العنوان اليهود.. هل تعبوا من الصهيونية؟
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999
مشاهدات 71
نشر في العدد 1356
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 29-يونيو-1999
المحن التي واجهوها في «قرن» الصهيونية لم يشهدوا لها مثيلًا في تاريخهم!
وثائق يهودية تثبت تواطؤ زعماء الحركة الصهيونية مع النازية لحمل اليهود على الهجرة
أعادت تصريحات بنيامين نتنياهو، والتي زعم فيها بأن الإسرائيليين قد تعبوا من الصهيونية، وأنهم لم يعد يعنيهم سوى حياتهم اليومية، أعادت موضوع الصراع بين التيارين الصهيوني والديني إلى واجهة الحدث، وعلى الرغم من أن نتنياهو المهزوم كان يريد نقد المجتمع الإسرائيلي الذي خذله بغالبية واضحة، والذي هو في رأي نتنياهو «مستعد لقبول كل الانسحابات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهضبة الجولان»، إلا أن إقحام الصهيونية في هذا الجدل يؤكد مجددًا تزايد الهوة بين التيارين الصهيوني والديني باعتبار أن الصهيونية مشروع علماني إلحادي، وهو يشير بشكل واضح إلى تزايد قوة الأحزاب الدينية التي يبدو أن نتنياهو بات أقرب إليها بعد أن قدم استقالته من العمل السياسي.
وإذا كانت الصهيونية قد جاءت في الأصل تعبيرًا عن فكرة سياسية يهودية لجمع يهود العالم في «دولة يهودية» واحدة، إلا أن هذه الفكرة انتهت فيما بعد إلى انقسام الدولة إلى معسكرين صهيوني يرى في إسرائيل دولة جامعة لكل من هو يهودي، بغض النظر عن رأي الحاخامات المتشدد في تعريف اليهودي الحقيقي، وهو رأي لا تعترف به المحاكم الصهيونية، وآخر غير صهيوني أو ديني لا يعترف بالصهيونية، وإن كان يتعامل معها ويعيش في ظل مشروعها. وهذا التيار الأخير يعتبر اليهودية دينًا وعقيدة وليست جنسية محدودة بدولة إسرائيل.
وبعد مرور أكثر من مائة عام على تأسيس الصهيونية، وخمسين عامًا على ولادة مشروعها إسرائيل، يجادل بعض مفكري اليهود حول جدوى بقاء الصهيونية على قيد الحياة، خصوصًا بعد إنجاز مشروعها الذي قامت من أجله. فالدكتورة ديبورا مور، أستاذة الأديان في كلية فاسار الأمريكية، ترى أن الصهيونية استنفدت غرضها في فلسطين المحتلة بعد تأسيس إسرائيل، لكن مهمتها لم تنته بعد خارج الدولة اليهودية، وتجادل ديبورا بأنه إذا كان غرض الصهيونية تأسيس دولة لليهود، فقد تحقق ذلك الهدف عام ١٩٤٨م، وأنه إذا كان أمن «اسرائيل» جزءً من مشروع الصهيونية، فإن حرب عام ١٩٦٧م، وغزو لبنان عام ۱۹۸۲م قد حققا هذا الغرض(!)، وإذا كان الحلم بأن يعيش اليهود كباقي الشعوب الأخرى والدول الأخرى هو محك اختبار نجاح الصهيونية، فإن اتفاق أوسلو الموقع عام ١٩٩٣م كفيل بأن يجعل الصهيونية في مزبلة التاريخ، كما قالت الأكاديمية اليهودية وإذا كان تجميع اليهود «المضطهدين» يعتبر هدفًا للصهيونية، فإن نقل يهود الفلاشا ومئات آلاف اليهود الروس إلى الدولة اليهودية يعتبر ذروة سنام الصهيونية!
