العنوان اليمين الديني الأوروبي يعيد إنتاج الحروب الصليبية
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 61
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 40
الجمعة 03-فبراير-2012
- وجهات نظر اليمين حول التعددية الثقافية وجدت طريقها إلى خطب قادة أوروبا الكبار مثل «ساركوزي» و«ميركل» في شكل يثبت فشل التعددية في أوروبا.
- الحديث عن حرب عقائدية مع الغرب يحجب ما يجري حقًا: حرب أيديولوجية داخل الغرب.. حرب أيديولوجية ضد أسس الديمقراطية في أوروبا وضد التعددية الثقافية.
- العدو ليس الإسلام العادي ولا الراديكالي.. إنه ذلك الشاحب الأشقر الذي يتحدث الإنجليزية بطلاقة.. عدونا منا وهو ليس مهذبًا أو سلبيا.. إنه مسلح خطر.
بقلم: جون فيفر[1]
تتمتع الدول الإسكندنافية بسمعة مزدوجة من التسامح والتجانس؛ سكانها، شقر مهذبون يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، كانوا كذلك! أجداد الإسكندنافيين كانوا كذلك، لكن على مدى العقود العديدة الماضية، أصبحت المنطقة متنوعة تنوعًا كبيرًا بعد تدفق المهاجرين باستمرار من الشرق والجنوب، وأصيب التسامح بتوتر عميق مع ارتفاع ملحوظ في عدد الأحزاب اليمينية المعادية للأجانب في الأونة الأخيرة.
قبل خمس سنوات نشر الكاتب «بروس باور» كتابًا ضد الإسلام والمهاجرين، والتعددية الثقافية بعنوان «نامت أوروبا البيضاء: كيف يدمر الإسلام الراديكالي الغرب من الداخل؟».... نظر «باور» إلى نمط المعيشة الأمريكية في أوسلو بنفور كبير؛ لأنها جعلت من الدول الإسكندنافية التي في خياله واقعًا مختلفًا جدًا، وقد كانت لديه أشياء قبيحة كثيرة ليقولها عن المسلمين لكنه أيضًا احتفظ بأكبر قدر ممكن من الاحتقار للأوروبيين العاديين.. في النهاية، عدو أوروبا ليس الإسلام العادي أو حتى الإسلام الراديكالي، عدو أوروبا هو أوروبا ذاتها: سلبيتها في تدمير الذات، وليونتها تجاه الاستبداد، وميلها للاسترضاء.
«باور» على غرار العديد من زملائه في اليمين الديني، يصف «الميل الأوروبي للاسترضاء» على أنه من نواتج مرض التعددية الثقافية، التي عززت التسامح مع التعصب، وولدت حركات مكافحة للعنصرية تلتمس العذر للعنصرية!
كان التسامح على ما يرام عندما كانت أوروبا المسيحية معظمها من البيض، لكن بعد أن جلبت العمال الأجانب، وقبلت رعايا مستعمراتها السابقة، وقدمت ملاذات آمنة للاجئين، لم يعجب الجناح اليميني الطريقة المختلفة التي تبدو بها أوروبا، وكيف أن القادمين الجدد أصبحوا يشعرون بالغرور، اليمينيون لا يلومون المهاجرين فحسب، بل أيضًا الذين سمحوا لهم بالدخول، وقد استعاروا انتقادات المحافظين الجدد في ثمانينيات القرن الماضي: «دينيش دسوزا» «وليام بينيت» والتقطوا هراوة التعددية الثقافية لضرب اليسار فوق رأسه، وجهات النظر هذه حول التعددية الثقافية وجدت طريقها في نهاية المطاف إلى خطب قادة أوروبا الكبار مثل: «نيكولا ساركوزي» و«أنجيلا ميركل» في شكل يرثى له من أشكال فشل التعددية في أوروبا.
وقد ظهرت السخرية من التعددية الثقافية أيضًا في التشتت الذي بدا على «أندرس بريفيك» المتطرف اليميني النرويجي «الذي نفذ هجومين في النرويج الصيف الماضي»، فقد كتب في يومياته مستشهدً بكتاب «باور» واصفة التعددية الثقافية بأنها «أيديولوجية الكراهية ضد الأوروبيين، تهدف إلى تفكيك الثقافات والتقاليد الأوروبية، والهويات الأوروبية، والعالم المسيحي الأوروبي والدول الأوروبية، وحتى الدولة الأوروبية القومية.. وعلى هذا النحو، فهي أيديولوجية الشر والإبادة الجماعية أنشئت لغرض وحيد هو إبادة كل شيء أوروبي».
