العنوان اليهود والزعماء.. استغلال الأحلام والرؤى
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1980
مشاهدات 65
نشر في العدد 467
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 29-يناير-1980
قد تقابل صديقًا أو قريبًا فتراه حزينًا كئيبًا فتسبر غور نفسه، لتعرف سر كآبته وحزنه فتعجب أشد العجب عندما تعلم أن سبب ذلك رؤيا مرعبة أو منذرة بخطر سيداهمه.
وقد تجده منشرح الصدر، باسم الثغر. وماذاك إلا لأنه رأى رؤيا مفرحة أو مبشرة بحدث سار قادم.
وكانت الرؤى ولازالت ذات تأثير لا على الأفراد العاديين فحسب بل وعلى النابهين والأذكياء، وكم أقضت الرؤى مضاجع الجبابرة والملوك! وكم شغلت شعبًا بأكمله يومًا ما، وما رؤيا ملك مصر في عهد يوسف ببعيدة عن ذاكراتنا، فقد رأى «سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات»، وكانت رؤيا حق، نفعت الناس نفعًا عظيمًا، عندما وجد الشخص الذي يحسن تفسيرها وتأويلها.
وكثير من الناس اليوم يبادرون بالتكذيب بالرؤى والأحلام، ويزعمون أن الرؤى المنامية ليست إلا انعكاسات لما يجول في فكر الإنسان في حال يقظته، وما يختزن في فكره الباطن، فإذا ما استلم للرقاد وطاف في أودية الكرى، فإن عقله الباطن يعمل، فيحقق المرء في نومه ما لم يستطع تحقيقه في عالم اليقظة.
ونحن لا ننكر أن قسمًا كبيرًا من الرؤى ليس إلا انعكاسات لأحاديث النفس وخواطرها التي تمر بها في اليقظة، ولكننا نرفض رفضًا قاطعًا أن تكون جميع الرؤى كذلك، ونقول إن هذا تحكم يعلم كذبه كل من تفكر في رؤاه التي مرت به، أو التي سمع الناس يروونها و يحدثون بها عن أنفسهم، كيف بالله نفسر رؤيا امرأة رأت وليدها يسقط من سطح منزل وفي الصباح يخرج فلا يعود لأن سيارة داهمته وأودت بحياته؟!
وكيف نفسر رؤيا رجل يرى نفسه وقد سافر إلى بلد وسكن منزلًا معينًا رأى في المنام معالمه، فلا تمضي شهور حتى يكون في ذلك المنزل الذي رأى في منامه؟!
وكيف نفسر رؤيا رجل رأى أنه سافر وتعطلت سيارته على صورة ما، وينسى الرؤيا ولا يذكرها إلا حينما يرى المشهد الذي رآه في المنام حقيقة ماثلة؟!. أذكر أن محمد أسد وهو كاتب يهودي اعتنق الإسلام حدث في كتابه «الطريق إلى مكة» عن رؤيا رآها قبل إسلامه وقام من منامه وسجلها، وقد تحققت فيما بعد على الرغم من طولها وكثرة أحداثها.
إذن ليس كل الرؤى انعكاسات لأحاديث النفس وخواطرها وهواجسها بل الأمر أعمق من ذلك.
والإنسان ليس بمطيق بعقله وفكره أن يصل إلى أعماق نفسه، ففي النفس الإنسانية مجاهيل يعجز الإنسان عن الإحاطة بها، على الرغم من أنها أقرب الأمور إليه.
والرؤى لها علاقة بالنفوس الإنسانية وفيها جانب غيبي لا يخضع للعلم المادي المبني على النظر والتأمل والبحث المادي.
وقد أغنانا الرسول صلى الله عليه وسلم. عن إتعاب النفس في هذا الموضوع وقال لنا فيه الكلمة الحق، وهي الكلمة الفصل التي لا نحتاج معها إلى غيرها، وذلك أنها تمثل الحقيقة، وتفسر الأمر تفسيرًا يدرك الإنسان صدقه عندما ينظر إلى رؤاه ورؤى الناس في ضوء ما أخبر به المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي يرويه ابن ماجة: «الرؤيا ثلاثة منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها مايهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».
وفي الحديث الآخر عند الترمذي وابن ماجة «الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث نفس، وتخويف من الشيطان». «صحيح الجامع ١٨٤/٣-١٨٥»
الذي قرره الرسول صلى الله عليه وسلم في الرؤى أنها ثلاثة!؟
الأول: حديث النفس، وهي التي أسماها العلماء الماديون بالانعكاسات النفسية، وهي خواطر النفس وتطلعاتها التي تصبو إلى تحقيقها في واقع الحياة، فتراها في المنام، إذ تحلم بممارسة أمور لم تستطع تحقيقها في واقع الحياة.
الثاني: رؤيا لم يفكر بها صاحبها يومًا ولم تخطر على باله، وهي بعيدة كل البعد عن تفكيره، وقد يراها بصورة جلية لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى تأويل، وقد تكون أمثالًا مضروبة، وأحداثًا مسبوكة، تحتاج إلى علم وتقدير وفهم ثاقب ونظر بعيد، وما كل من رزق علمًا رزق فهمًا بتأويل الأحلام والرؤى.
وهذا النوع من الرؤى هو البقية الباقية من حقيقة النبوة، فالوحي قد انقطع والنبوة قد ختمت، ولم يبق إلا هذه الرؤى وهي المبشرات يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة». رواه البخاري.
وزاد مالك برواية عطاء بن يسار: «يراها الرجل المسلم أو ترى له»
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» متفق عليه . «مشكاة المصابيح ٥٢٨/٢» وإذا كانت الرؤيا من الرسول والأنبياء فهي حق لا تكذب، بل هي وحي إلهي، وقد بادر خليل الرحمن إبراهيم إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنه يذبحه، وما ذلك إلا لأن رؤياه الـوحي.
وغير الأنبياء تقع له الرؤيا الحق وتكون دلائل الصدق عليها بينة، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بأنها رؤيا حق إلا إذا تحققت على النحو الذي رآه صاحبه في منامه.
لقد كان من أسباب افتتان بعض الناس ومتابعتهم لأولئك الذين احتلوا الحرم المكي واعتصموا به، تلك الرؤى التي رآها بعض الكبار والصغار والنساء والرجال، وهي في جملتها تشير إلى أن المدعو محمد عبد الله القحطاني هو المهدي الذي بشر به الرسول -صلى الله عليه وسلم. وقد تبين للناس اليوم أن تلك الرؤى لم تكن صادقة، لأن ذلك الرجل ليس هو المهدي وإلا لو كان هو لم يقتل، ولبقي حتى يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، فذلك من علاماته الثابتة في الأحاديث، ولو كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعرفنا بالرؤيا الباطلة إذا اشتبهت الأمور، أما ونحن لسنا بمعصومين فإن الرؤى تبقى في مجال الظن ولا ترقى إلى اليقين والجزم ما لم تتمثل في واقع مشهود، وعند ذلك يوافق الواقع الخبر.
لقد أول أبو بكر الصديق بين يدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- رؤيا فبين له الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أصاب في تأويله وأخطأ.
فمن يضمن لنا ألا نقع في الخطأ، ومن يضمن لنا أن نصيب كبد الحقيقة.
قد يظن بعض الناس أن هناك نوعًا من الرؤيا لا تحتاج إلى تبين فهي عندهم صادقة أبدًا، وهي رؤية الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المنام، نحن لا ننكر أن رؤيا الرسول -صلى الله عليه وسلم- حق صدق، فقد ثبت في الحديث المتفق عليه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» وفي الحديث الآخر المتفق عليه: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي» «مشكاة المصابيح ٥٢٨/٢».
ولكن ينبغي أن تعلم أن رؤيا الرسول -صلى الله عليه وسلم- تكون حقًّا إذا كانت الصورة المرئية له هي صورته الحقيقية التي كان عليها، إما إذا رؤى بصورة غير صورته وزعمت الصورة المرئية أنها الرسول فالأمر ليس كذلك، فالممنوع أن يتمثل الشيطان في الصورة الحقيقية للرسول -صلى الله عليه وسلم-، أما أن يزعم الشيطان أنه الرسول وقد تمثل في صورة غير صورة الرسول فهذا أمرلم ينفه الحديث.
الثالث: النوع الثالث من الرؤى التي أخبر بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي الرؤيا التي يسببها الشيطان، فالشيطان قد يمثل للإنسان في منامه لرؤيا مفزعة تبلبل خواطره، وترهق نفسه، وتجعله يجول في عوالم بعيدة حذرًا متخوفًا، وفي الحديث: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، وشر الشيطان، وليتفل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لا تضره» متفق عليه. «مشكاة المصابيح ٥٢٨/٢»
وقد جاء رجل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: «رأيت في المنام كان رأسي قد قطع قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وقال: «إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس» رواه مسلم «مشكاة المصابيح ٥٢٩/٢»
والشيطان لديه القدرة على الوسوسة في صدور الناس ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (الناس:4-5) وفي الحديث أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. فلديه القدرة على أن يمثل للنفس في منامها أمورًا تفزعها وتحزنها.
استغلال الرؤيا والأحلام:
لا ضير على من يرى في منامه رؤيا، ولا ضير عليه إذا اجتهد في تفسيرها، وإن كان عليه ألا يبعد النجعة ويشغل فكره في هذه الأمور إشغالًا يهدر وقته، ويضيع طاقاته.
والذي يتوجه إليه اللوم والتحذير صنفان من الناس:
صنف تكون رؤياه تلاعبًا شيطانيًا، فإذا بهذه الرؤيا الشيطانية تفسر تفسيرًا خاصًا، لتوافق مخططًا يراد تنفيذه في واقع الحياة، من قبل زعماء الكفر ودهاقنة الباطل، والذين يلعبون بمقدرات الأمم والشعوب، وهم يفسرون هذه الأحلام بهذه التفسيرات التي تخدم مصالحهم، لتبدو وكأنها قدر إلهي لا يجوز مغالبته ولا منازعته.
والصنف الآخر: هم الذين لا يرون في المنام شيئًا ولكنهم يزعمون أنهم رأوا رؤيا، وتكون مثل هذه الرؤيا في العادة محبوكة حبكًا محكمًا، وتذاع بين الناس.
وتذاع تفسيراتها، ثم يجتهد هؤلاء الطواغيت في تنفيذ مخططاتهم المدمرة، فتأتي وفق الرؤيا المزعومة، وما هي برؤيا وإنما هي جزء من المؤامرة، للتغرير بالبسطاء، الذين لم يبلغ فهمهم إلى معرفة مكائد شياطين الجن والأنس.
مثالان:
وسأضرب على هذا مثالين قد يكون أصحابهما من الصنف الأول أو الثاني، نشرت جريدة السياسة الكويتية بتاريخ ١٢/١/۱۹۸۰ أن حسن التهامي زعم أنه رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحلم، وأن الرسول أمره بأن يسعى للصلح بين العرب واليهود.
وحسبنا أن نعلم أن حسن التهامي كان في الوقت الذي زعم هذا الزعم نائبًا للسادات ومستشارًا له، وكان يمهد للسفرة المشئومة التي قام بها السادات إلى القدس لتكون بداية رحلة الذل والهوان والتي أدت إلى ما أدت إليه من مآسٍ.
وحسبنا أن نعلم أن التهامي هو الذي تفاوض مع دايان ليمهد الطريق أمام سفر السادات كما ذكرت ذلك السياسة في عددها بتاريخ ١٦/١/۱۹۸۰ إذن رؤيا التهامي هذه استغلال سيئ، وهي اختلاق لا أساس له من الصحة، قصد به المساعدة في تحقيق أمر يسعى هو وآخرون إلى تحقيقه، وحسبنا أن نعلم أن هذه الرؤيا لو كانت حقًا لكانت موافقة لتعاليم الإسلام لا مخالفة لها.
والحادثة الثانية هي تلك الرؤيا التي رآها ثلاثة من كبار الحاخامات اليهود المعروفين بعلمهم في التصوف اليهودي، رأوا في المنام في ليلة واحدة أن آخر معركة عظيمة على الأرض ستنشب في أبريل من هذا العام، وهي التي ستبشر ببداية العصر الألفي السعيد الذي سيملك فيه المسيح الأرض.
وقالت بعض التقارير إن الحاخامات رأوا في منامهم أن المعركة بين يأجوج ومأجوج تعجل في موضوع وقوع المذبحة النووية بين القوتين الكبيرتين.
وقالت تقارير أخرى عن هؤلاء: إن المعركة الكبرى قد وقعت، وأن المسيح سيصل بطريقة سلمية.
ويستشهد أحبار اليهود بالعلاقات التي تدل على قرب وصول المسيح والتي ظهرت في العام المنصرم، وقالوا: إن وقع خطى المسيح كان مسموعًا في العام الماضي.
هذا مضمون الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء، ونشرته عدة صحف في حينه «راجع جريدة الوطن الكويتية بتاريخ ٤/١/۱۹۸۰» وكل من يعلم عقيدة اليهود وتطلعاتهم ومخططاتهم يعرف أن هذه الرؤيا تكشف شيئًا من هذا كي تظهره في صورة أمر إلهي مقدر.
إن اليهود يخططون لحرب عالمية ثالثة يحكمون بعدها العالم، وهم يفسرون بقايا المعلومات الدينية التي سلمت من التغيير تفسيرًا يوافق تطلعاتهم ومخططاتهم كما هو ظاهر من تفسيرهم لحرب يأجوج ومأجوج، فالرؤيا المزعومة تجعل يأجوج أمة ومأجوج أمة أخرى، واليهود يكفرون بالمسيح عيسى ابن مريم ويزعمون أن المسيح لم يبعث بعد، وهم ينتظرون قدومه، ليحكموا العالم به ولذا يتبعون المسيح الدجال عندما يجتاح العالم ويتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وما ذلك إلا ظنهم أنه المسيح الموعود ملك اليهود المنتظر.
إن هذه الرؤيا رؤيا مقصود بها أن تمهد لأحداث تخطط لها يهود في الخفاء، وهي مصاغة على هذا النحو كي تعطي أثرًا معينًا عند من يقرأ الخبر، وإلا فكيف يتسنى لثلاثة أشخاص في وقت واحد في ليلة واحدة أن يروا رؤيا واحدة ذات مضمون واحد؟!
الرؤيا ليست تشريعًا:
الرؤيا لا تعد تشريعًا، وبعض الأفراد والجماعات تجعل من الرؤى والتجليات والأفكار وأحاديث القلوب مصدرًا تشريعيًا ينافس القرآن والسنة، وقد يقدم عليهما.
الرؤيا الصادقة ما هي إلا مبشر بأمر سار وقد تكون دعوة إلى الاستقامة، وقد تكون تثبيتًا على الحق، وقد تنفر من الباطل ولكنها لا تشرع شيئًا جديدًا، وقد جادلني رجل كان يسير على بدعة لم يشرعها الله، إذ كان يقوم على القبور بعد أن يدفن أصحابها، ليلقن الميت حجته، ويعرفه بما يجيب به رسل ربه جادلني هذا الرجل بأن هذا مشروع بدليل أنه رأى في منامه كيف يفعل بالميت منذ نزع الروح إلى الدفن، وكان هذا التلقين مما رآه يفعل، فقلت له: إن ديننا تام كامل لا ينتظر شخصًا يكمله بالرؤيا والمنام. وكيف يكون جوابك عندما يأتيك آخر يزعم أنه رأى خلاف ما رأيت؟!
ومن الذي نتبعه أنت أم هو؟ كلا لا نتبع إلا خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه في وسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل