربه الشيخ تميم العدناني وكثير من الشهداء الآخرون.

وفي اليوم التالي وقف سياف وخالص ومحمد نبي وسيد نور الله عماد وياسر في مقر رئاسة حكومة المجاهدين إلى جوار حذيفة ولد الشيخ ليتلقوا العزاء في شهيدهم وشهيد الأمة الإسلامية الدكتور عبد الله عزام.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 590

120

الثلاثاء 12-أكتوبر-1982

أدب: (العدد 590)

نشر في العدد 1204

121

الثلاثاء 18-يونيو-1996

المجتمع الثقافي (العدد 1204)