لم يقم «بريفيك» بفتح النار على الإسلام العادي أو حتى الراديكالي، بل استهدف ما كان ينظر إليه على أنه العدو الرئيس للمثالية الأوروبية، قام بقصف مبنى حكومي لإخراج حزب «العمال» الحاكم ورئيس الوزراء، ثم خرج إلى شباب مؤتمر حزب «العمل» وقتل كل من استطاع أن يغتاله.
كان هجومًا على الديمقراطية الاجتماعية، وعلى التسامح، وعلى أفضل ما في أوروبا... أكد «بريفيك» ما ردده «باور» في كتابه وما ردده السياسيون الأوروبيون المحافظون وما تحسروا عليه في خطاباتهم، أكده وركز عليه بحملته الدموية.. و«حملة صليبية» هي الكلمة الملائمة، لأنه دفع إلى هذا الطريق نحو العنف بسبب قصف «الناتو» لصربية عام ١٩٩٩م، وكان «بريفيك» قد وافق واستحسن بإخلاص وحماس القمع الصربي للألبان في كوسوفو، وذلك لأنهم كانوا مسلمين على طرف أوروبا، لكن «بريفيك» الذي يستخدم التكنولوجيا الحديثة جدًا، لم يتجاوز تفكيره العصور الوسطى.
كانت الحروب الصليبية الأصلية تعتمد على الأعمال الوحشية، مثل «التطهير العرقي» الذي قام به فرسان أوروبا للقدس عام ١٠٩٩م، وقد قبل الصليبيون هذه «الشرور الضرورية» من أجل خوض معركة أكبر من أجل روح الغرب، وهم أيضًا الذين ركزوا كثيرًا على إقامة نفس المفاهيم في أوروبا: مسيحية متشددة استبدادية، كما كانت في قتالها للعدو البعيد.. والصليبيون اليوم من «بريفيك» على الهامش إلى «باور» في التيار الرئيس يتحدثون عن الخطر الإسلامي، إنهم بحق يخشون أوروبا المتنوعة الديمقراطية، أوروبا العدالة والمساواة، الاشمئزاز الذي يتميزون به ناتج من تعصب واضح وأفعالهم، مثل إرهاب «بريفيك» لا يشبه شيئًا بقدر ما يشبه هجمات «تنظيم القاعدة» الصادمة والمفاجئة.
أخذ رؤساء «سي إن إن» و«فوكس نيوز» بعض الوقت للعدول عن رؤيتهم «نحن ضدهم» إلى الحقيقة «نحن ضد أنفسنا» وسارع المتحدثون الافتراض أن المسلمين كانوا وراء هذا الاعتداء الوحشي، وتحدث الخبراء في التلفزيون البريطاني حول: لماذا يكره المسلمون النرويج؟ وألقى «جينيفر روبن» من «الواشنطن بوست» و«توماس جوسيلين» من «ويكلي ستاندارد» اللوم على «الجهادية الشريرة» وعندما أصبح خطؤهم واضحًا فبدلًا من الاعتذار أو التراجع كرر «روبن» ببساطة: «العالم مازال خطيرًا للغاية؛ لأن فيه أناسًا سيئين للغاية مستعدون لفعل أشياء رهيبة، وهناك العديد من الجهاديين أكثر من النرويجيين الشقر مستعدون لقتل الأمريكيين، وينبغي أن تبقى العيون مفتوحة على التهديدات النظامية والأكثر احتمالًا لحرب عقائدية على الغرب».. هل هناك ما هو أشد سخافة وهزلية من هذا؟ هل يهتم العالم فقط بقتل الأمريكيين؟
هذا الحديث عن «حرب عقائدية مع الغرب» يحجب ما يجري حقً: حرب أيديولوجية داخل الغرب، إنها حرب أيديولوجية ضد أسم الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا، ضد التعددية الثقافية بما في ذلك الولايات المتحدة، ضد المشروع كله من أجل التغلب على تركة الحروب الصليبية، والعبودية والاستعمار والاستبداد.. والمهاجرون سواء كانوا من المسلمين أو من المكسيكيين أصبحوا أكبر البيادق في هذا النضال.
«باور» في نهاية المطاف صاحب حق، فالعدو ليس الإسلام، لا العادي ولا الراديكالي، العدو هو ذلك الشاحب الأشقر، الذي يتحدث الإنجليزية بطلاقة، يجب ألا نخطئ العدو، عدونا منا وهذا العدو ليس مهذبًا أو سلبيا إنه مسلح خطر.
[1] المدير المشارك للسياسة الخارجية في معهد الدراسات السياسية في «فورن بولي إن فوكس» في واشنطن
المصدر: «فورن بولسي إن فوكس» ٢٦ يوليو ٢٠١١م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل