; في السياسة الشرعية – الحلقة (٣٤) | مجلة المجتمع

العنوان في السياسة الشرعية – الحلقة (٣٤)

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1982

مشاهدات 75

نشر في العدد 575

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 15-يونيو-1982

اليمين السياسي والدعوة الإسلامية

  • حتى المجتمع الإسلامي الأول الذي تأسس بعد فتح مكة لم يكن الناس فيه على مستوى إيماني واحد بهذا الدين وبمقرراته العقيدية والتشريعية. كان هناك عدة طوائف وفئات من المهاجرين والأنصار وأهل بدر وأصحاب بيعة الرضوان ومن أنفق قبل الفتح وقاتل ومن أنفق بعد الفتح وقاتل وكان هناك أيضًا فئة القاعدين المتخلفين وكذلك فئة المنافقين. كل فئة من هذه الفئات كانت تؤكد إيمانها بهذا الدين، لكن واقع الحال أن لكل فئة من هذه الفئات موقف متميز إزاء هذا الدين، فموقف أهل بدر الذي قال فيهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة»

نقول إن موقف أهل بدر لا شك كان ذا مستوى إيماني أرفع من موقف الطلقاء الذين أسلموا بعد الفتح وأنفقوا بعد الفتح، وموقف أهل بيعة العقبة الذين قالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

فقال لهم: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل: لا شك أن موقف هؤلاء- وكلهم مسلمون- أرفع من مستوى القاعدين الذين اكتفوا بإقامة الصلاة. 

نحن إذن إزاء مجتمع مسلم لكن ينطبق عليه مقاييس التصنيف السياسي لسائر المجتمعات البشرية فهناك الفئات الذي تحقق فيها التجرد والخلوص والإصرار على تحقيق التحول إلى الإسلام، وهناك في نفس المجتمع فئات تحقق فيها شكل وقشر الإسلام لكنها كانت ضد مضمون وجوهر العقيدة الإسلامية في العدل بين الناس والمساواة بينهم في الدماء والفروج والأموال، الحقيقة أن الاتساع الأفقي السريع الذي حققه الإسلام بعد فتح مكة دفع أفواجًا كثيفة من الناس للدخول في هذا الدين غير أن هذه الأفواج الكثيفة من الناس لم تكن تنتظمها درجة واحدة من الإيمان، ففيهم من دخل هذا الدين مستسلمًا لقوة المسلمين، وفيهم الكاره لهذا الدين المنافق، وفيهم المؤلفة قلوبهم، وفيهم فئات أخرى لا يعلمها إلا الله ومن ضمن هذه الفئات التي كانت تتحرك في المجتمع الإسلامي الأول فئة المنافقين، وتلك كانت أخطر فئة انضمت هذه الفئة لهذا الدين وهي كارهة له وعازمة على حربه في داخل حظيرته معظم هؤلاء الذين نافقوا كانوا من أعيان مكة والمدينة والطائف والتجار وزعماء القبائل الذين قرروا إظهار الإسلام ولكنهم كانوا يبطنون للإسلام ولأهله كراهية شديدة وسورة التوبة في القرآن عالجت موضوع هذه الفئة الخطيرة لقد فضحتهم سورة التوبة ووصفت أحوالهم النفسية والعملية.

 * ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ. [التوبة: 56]

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ﴾ [سورة التوبة: 80]

* ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ[التوبة: 61]

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ[التوبة: 84]

﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا [التوبة: 85]

  • هذا في المجتمع الإسلامي الأول كما تقرره السورة الفاضحة سورة التوبة.
  • أما اليوم في المجتمع العربي الإسلامي المعاصر فنلحظ أن التصنيف السياسي للمجتمع يشمل- فيما يشمل- فئة تتسم بنفس مواصفات وتركيبات فئة المنافقين ألا وهي فئة اليمين السياسي التي تسيطر على معظم الرقعة العربية والإسلامية. 

هذه الفئة لا تفوت فرصة واحدة إلا لتطلع علينا بالأيمان المغلظة أنها تقف مع الإسلام ودعوة الإسلام، وفي نفس الوقت من يتابع سلوكها السياسي إزاء الدعوة والدعاة يلحظ العجب العجاب فهي تمكر وتتآمر على المسلمين الملتزمين وتوالي أعداء الله من قوى الاستعمار الخارجي في تصوري أن موقف هذه الفئة- فئة اليمين السياسي العالق بالوضع الراهن- أخطر بكثير من مواقف سائر الفئات السياسية إزاء الإسلام ودعوته. فاليسار الدولي وتفريعاته المحلية العربية والإسلامية وبشتى مدارسه المتعددة قد حدد في أدبياته موقفه من الإسلام والأديان السماوية كافة، ونستطيع على ضوء ذلك أن نحدد موقفنا منه المنهجي والمرحلي. 

لكن اليمين السياسي في تصوري يتخذ موقفاً أخطر إزاء الإسلام ودعوة الإسلام. إنه يرفع نفس الراية ولكن لتحقيق غاية مختلفة تمامًا عن الغاية التي يهدف لتحقيقها الدعاة المخلصين للدعوة أن اليمين السياسي يتخذ لذلك- مواقف مشبوهة إزاء العملالإسلامي، وهو يهدف من خلالها لتحقيق التالي: 

1) يهدف اليمين السياسي العميل للاستعمار الغربي الجديد أن ينحرف العمل الإسلامي عن مهمته المركزية وهي تأسيس الكيان السياسي للإسلام على شكل دولة ترتكز على القرآن والسنة، ولذلك يبذل اليمين السياسي جهودًا كثيفة في سبيل إغراق العمل الإسلامي في كل المجالات التي لن تسهم في بلورة رؤية سياسية إسلامية مستقلة. 

٢) يريد اليمين السياسي أن يجعل من العمل الإسلامي ومؤسساته وصحفه ومجلاته ومنظماته الطلابية وسيلة لتكريس أوضاعه السياسية المنحرفة تحت شعار التصدي لليسار الدولي. لذلك يبذل اليمين السياسي المرتبط بالكتلة الغربية جهودًا كثيفة لتوظيف العمل الإسلامي في مهمة التصدي لليسار الدولي وتضخيم «مخاطره»، دون أن يسمح للعمل الإسلامي أن يحقق مكاسب فعلية وبعيدة الأثر لصالح مستقبل الإسلام كمنهج أممي مستقل عن العالمالرأسمالي.

۳) يريد اليمين السياسي تجريد العمل الإسلامي من كل إمكانيات الاستمرار المستقل ومن كل إمكانيات الردع وذلك لتحقيق أكبر قدر ممكن من الانكشاف يسمح بضرب العمل الإسلامي في الوقت الذي تحدده مصلحة اليمين السياسي ومن يوجهونه خارج المنطقة.

لقد نجح اليمين السياسي- سليل المنافقين- لفترة غير قصيرة في توظيف الدعوة إلى الإسلام لتكريس أوضاعه السياسية المنحرفة في غفلة من الدعاة، لكن تباشير الافتضاح الجديد بدأت تشرق من جديد وصار المسلم المعاصر يقرأ سورة التوبة بمنظار عصره ويفهم من خلالها الطبيعة الملتوية لليمين السياسي العالق بالأوضاع الراهنة المنحرفة التي لا تمت بصلة لديننا وتشريعاته العادلة، وليس عبثا أن جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم أخطر على الإسلام من كل رايات الكفر المرفوعة اليوم في العالم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا. [النساء: 145]

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