; اليهود.. قصتهم من البداية إلى النهايَة.. | مجلة المجتمع

العنوان اليهود.. قصتهم من البداية إلى النهايَة..

الكاتب محمد علي دولة

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 250

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-مايو-1975


 الحلقة 3

•دراسة موضوعية في تاريخ اليهود تعتمد على أوثق المصادر

ومحاولة لتفسير التاريخ في ضوء من سنن الله في الحياة البشرية.


وامتدحه القرآن على قيامه بكل ما أمره الله به فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (سورة النجم: 37) «32». قال ابن كثير: «قالوا وفي جميع ما أمر به، وقام بجميع خصال الإيمان وشعبه. وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل، ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار» «33».

«ولما وفي بجميع ما أمر به من التكاليف العظيمة جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (سورة البقرة: 124) «34» فسأل إبراهيم أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه، وباقية في نسبه، وخالدة في عقبه، فأجيب إلى ما سأل، وسلمت إليه الإمامة، واستثني من نيلها الظالمون، واختص بها من ذريته العلماء العاملون، كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (سورة العنكبوت: 27) «35» وقال تعالى:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ*وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ «36» وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ*وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (سورة الأنعام: 84-85-86-87) «37» وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ (سورة الحديد: 26) «38» فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل، فمن ذريته وشيعته وهذه خلعة سنية لا تضاهى، ومرتبة عليا لا تباهى، وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذکران عظيمان: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاق من سارة، وولد له يعقوب -وهو إسرائيل- الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدا، بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة، حتى ختموا بعيسى بن مريم من بني إسرائيل.

وأما إسماعيل عليه السلام، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم القرشي، المكي ثم المدني، صلوات الله وسلامه عليه.

فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف، سوى هذه الجوهرة الباهرة، والدرة الزاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع، ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة. وقد ثبت في صحيح مسلم أنه قال: سأقوم مقاما يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم» «39» وكان أعظم ما تركه إبراهيم لنبي من الأنبياء وغيرهم «الإســـــــلام» دين التوحيد والاستقامة، لذا أوصى نبیه بالتمسك به، وكذلك فعل بنوه الأنبياء مثل فعله. قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ*إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ*وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (سورة البقرة: 130-131-132) «40». وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (سورة البقرة: 135) «41» فنزه الله عز وجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا «42»، وبين أنه كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين.

ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ (سورة آل عمران: 68) يعني الذين كانوا على ملته من أتباعه في زمانه، ومن تمسك بدينه من بعدهم «وهذا النبي» يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرعه للخليل، وكمله الله تعالى له، وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا قبله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (سورة الأنعام: 161-162) «43». وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ*وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ*ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (سورة النحل: 120-121-122-123) «44» «45»

ولقد آتى الله سبحانه إبراهيم عليه السلام أجره في الدنيا قبل الآخرة، وأنعم عليه نعمًا كثيرة، منها: أنه بدل وحدته بالكثرة، وبدل قومه الضالين بقوم مهتدين، ومنها أنه عظم جاهه فصار أبا الأنبياء بعد أن كان حامل الذكر يقولون عنه: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (سورة الأنبياء: 60). ومنها أنه كثر ماله وصار على جانب كبير من الغنى، يملك الذهب والفضة والمواشي وعشرات العبيد، وكان يبذل ماله الكتب للسائلين ويكرم الضيوف وأصحاب الحاجة، ومنها أن الله أماته قرير العين فرحا أن هداه الله للإيمان وفرحا بما وعد الله سبحانه من تكثير ذريته وجعل النبوة فيهم، ووعده بأن يملكهم الأرض المقدسة وينتزعها من أيدي الوثنيين بعد حين من الزمان، فيطهرونها من الوثنية، ويقيمون فيها مجتمع الإيمان، المتمسك بشرائع الله، القائم بطاعته، المجتنب لمحارمه «46»

هذه صحائف يسيرة في سيرة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قصدنا من إيرادها أن يلم القارئ بموجز عن سيرة هذا الأب الكبير والمعلم العظيم، ننتقل بعدها إلى سيرة ثاني الآباء إسحاق عليه السلام.

«32» الآية ٣٧ من سورة النجم.

«33» البداية والنهاية «۱ : ۱۷۲»

«34» الآية ١٢٤ من سورة البقرة

«35» الآية 27 من سورة العنكبوت.

«36» لوط عليه السلام هو ابن أخي إبراهيم لكنه أدخل هنا في الذرية تغليبًا.

«37» الآيات ٨٤ - ٨٧ من سورة الأنعام.

«38» الآية ٢٦ من سورة الحديد

«39» عن البداية والنهاية «١ : ١٦٦» بتصرف يسير.

«40» الآيات ۱۳۰ - ۱۳۲ من سورة البقرة

«41» الآية ١٣٥ من سورة البقرة.

«42» أي لا صلة لإبراهيم عليه السلام باليهودية المحرفة ولا بالنصرانية المحرفة.

ولهذا قال في آية أخرى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (سورة آل عمران: 67)

«43» الآيات ١٦١ - ١٦٣ من سورة الأنعام.

«44» الآيات ۱۲۰ - ۱۲۳ من سورة النحل.

«45» عن البداية والنهاية «1:168» .

«46» على هذا الأساس قامت الوعود الكثير التي سجلها سفر التكوين لإبراهيم في أن الله سيورث ذريته أرض کنعان، على أساس أن يقيموا فوق أرضها مجتمع الإيمان والطاعة، ولقد شرط الله لتحقيق هذا الوعد أن يتحقق من الذرية هذا الأمر. جاء في سفر التكوين «۱۸: ۱۸و۱۹»

«وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك به جميع الأمم، لأني عرفته، لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب، ليعملوا برا وعدلا لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به»

الرابط المختصر :