ديبورا ترى أن الصهيونية أنجزت شيئًا كبيرًا ليهود أوروبا الشرقية وروسيا، لكنها لم تخدم يهود الغرب الذين يذوبون في مجتمعاتهم وهو ما يعني أنه ما زال أمامها رسالة يجب أن تؤديها لهؤلاء وهي حل مشكلة «اليهودية» المتمثلة في ظاهرة ذوبان اليهود في المجتمعات الغربية، فالصهيونية بفكرتها السياسية تمثل أداة لتأكيد الهوية اليهودية التي تتلاشى في أمريكا وأوروبا الغربية نتيجة الزيجات المختلطة بين اليهود وغيرهم ونتيجة ابتعاد اليهود عن دينهم، ولا تتردد ديبورا في التأكيد على حقيقة أن اليهود في الولايات المتحدة «خمسة ملايين» هم أقل الأمريكان تمسكًا بدينهم ومراعاة لتعاليم دينهم على الرغم من أن «الأديان تنتشر في أمريكا بسرعة لا يوجد لها مثيل في العالم الغربي».
وكان مقتل إسحاق رابين إشارة إلى حجم التصدع الذي يجتاح المجتمع الإسرائيلي اليهودي حول الأبعاد الدستورية والقانونية والأيدولوجية في الدولة اليهودية والذي عكسه عدد من الكتاب اليهود الذين عالجوا في كتاباتهم مسألة «إسرائيل والصهيونية»، وكما يقول الكاتب اليهودي المعادي للصهيونية، إيبي ويزفيلد في كتابه «نهاية الصهيونية» فقد قدمت الصهيونية نفسها باعتبارها الناطق الوحيد باسم «حركة التحرر القومي اليهودي»، ولأنه لم يكن لها منافس بين اليهود فقد حازت ولاء اليهود لها في أمريكا الشمالية على وجه الخصوص وبين يهود الشتات بشكل عام، وقد تساءل عما إذا كان الاضطهاد والقمع الذي تمارسه الصهيونية ضد الفلسطينيين والولاء الذي يحمله يهود الغرب لدولهم التي يقيمون فيها يمكن أن يؤدي إلى اعتبار الصهيونية حركة تزيد من مشكلات اليهود التي وجدت من أجل حلها، وقد حاول ويزفيلد في كتابه قطع الروابط الأيديولوجية التي تربط اليهود بالصهيونية في الوقت الذي لا يريد اليهود الذين يعيش غالبيتهم خارج إسرائيل سوى العيش وممارسة شعائر دينهم وثقافتهم بعيدًا عن الاضطهاد كما يقول.
فالصهيونية حركة عنصرية تقوم على أساس استحالة أن يعيش اليهود مع غيرهم بسلام وتعتبر التخالط السلمي الذي يتم بين اليهود في العالم مع أبناء جنسياتهم «عامل هدم» لليهود وهو ما يعني أن الصهيونية نفسها كما يقول أحدهم فكرة «لا سامية»!
ويعكس ما يمكن أن يظنه الكثيرون فإن غالبية اليهود لم يكونوا يؤيدون الصهيونية قبل الحرب العالمية الثانية، لكن مذابح النازية ضد اليهود وتضخيمها من جانب الحركة الصهيونية جعلها تنجح في تدمير أي معارض لفكرتها ومشروعها، ولا يخفي بعض اليهود المعادين للصهيونية احتمال وجود علاقة خفية بين النظام النازي وقادة الحركة الصهيونية وقد نجحت الحركة الصهيونية من خلال عملياتها السرية وتورطها في عدد من المذابح والتفجيرات وأعمال القتل ضد أبناء دينها اليهود في عدد من الدول الأوروبية والعربية في تحقيق فكرتها السياسية بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين المحتلة وهجرة كثير من يهود العالم إليها.
حقائق عن الهولوكست
وتبرز الوثائق اليهودية حقيقة دور زعماء الحركة الصهيونية في الهولوكست النازية، ومن بين تلك الوثائق ما يشير إلى مؤتمر عقده الرئيس الأمريكي روزفلت في يوليو عام ١٩٣٨م وهو مؤتمر إيفيان لحل مشكلة اللاجئين اليهود من ألمانيا، فقد تجاهل وقد الوكالة اليهودية برئاسة جولدماتير عرضًا ألمانيًّا للسماح ليهود ألمانيا بالهجرة إلى الدول الأخرى مقابل ۲٥٠ دولار للرأس الواحد! كما تؤكد على أن الصهاينة لم يبذلوا مجهودًا يذكر لحث الولايات المتحدة والدول الـ٣٢ الأخرى التي حضرت المؤتمر للضغط على ألمانيا للسماح بهجرة يهود ألمانيا والنمسا.
وفي فبراير ١٩٤٠م رفض هنري مونتور نائب رئيس الرابطة اليهودية المتحدة التدخل لحل مشكلة سفينة تحمل لاجئين يهودًا علقت في نهر الدانوب بحجة أنه «لا يمكن ملء فلسطين بالعجائز أو غير المرغوب فيهم»!
وخلال الحرب العالمية الثانية وتحديدًا في عامي ١٩٤٠م و١٩٤٢م عرضت ألمانيا النازية على يهود أوروبا الرحيل إلى إسبانيا إذا تخلوا عن جميع ممتلكاتهم في ألمانيا وفرنسا المحتلة «في ذلك الوقت» وفق ثلاثة شروط:
ألا يغادر أي من هؤلاء المهجرين اليهود إسبانيا إلى فلسطين.
يتم ترحيل جميع اليهود المهجرين من إسبانيا إلى الولايات المتحدة أو المستعمرات البريطانية.
تقوم الوكالة اليهودية بدفع فدية مقدارها ألف دولار عن كل عائلة يهودية تريد الهجرة وتدفع عند وصول العائلة إلى الحدود الإسبانية وبمعدل ألف عائلة في اليوم.
وقد اعتبر زعماء الحركة الصهيونية في سويسرا وتركيا أن اشتراط استثناء فلسطين من وجهة المهجرين اليهود كان نتيجة اتفاق بين الجستابو ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني يرحمه الله، وقد رفض الصهاينة ذلك العرض، مؤكدين أن فلسطين وحدها يجب أن تكون وجهة هؤلاء المهجرين، كما رفضوا دفع أي فدية وأعلنوا أن يهود أوروبا يجب أن يقدموا قتلى وتضحيات أكثر من أي شعب أوروبي آخر حتى يوافق الحلفاء المنتصرون في نهاية الحرب على إقامة دولة يهودية!
ومن الوثائق الموجودة التي تثبت تورط الحركة الصهيونية وتضحيتها بيهود ألمانيا وأوربا من أجل تنفيذ مشروعها في فلسطين وثيقة تشير إلى إعلان البرلمان البريطاني في ١٧ ديسمبر ١٩٤٢م عن استعداده لإيجاد ملاذ مؤقت للأشخاص الذين يتعرضون للخطر، واقترح البرلمان البريطاني إخلاء نصف مليون يهودي من أوروبا وتوطينهم في المستعمرات البريطانية كجزء من المفاوضات الدبلوماسية مع ألمانيا، وقد حصل ذلك الاقتراح على موافقة ۲۷۷ نائبًا، لكن ناطقًا باسم الحركة الصهيونية أعلن أن اليهود سيعارضون هذه الفكرة بسبب عدم تحديد فلسطين كوجهة لهؤلاء المهجرين!
محاربة الصهيونية..
وقد نشأت منظمات يهودية لمحاربة الأيديولوجية الصهيونية التي تريد اقتلاع اليهود من مجتمعاتهم ومصالحهم كالمجلس الأمريكي من أجل اليهودية الذي أسسه عدد من زعماء اليهود المعروفين في الولايات المتحدة، ويكفي للتدليل على عدم شعبية الصهيونية بين اليهود أنه عندما طرحت فكرة إقامة دولة صهيونية في فلسطين وقدم المشروع للحكومة البريطانية في بداية القرن الحالي، وافق جميع أعضاء الحكومة على ذلك المشروع باستثناء وزير واحد. وكان ذلك الوزير هو اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية في ذلك الوقت!
