العنوان اليهود في سويسرا نفوذ كبير وولاء كامل لإسرائيل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1996
مشاهدات 69
نشر في العدد 1200
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 21-مايو-1996
* اليهود يسيطرون في سويسرا على اثنتين من أهم الصناعات وهما صناعة النسيج وصناعة الساعات.
أعلنت الوكالة اليهودية في جنيف في آخر إحصائية أن عدد السويسريين اليهود الذين هاجروا خلال سنة 1995م إلى إسرائيل قد بلغ 177 شخصًا وهو ما يعادل 5,84% من عدد اليهود السويسريين، ويعتبر هذا الرقم قياسيًّا بنسب الهجرة في بقية دول أوربا الغربية، كما أنه أثار تساؤلات عديدة في الأوساط المهتمة بهذه الظاهرة، خاصة إذا علمنا أن اليهود في سويسرا يتمتعون بحقوقهم كاملة وذلك منذ أكثر من قرن، إضافة إلى أن سويسرا تمثل مركزًا مهمًّا ومحطة مضيئة في تاريخ اليهود، كيف لا وقد إنعقد بها أول مؤتمر صهيوني سنة 1897 بمدينة بال Bale وأسس بها الصندوق اليهودي العالمي في سنة 1901م وكذلك تأسس بجنيف المؤتمر اليهودي العالمي سنة 1936م.
حسب آخر إحصاء للسكان بسويسرا يقارب عدد اليهود السويسريين 19 ألف نسمة وهو عدد متواضع إذا قارناه بعدد مسلمي هذا البلد حيث إن عدد اليهود لا يساوي عُشرَ عدد المسلمين إلا أن التواجد اليهودي بسويسرا يعود إلى القرن السابع عشر متمثلًا في بعض التجار المتجولين، ولكن سرعان ما تزايد حيث تروي كتب التاريخ أن اليهود كانوا مجبورين على الاستقرار في قرية واحدة وفي الأرياف دون المدن وقد بلغ عددهم سنة 1750م (108) عائلة أي ما يناهز 600 نسمة، وكأن تعود اليهود على الهجرة جعلهم يفكرون بسرعة في التنظيم حتى لا تضيع هويتهم وهم الأقلية بين السكان الأصليين؛ لذلك قاموا سنة 1750م بتأسيس أول كنيس وأول مقبرة يهودية بين قريتي لتيو وإيدنجسن وهما القريتان اللتان كانتا يُحجر على اليهود مغادرتهما إلا بإذن حتى سنة 1866م ومع تزايد عدد اليهود وكثرة المطالبة بالمساواة منهم وبين السكان الأصليين، صدرت قرارات في مختلف مقاطعات السويسرية تمنح اليهود حق المواطنة الكاملة والحق في الجنسية.
وما إن أصدرت هذه القوانين حتى توزع اليهود في كل البلاد ودخلوا كل المجالات التي كانت محرمة عليهم وخاصة الجيش حيث سجل في أواخر القرن التاسع عشر إقبال كثيف من اليهود على تأدية الواجب العسكري.
وقد شكلت سويسرا باعتبارها بلدًا محايدًا مرفأً لجأ إليه اليهود الفارين من النازيين ثم منذ سنة 1866م وبعد استقلال بلدان شمال إفريقيا لجأ اليهود العرب أيضًا إلى سويسرا ثم لحق بهم بعض اليهود اللاجئين القادمين من أوربا الشرقية، لهذا فإن الجالية اليهودية في سويسرا تتكون من فسيفساء طائفية وثقافية ساعدها الوضع المتميز في سويسرا والتعددية الثقافية والدينية على الاستقرار والتعايش السلمي وذلك تحت سقف فيدرالية الجاليات اليهودية بسويسرا.
ورغم أن عدد اليهود لم يتزايد منذ أكثر من أربعين سنة إلا أن فعاليتهم ونفوذهم في البلاد تتضخم وتتزايد وأصبحوا يتمركزون في كل مجالات الحياة.
مرحلة فرض الذات
إن حالة التنظيم التي عليها اليهود ساعدتهم على نيل كل حقوقهم الدينية والثقافية، والآن لا تخلو أية مدينة في سويسرا من كنيس ومقبرة بينما لا يزال المسلمون يطالبون منذ سنوات بحقهم في مقبرة إسلامية دون جدوى، كما أن المدارس اليهودية موجودة في أغلب المدن الكبرى ويرتادها عدد كبير من أطفال اليهود حيث يتعلمون اللغة العبرية ويتعمقون في معرفة الديانة اليهودية ليرسلوا فيما بعد إلى إسرائيل لقضاء فترة طويلة حتى ينموا داخلهم الشعور بالانتماء لدولة إسرائيل والعمل من أجل بقائها واستمرارها.
وتعتبر فيدرالية الجاليات الإسرائيلية «اليهودية» التي تأسست منذ سنة 1904م الناطق الرسمي باسم اليهود وهي التي تمثلهم لدى السلطات الفيدرالية السويسرية.
وتنضوي تحت هذه المنظمة 23 طائفة مختلفة لعل أهمها اليهود الأرثوذوكس واليسار الليبرالي التقدمي، لا سيما أن سويسرا بلد فيدرالي محايد تقنن فيه القوانين عن طريق الاستفتاء الشعبي فإن المنظمات اليهودية والجمعيات الإنسانية اليهودية أو المختلطة لا تعد، وتتزايد كل يوم وذلك قصد خلق مجموعات ضغط قادرة على التأثير في الرأي العام وتوجيه قراراته.
ولقد تمكن اليهود مثلًا من فرض اعتبار أعيادهم الدينية كأيام عطل بالنسبة إليهم، كما أنه قد كان لهم دور كبير في تحويل الحصص الدينية المسيحية في المدارس الحكومية إلى دروس تاريخية وفلسفية حتى لا يكبر أبناء المسيحيين وهم يعتقدون أن اليهود قد قتلوا المسيح عليه السلام.
كما لعب اليهود دورًا كبيرًا في الأحداث قانون ضد التمييز العنصري والعداء للسامية وهو قانون صارم يعاقب كل من يعبر علنًا أو يدعو لأفكار تدعو للعنصرية وخاصة ضد اليهود وطبعًا لذلك منع بيع عدد كبير من الكتب التي تفضح اليهود.
نفوذ اقتصادي لخدمة إسرائيل
انطلاقًا من أن سويسرا بلد محايد ولا يمكن توجيه سياساته بأي حال من الأحوال لخدمة مصلحة الدول العبرية، ركز اليهود السويسريون جهودهم على المجال الاقتصادي وساعدهم في ذلك الاستقرار السياسي وحاجة البلاد إلى المستثمرين لفقر البلد إلى الموارد الطبيعية ومحدودية المردود الفلاحي لطبيعة البلد الجبلية.
وبما أن قانون البلاد وقبل المساواة كان يمنعهم من امتلاك الأراضي والاشتغال بالصناعة، اهتم اليهود بالتجارة وخاصة تجارة الخيول كما كانوا يوظفون أموالهم في القرض مقابل فوائد مضاعفة وما إن صدر قانون المساواة وحرية التنقل والامتلاك حتى اكتسح اليهود كل المجالات.
ولئن واصل الآباء الاشتغال في تجارة الخيول إلا أنهم وجهوا أبناءهم إلى مختلف المهن الأخرى حيث تجدهم بعد فترة قصيرة يسيطرون على اثنتين من أهم الصناعات في البلاد ألا وهما صناعة النسيج وصناعة الساعات، ولا زالت إلى يومنا هذا حكرًا عليهم دون غيرهم يتوارثونها أبًّا عن جد.
وربما أن اليهود يمثلون الطبقة الغنية، فقد أولوا مسألة التعليم والتكوين أهمية كبرى حيث أظهر آخر إحصاء للسكان أن 45% من اليهود متخرجون من المعاهد العليا والجامعات وهم الآن يحتلون المراكز الحساسة في البلاد وخاصة في ميدان التجارة وتوظيف الأموال.
سيطر اليهود منذ بداية هذا القرن على الأسواق السويسرية الداخلية منها والخارجية، إذ إن أصحاب أكبر المساحات التجارية الكبرى يهود وهم يتعاملون بدرجة أولى مع إسرائيل في معاملاتهم التجارية من استيراد وتصدير وذلك قصد تخفيف الحصار الاقتصادي الذي كانت تفرضه عليها الدول الإسلامية المجاورة، لذلك فإن أغلب المواد والبضائع التي تجدها في هذه المحلات قادمة مباشرة من إسرائيل.
ودعم الطائفة اليهودية بسويسرا لإسرائيل لا يتوقف عند فتح السوق السويسرية أمام بضائعها إنما يتعداه إلى دعم مالي وولاء سياسي مكشوف.
إن ارتباط الطائفة اليهودية في سويسرا بدولة إسرائيل قوي جدًّا لأن الذي يجمع يهود العالم الآن ليس الديانة اليهودية بقدر ما هي دولة إسرائيل التي تمثل بالنسبة لهم رمزًا لبقاء اليهود وحقهم في تقرير مصيرهم، ثم إن الولاء لدولة إسرائيل مسألة حيوية بالنسبة لأي يهودي مهما كانت جنسيته، لذلك فإن دعمهم لها لا يخضع لأي حساب وولاؤهم لها يفوق ولاءهم لأي وطن آخر، وفي هذا الإطار نجح يهود سويسرا في إقناع السلطات الفدرالية بمسألة ثنائية الولاء، فقد صرح المستشار الفيدرالي رودولف نياجي سنة 1966م بأن «اعتبار اليهود بالإجماع بأن دولة إسرائيل تمثل قاعدة أساسية لبقاء الشعب اليهودي ومحافظته على تقاليده الدينية والثقافية، لا يمثل بالنسبة إلينا أية مشكلة».
ولاء ودعم لإسرائيل
وتحقيقًا لمبدأ الولاء هذا سمعت الطائفة اليهودية بسويسرا إلى دعم إسرائيل وذلك من خلال العدد الكبير من الجمعيات المتخصصة في جمع الأموال عن طريق الصندوق الوطني لإسرائيل، فالجالية اليهودية بسويسرا تعتبر نفسها بمثابة البنك الذي يصرف الأموال لإسرائيل ولا ينتظر قضاء ولا فائدة- أما الشكل الثاني للدعم فيتمثل في تهجير اليهود إلى إسرائيل بواسطة الوكالة اليهودية، وتجدر الإشارة إلى أن حركة الهجرة قد تكثفت في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة لعل أهمها ظاهرة عودة الشباب اليهودي إلى الدين كردة فعل على الشطط المادي الذي يعيشه العالم الغربي، فيتم احتضانهم من قبل اليهود الأرثوذوكس أو الجمعيات الصهيونية لينتهوا في الأخير إلى إسرائيل وذلك بهدف المساهمة في بناء دولة بني صهيون.
أما الأشكال الأخرى للدعم فتتمثل في إنشاء الجمعيات المختلطة التي يكسبون من خلالها الدعم المعنوي والتأييد المطلق للدولة العبرية في فلسطين المحتلة إضافة إلى المساعدات المالية كأحد المشاريع هناك: كجمعية أصدقاء القدس أو جمعية أصدقاء جامعة بن غوريون أو جمعية المساعدة الطبية أو غيرها.
إن تواجد اليهود في مختلف القطاعات وفي المراكز الحساسة خاصة في ميدان الإعلام والجمعيات الخيرية والإنسانية مكنهم من كسب تعاطف السويسريين ودعمهم، وقد أثبتت ذلك عمليات سبر الآراء المتعددة.
إن هذه القراءة في وضع اليهود بسويسرا تحيلنا إلى جملة من الاستخلاصات لعل أهمها هو أن يهود سويسرا رغم ضآلة عددهم قد تمكنوا في مدة لا تتجاوز القرن من الانتقال بوضعهم من حالة الاحتقار والدونية والاستنقاص إلى حالة الإمساك بزمام الأمور وتوجيهها لصالحهم، وذلك ليس لأنهم أصحاب حق أو دعاة خير وإنما لأنهم أخذوا بالأسباب واستغلوا الوسائل المتاحة إلى أبعد حد لتحقيق أهدافهم وذلك في هدوء تام ودون إثارة أية دعاية تجعلهم تحت المجهر وتثير حولهم الشكوك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل