العنوان اليهودية.. دين قديم يتطلع إلى نوع جديد من التحدي
الكاتب محمد سعيد شفيق الدباس
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1977
مشاهدات 63
نشر في العدد 360
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 26-يوليو-1977
عن مجلة أخبار الولايات المتحدة
11 نيسان 1977
هل باستطاعة اليهود المحافظة على تراثهم أثناء نفوذهم إلى أعماق الاتجاه الأمريكي الرئيسي؟
يبحث القادة المهتمون القلقون عن حلول لمواجهة تلك المشكلة، كثيرًا ما يتردد سؤال مخيف بين طبقات «اليهود» فحواه: هل يستطيع معتقدهم القديم أن يعيش خلال السنوات القادمة ويشهد ما واكب طريقهم من نصر حتى الآن؟
خلال قرابة ألف عام ازدهرت اليهودية في العديد من أحياء اليهود في الغرب، حيث كانت مصدرًا داخليًا ساعد اليهود أن يعيشوا تحت ظل القوانين والأنظمة الصارمة، وكذلك مكنتهم أن يواجهوا العداء والمحن. ولقد تغير هذا كله في هذه البلاد اليوم. وكي يحصل اليهود على التأثير والثروة ومراكز القوة في المجتمع الأمريكي، فقد غادرت الأمة اليهودية البالغ تعداد أبنائها قرابة ستة ملايين فردًا، غادرت المناطق المدنية الأهلة لأبائهم وأجدادهم وارتحلوا إلى الضواحي والقرى القريبة، وتجمع الكثيرون منهم وأعلنوا انتماءهم وهويتهم الدينية.
ويبدو الآن أن الحرية التي مكنت اليهود من النجاح في أمريكا، يبدو أنها تهدد انتعاشتهم الدينية هذه.
يقول الحاخام «ألكسندر م.. ستشايندلر»، رئيس اتحاد الجمعية العبرية الأمريكية: مشكلتنا الكبرى أننا نعيش في أرض الحرية، ولا يرغب أحد في استبدالها بمناطق التجمع، إلا أن الحرية تعني مباشرة الامتزاج والاختلاط الاجتماعي كما تعنى بالتالي: الزواج المختلط، بينما تعني الحرية للكثيرين «التحرر والخلاص والانعتاق، وقد أشار بعض القادة إلى إحصائيات بصدد الزواج المختلط» و«عضوية الكنيس» بأنها برهان على الأزمات التي تواجه اليهودية، إن نسبة الزواج المختلط «بين اليهود تزاداد بسرعة هائلة.
ويأتي «التجمع مع الزواج المختلط»، فقد ارتفعت نسبة «الزواج المختلط» بين عامي 1960 - 1972 من 5.9 – 31.7%، ويصنفها بعض القادة الآن بحدود 40%.
الحضور المتقطع غير المنتظم:
فيما يتعلق بالمعابد اليهودية، فإن أقل من النصف من الأسر اليهودية من ينتمي إلى جماعة بعينها، بينما نرى معظم اليهود لا يحضرون بأي انتظام.
إلا أنه ضمن استراتيجية تخطيطية للنهضة اليهودية - خاصة ما بين الشباب -فقد أشار البحاثة اليهود إلى أن «مظهر الأعداد مزعج كما تبدو للعيان، ولكن هناك طريقة أقل تشاؤمًا للنظر إلى ذلك».
فبالرغم من تزايد نسبة اختلاط الزواج، فإن الكثير من الأطفال الناتجين عن هذا الاختلاط ينشؤون كأعضاء منتمين إلى المعتقد اليهودي.
وفي دراسة «للزواج المختلط» أعدت من قبل مجلس الاتحاد اليهودي والدخل الاجتماعي، تبين أنه حيث تكون الزوجة يهودية فإن نسبة 98.4% من الأطفال ينشؤون كيهود، وحيث يكون الزوج يهوديًا تتدنى النسبة، ولكنها مع ذلك تبقى عالية نسبيًا إذ تبلغ 63.2%، وبالإضافة إلى هذا، فإن قرابة نصف الأزواج اليهود يعتبرون أنفسهم كيهود حتى لو أنهم لم يعلنوا تغيير دينهم رسميًا، هذا وأن أعداد رواد الكنيس هي أعداد خادعة أيضًا.
من المعروف تاريخيًا أن اليهود لم يؤموا كنيسهم أو معابدهم بانتظام في الولايات المتحدة الأمريكية، وإن أعظم عدد للحضور إنما يكون خلال الأيام المقدسة، بدلًا من أن يكون يوم «السبت»، وعلى خلاف النصرانية فاليهودية هي حضارة كما أنها دين، وهذا ما يجعل المحافظة عليها أمرًا ممكنًا، وذلك للحفاظ على تراثهم، ومع هذا فانهم لا يأخذون دورًا فعالًا في المعابد.
يقول الحاخام «مورتائينبوم»، المدير الوطني للشؤون الدينية للجنة اليهودية الأمريكية: «من المحتمل ألا يقترن اليهود بالمعبد، إلا أن المعاهد والمؤسسات التي يعبرون فيها عن شعوبيتهم تبقى قوة حيوية فعالة».
حلقة من الدوائر:
یری دانيال ج. الازار، العالم السياسي في جامعة «نمبل»، يرى الجالية اليهودية كحلقة من الدوائر المتمركزة التي تشع نحو الخارج من مركز صلب صغير إلا أنه ملتزم متجه نحو المناطق الرمادية الغائمة من أنصاف اليهود، حيث تعتبر الغالبية العظمى أنهم يهود إلا أن المشاركة في النشاطات اليهودية محدود إلى درجة ضئيلة. ويعتقد «الآزار» أن هناك تدفقًا معقولًا بين تلك الدوائر والحلقات من خلال يهود يصولون ويجولون تبعًا للظروف والملابسات:
إن أحد الظروف الذي أدى إلى تجمع كثير من اليهود بشكل أكثر - لمدة ما- تمركزًا نحو مركز الدائرة هو التهديد المستمر للكيان الإسرائيلي، فمع أن كثيرًا من يهود أمريكا لا يعتبرون إسرائيل أرضًا للوطن إلا أنهم يرون في تلك الأمة تجسيدًا لتراثهم، وأن استمرار كيانها هو قوة موحدة لليهود الأمريكيين، ويصور الأستاذ ليونارد فين، مدرس الدراسات اليهودية المعاصرة في جامعة «برانديز»، يصور إسرائيل بأنها أكبر عوامل الإحصائيات في حياة اليهود الأمريكية اليوم، وأن اليهود الذين يوافقون على أكثر من ذلك يشتركون في الالتزام بالمحافظة على كيان دولة اليهود.
ويمضي «فين» قائلًا: إن اليهود الأمريكيين، من وجهة نظر نفسية، يستمدون الجانب الأكبر من المؤازرة اليهودية من إسرائيل نفسها.
وإن «فين» متفائل من مستقبل اليهودية الأمريكية، ويدعى أن تجديد الاهتمام بهذا الإيمان إنما كان نتيجة لحرب الأيام الستة عام 1967، وبين تلك الحرب واندلاع الحرب ثانية «يوم الغفران» عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين ازداد عدد فروع كلية هليل من خمسة وستين فرعا 65 إلى مئة فرع - وهي كلية لإعداد رجال الكهنوت - كما تضاعفت ميزانية تلك الفروع، حتى أن بعض اليهود غادروا أمريكا ليقاتلوا في الجيش الإسرائيلي.
خليط غني:
لقد ظهر الاهتمام الجديد في إسرائيل في الوقت الذي كسبت فيه التجمعات العرقية تأييدًا كبيرا في الولايات المتحدة، وكانت صورة أمريكا وكأنها وعاء للصهر -بوتقة- قد حولتها إلى خليط غنى عديد المواد، فالجمع والمماثلة لم يعود من متطلبات العصر.
وبدأ بعض أحداث اليهود يتخذ موقفًا مضادًا لتكتل آبائهم، وبدأ يهتم اهتمامًا عميقًا بالتراث، إلا أن بعضهم الآخر، ولأسباب مختلفة، أيدوا الحضارة المضادة، أو اختاروا الانحراف إلى مذاهب جديدة مثل مذهب «يهود عيسى»، وقد تبين في دراسة للجنة أمريكية يهودية أنه من: 1 – 15% من الناشئة اليهود كانوا أعضاء في هذه الحضارة المضادة، وأدى هذا أن يبحث قادة يهود عن أرواء الظمأ الروحي، وقد وجهت جهود خاصة لفرس وتعزيز معنى الاعتزاز بالتاريخ لدى ناشئة اليهود وذلك بإذكاء آلام المجزرة النازية لليهود.
إلا أن الحاخام «هارولد ستشيولويز»، زعيم جماعة في اينيكو -كاليفورنيا، يعتقد أن إذكاء الماضي وحده غير كافٍ، ويقول: إني أعتقد أنه من الأهمية بمكان أن نعلم الناس كيف يتذكرون، لا أن نخيفهم بأنهم يهود.
وقد بحث القادة عن طريقة أكثر فردية وأقل تنظيمًا لإعطاء اليهودية «معنى» للناشئة، وهذا ما أدى إلى تكوين ما يسمى بجمعية الصداقة أو ما يدعى «الحاوراه».
تتكون كل «حاوراه» من عرى صداقة بين مجموعات من الناس يجتمعون بهدف تدريس بعضهم بعضًا ديانتهم ويتقاسمون أفراحهم وأتراحهم ومآسيهم، ولعلها بالمفهوم الحديث الامتدادات العائلية.
وقد أدت جهود كل من القادة والناشئة اليهود الذين ارتدوا إلى «اليهودية» عن الحضارة المضادة أدت إلى جعلهم أدوات التطوير «الحاوراه» أو جمعيات الصداقة، التي وازت وماثلت فكرة «الكوميون» أو التجمعات البشرية الاشتراكية.
ويقول الحاخام «هنري سیجمان»، نائب رئيس مجلس الكنيس الأمريكي المنفذ: إنه ليس من المألوف لدى هؤلاء القوم أن يتجمعوا مساء الجمعة ويحتفلوا بسبتهم في أفضل طريقة تقليدية، وبعد ذلك يديرون «المرهوانة» -الماروانة، -المواد المخدرة، عقب صلواتهم.
هذا، وسيقض مضجع اليهود المحافظين نبأ معرفة النسبة الكبيرة من الناشئة اليهود الذين يعيشون سوية دون روابط الزواج القانونية والشرعية، إلا أن «سيجمان» يكن الكثير من الاحترام لأعضاء «الحاوراه» - جمعيات الصداقة - ويذهب قائلًا إن تلك الجماعة ليست فعالية متطرفة مغفلة، ويبدو أن حركتهم تتمتع بظاهرة الاستمرارية وأنها ليست تقليعة تزول بزوال عصرها، وإنني لأحترمهم أكثر من اليهود المحافظين وذلك لأنهم لا يعتبرون انتماءهم إلى اليهودية عارًا، ولأنهم يحملون هويتهم إلى ما وراء الكنيس والجالية اليهودية.
لیست کل «حاوراه» - جمعية صداقة - لها صفة الريادة، فقد ساعد الحاخام «ستشيولويز» على تأسيس «حاوراه» في جماعته، إلا أنه يرى الجماعات كبديل لضغط الحياة الذي كان يساعد في الحفاظ على جماعة اليهود متحدة، إلا أن هذه الظاهرة لم تعد معروفة الآن في المجتمع الحديث.
المحافظة على الهوية:
لدى وجود يهود متنقلين ومنتشرين في مناطق وأقطار مختلفة فإن «الحاوراه» - جمعية الصداقة تساعد الأفراد على تأكيد هويتهم اليهودية والحفاظ عليها، إنها تحتل مكانة الأسر اليهودية المتماسكة التي عرفتها الأجيال السابقة.
حركة الـ «حاوراه» - جمعية الصداقة - هي إحدى السمات الدالة على أن اليهودية لاتزال تحتفظ بحيويتها بغض النظر عن المماثلة، ونذكر عددًا من السمات الأخرى على سبيل المثال:
- إن برامج الدراسة اليهودية في الجامعات والكليات الأمريكية تزداد ازدیادًا سریعًا، فخلال الأعوام العشرين الماضية أدخلت 75 - 100 كلية اختصاصًا رئيسيًا في الدراسات اليهودية.
- الانتساب إلى المدارس النظامية اليهودية في ارتفاع مستمر وقد ارتفع العدد من ستين ألفا عام 1966 إلى اثنين وثمانين ألفًا في السنة الماضية.
- إن أعداد الكنيس التي وسعت برامج مدارسها الدينية من يوم إلى عدة أيام خلال الأسبوع قد ارتفع بنسبة 50% خلال الأعوام القليلة الماضية.
- لقد ازداد معدل الساعات الأحداث في المدارس الدينية كل عام من 182 ساعة إلى 284 ساعة.
- يتم تشكيل اثنتين وثلاثين جماعة من قبل فرع الإصلاح الاجتماعي اليهودي، بعد عقد من السنوات، حيث كان معدل الزيادة خمس جماعات فقط كل سنة.
- إعداد کتاب الفهرس اليهودي وهو كتاب يدمج الحضارة المضادة لليهودية باليهودية المحافظة التقليدية وكذلك التعليم اليهودي، وقد بيع منه مئة وثمانون ألف نسخة منذ طبعته الأولى عام 1973، وقد صدر المجلد الثاني بطبعة تعدادها ستون ألف نسخة.
دواعي القلق:
ترى لماذا يقلق كثير من القادة اليهود على المستقبل رغم كل مظاهر الصحة السابقة الذكر؟
يخاف بعضهم من أن الميول الإيجابية ليست على مستوى من القوة يمكنها من معادلة المماثلة والزواج المختلط.
وكذلك يقلقهم معدل الولادة اليهودية الذي يمثل أدنى نسبة بين الأديان الرئيسية، وربما يكون أدنى مين الصفر إذا ما قيس بالنمو السكاني وكذلك فإنهم يهتمون بما يدعوه «یهودا روزینمان» مدير الشؤون الاجتماعية اليهودية لدى لجنة اليهود الأمريكية: «التآكل المجهول لتطبيق اليهودية وممارستها». وهذا ما يمكن تعريفه بأن اليهود يستمرون بتعريف أنفسهم بأنهم أعضاء منتمون إلى العقيدة، إلا أنهم لا يشتركون بأي نشاطات فعالة وملحوظة في المجال الديني.
ويرى البحاثة الاجتماعي «مارشال سكلير» في جامعة برانديز، أن هذه التطورات ستؤدى إلى جالية يهودية أصغر في المستقبل.
إلا أنه يقول: بيد أن هذه الجالية ستكون أكثر نشاطًا وحيوية، لأنه بالرغم من وجود بعض اليهود الذين يصبحون أقل نشاطًا، نری آخرین يركزون مساهمتهم في حياة الجالية اليهودية.
وإن أستاذ جامعة برانديز «سكلير» وكذلك «برنارد ریزمان»: أستاذ دراسة المجتمعات اليهودية الأمريكية يزدريان أولئك الذين يرون مستقبلًا غائمًا أو مشوشًا قلقًا لليهود.
يقول «ریزمان»: هناك طابع خاص للحياة اليهودية وهو أنها تعيش المحن والأزمات، وإن اليهود لا يستطيعون الراحة مع النجاح.
ترجم المقال عن مجلة: أخبار الولايات المتحدة 11/4/77، ص 68 - 69
محمد سعید شفيق الدباس