ومنذ بداية إنشائها حذر عدد كبير من الحاخامات اليهود من الأخطار المحتملة للصهيونية، واعتبروها حركة شوفينية عنصرية ليس لها علاقة باليهودية، بل إنها يمكن أن «تشوه» الديانة اليهودية، ويزعم الحاخامات اليهود أن اليهودية دين وليست عرقًا أو جنسية كما يريدها الصهاينة، وذهب بعضهم في النصف الأول من هذا القرن كالحاخام يزحقيل هالبرستام إلى القول: «عندما يرتل اليهودي: اسمعي يا إسرائيل الله ربك وهو واحد، فيجب أن يتذكر أنه يرفض كل الوثنيات في العالم بما فيها الصهيونية التي هي وثنية أيضًا».
واعتبر حاخام آخر هو يساشار دوف أن دولة إسرائيل هي دولة الأشرار: «قد ينجح إبليس قبل مجيء المسيح، وينشئ الأشرار دولة لهم في أرض إسرائيل، ستكون دولتهم خطرًا كبيرًا على كل يهودي من الناحيتين المادية والروحية».
ويؤكد مناهضو الصهيونية من اليهود على أنها فاشلة، وأنها لا تخدم مصالح اليهود لكثير من الاعتبارات أهمها:
- إذا تأمل المرء في الألفي عام الماضية من تاريخ اليهود، فإنه لن يرى قرنًا مر على اليهود أكثر دموية ومعاناة ومصائب من هذا القرن الذي نشأت فيه الصهيونية!
- صرح مؤسسو الصهيونية في كتبهم بأن الوسيلة التي يعتزمون من خلالها إقامة دولة لهم هي إثارة «اللاسامية»، وإضعاف أمن اليهود في كل بقاع العالم إلى أن يضطروا إلى الهرب إلى دولتهم! وهكذا فعلوا حيث حرضوا الشعب الألماني وأشعلوا نار الحقد في قلوب النازيين على اليهود، ثم ساعدوهم بالخديعة والغش على أخذ اليهود إلى معسكرات الاعتقال.
- نعتقد أن معظم يهود العالم يعيشون في أمن وظروف مادية جيدة وليس لديهم رغبة للذهاب إلى الدولة الصهيونية والعيش فيها، بينما كثير من اليهود هناك غادروا الدولة الصهيونية للعيش في ظروف أفضل في مناطق أخرى من العالم.
- قام الصهاينة بعمل دعاية كبيرة لحث اليهود على الهجرة إلى دولتهم، فإذا كانت دولتهم جيدة فلماذا يقومون بعمل كل هذه الدعاية؟!
- الطريقة الوحيدة التي يمكن للصهيونية أن تحمل اليهود فيها على الهجرة إلى دولتها هي عن طريق تقديم وعود للفقراء بوجود منافع مادية لهم في حال هجرتهم.
- الدولة الصهيونية مهددة دائمًا بخطر الحروب بينما يعيش يهود العالم الآخرون في أمن وسلام.
- لا يمكن للدولة الصهيونية أن تعيش بدون دعم اقتصادي من اليهود الذين يعيشون خارجها.
- الدولة الصهيونية على وشك الانهيار الاقتصادي.
- إنهم يشعلون الحروب من أجل مصالحهم السياسية.
- وفقًا للتوراة فإن طريق الأمن يكون في اتباع طريق السلام، وليس إشعال الحروب مع الدول الأخرى، كما يفعل الصهاينة.
- حتى لو قدم لنا الصهاينة الأمن، فإن ذلك سيكون على حساب توراتنا، ولذلك فإن الصهيونية ليست هي منقذ شعب إسرائيل، بل هي مصيبتهم الكبرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل