العنوان اليمن: صدامات دامية في عمران اليمنية
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994
مشاهدات 114
نشر في العدد 1099
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 10-مايو-1994
أحداث «عمران» وتصورات الخروج من الأزمة اليمنية
· تساؤلات
عن الدواعي الحقيقية لتصعيد الطرفين المتنازعين للأزمة.
· الطرفان
المتصارعان يتبادلان الاتهامات حول المتسبب الحقيقي في أحداث عمران.
منذ تدخلت الدبلوماسية المصرية والإماراتية في الأزمة اليمنية، طرأ
نوع من الهدوء الرتيب على مجمل الوضع السياسي في اليمن! ومع استمرار تحركات السفير
المصري «بدر همام» بين «القاهرة - صنعاء - عدن» بدأت الأوساط السياسية اليمنية
تتداول مشروع حل للأزمة يدعمه الوسطاء العرب، ويتضمن عودة لتقاسم السلطة بين طرفي
النزاع، مثلما كانت عليه الحال في الفترة الانتقالية التي أعقبت قيام الوحدة،
واستمرت لمدة 3 سنوات!
وقد عزز هذه التوقعات الحديث الجدي عن لقاء مرتقب بين الرئيس علي صالح
ونائبه علي سالم في القاهرة برعاية الرئيس المصري حسني مبارك.. كما تداولت الأوساط
السياسية أخباراً قريبة عن حدوث اتصالات يومية بين الرئيس ونائبه لمتابعة آخر
مستجدات الأوضاع السياسية والعسكرية؟
انفجار عمران!
وفيما كانت التوقعات الرسمية والشعبية تؤجل صيغها الأخيرة إلى لقاء
القاهرة المرتقب؛ شهدت الأزمة تصعيدين خطيرين جاءا من نائب الرئيس والرئيس على
التوالي! فقد انتهز «البيض» فرصة عقد ندوة تربوية في «عدن» لإلقاء خطاب لاذع أعاد
إلى الأذهان خطابه في مدينة «الضالع» في سبتمبر الماضي الذي دشن البداية الحقيقية
للأزمة!
وفي اليوم التالي شارك الرئيس علي صالح في مهرجان جماهيري -نظمه حزب
المؤتمر بمناسبة مرور عام على الانتخابات النيابية- وألقى كلمة نارية رد فيها على
ما جاء في خطاب نائبه في اليوم السابق (!) وكان أهم ما في كلمة الرئيس هو إشارته
غير المباشرة إلى اضطراره للجوء إلى ورقة الشرعية الدستورية لحسم الأزمة التي تهدد
حاضر اليمن ومستقبله!
وبالطبع، كان التصعيد المفاجئ للأزمة سبباً في إثارة التساؤلات عن
الدواعي الحقيقية لذلك. وكان أول ما خطر في الأذهان هو انهيار الوساطة المصرية
ووصولها إلى طريق مسدود؛ نتيجة إصرار كل طرف على موقفه فيما يختص بنقطة البدء في
حل الأزمة!... «الرئيس» يتمسك بضرورة التئام الهيئات الدستورية العليا للدولة..
فيما يصر «نائبه» على ضرورة تحقيق انفراج أمني وعسكري، ولا سيما عودة القوات
العسكرية «الشمالية - الجنوبية» إلى مواقعها السابقة على قيام الوحدة عام 1990م.
وفي اليوم نفسه الذي رد فيه «الرئيس» على «نائبه» كانت منطقة «عمران»
القريبة من صنعاء تشهد أعنف مواجهة دموية بين قوات يمنية منذ بداية الأزمة!
وبإجماع ممثلي طرفي النزاع، فإن اللجنة العسكرية المشتركة «تضم أمريكا وفرنسا»
كانت في زيارة تفقدية لمنطقة معسكر مشترك للواءين مدرعين هما: الأول والثالث، حيث
يتبع الأول الرئيس، واللواء الثالث الحزب الاشتراكي! وكان حضور اللجنة العسكرية ناتجاً
عن حدوث مشاكل بين قيادة اللواءين بسبب خلافاتهما حول دخول مدنيين مسلحين إلى
منطقة المعسكر، الأمر الذي كان يثير نزاعاً واتهامات حول تجنيد مدنيين لزيادة قوة
لواء على آخر.
وعندما وصلت اللجنة المشتركة إلى المعسكر كان واضحاً لأعضائها أن
المشكلة ليست بالخطورة التي يخشى منها؛ إلا أن التعبئة الخاطئة والشحن السياسي
المضاد قد آتى ثماره المرة رغم أن القوات ظلت متعايشة منذ 1990م. ورغم أن اللجنة
العسكرية لاحظت أن درجة الاستعداد القتالي كانت مرتفعة عند بعض الكتائب إلى درجة
تشغيل محركات الدبابات، إلا أنها لم تتصور – فيما يبدو – أن يصل الأمر إلى درجة
التقاتل أثناء وجودها، ولذلك أمر القادة جنودهم بالنزول عن ظهور المدرعات، وذهبوا
جميعاً لتناول طعام الغداء!
وفيما كان كبار الضباط يتناولون غذاءهم سمعوا طلقات رصاص قليلة، قبل
أن ينفجر القتال من كتائب اللواءين، بل إن قاعة الطعام ذاتها أصيبت منذ البداية
بقذيفتين أفقدتا القادة السيطرة على قواتهما حتى نهاية القتال! برغم أن الأزمة
اليمنية شهدت صدامات عسكرية متفرقة، إلا أن ما حدث في «عمران» كان نموذجاً بشعاً
لما يمكن أن يحدث نتيجة حرب أهلية في بلد كاليمن!
وقد زاد من بشاعة القتال تواجد أكثر من 170 مدرعة في معسكر واحد، لا
يزيد البعد بين بعضها عن 200 متر (!) فيما تعد القوات من أفضل الوحدات العسكرية في
الجيش اليمني! وفي المرحلة الأولى من الصدامات المؤسفة تمكن اللواء الثالث الموالي
للاشتراكيين من تحقيق تقدم واضح، ولا سيما أن ثلثي القوة تابعة له، إضافة إلى أن
معظم الإفادات التي أدلى بها الشهود من جنود اللواءين، وأكدها تقرير مجلس النواب
تحمل اللواء الثالث مسؤولية بدء القتال، ولا سيما الكتيبة الرابعة عشرة التي
يحملها كثيرون المسؤولية.
لكن تدفق الإمدادات العسكرية من «صنعاء» قلب موازين القوى، ولم يكد
ينتصف يوم الخميس 28 أبريل؛ إلا وقد حسمت القوات الموالية للرئيس علي صالح الموقف
لصالحها! نتائج القتال كانت مؤلمة للطرفين فقد استمر القتال منذ الثانية ظهر
الأربعاء إلى ما قبل ظهر الخميس.. مخلفاً وراءه مجزرة دامية راح ضحيتها – وفق
التقارير الرسمية – 79 قتيلاً وأكثر من 150 جريحاً، فيما تحطم أكثر من نصف العربات
المدرعة.. إضافة إلى عشرات المنازل التي طالتها القذائف والصواريخ!
وقد شاهد اليمنيون مشاهد مأساوية لمخلفات القتال على شاشة التلفاز،
إضافة إلى صور الجرحى الذين امتلأت بهم مستشفيات العاصمة التي أعلنت حالة الطوارئ
منذ مساء الأربعاء لاستقبال ضحايا القتال، الأمر الذي اضطرها لإخلاء المستشفيات من
الحالات غير الخطيرة، ورفض استقبال المدنيين! على الصعيد الإعلامي استأنفت وسائل
إعلام طرفي النزاع تبادل أسوأ الحملات الصحفية المضادة التي أعادت صورة الأزمة في
الأيام الأخيرة من فبراير الماضي!
لماذا عمران؟
يتبادل طرفا الصراع السياسي في اليمن الاتهامات حول المتسبب الحقيقي
في أحداث «عمران»؛ إذ يحمل الاشتراكيون الرئيس علي صالح مسؤولية ما حدث، ويعدون
خطابه الناري صباح الأربعاء الدامي إشارة إلى عزمه على تصفية الموقف عسكرياً! أما
المؤتمر الشعبي فيعيد أسباب القتال إلى رغبة الحزب الاشتراكي في تحقيق تقدم عسكري
في منطقة «عمران» الاستراتيجية قبلياً؛ لتكون السيطرة عليها معادلاً لسيطرة لواء
«العمالقة» الموالي للرئيس في منطقة «أبين» الجنوبية؛ إذ يستطيع الاشتراكيون بعد
سيطرتهم على «عمران» أن يقايضوا بانسحابهم منها مقابل انسحاب «العمالقة» من أبين!
كما يتهم المؤتمر الاشتراكيين بأنهم يسعون من وراء تفجيرهم للقتال في
«عمران» إلى إثبات صحة مطالبهم حول سحب القوات إلى مواقعها قبل الوحدة تجنباً
لحدوث حرب أهلية مدمرة!
خمسة سيناريوهات لنهاية الأزمة اليمنية!
مع استمرار الأزمة اليمنية، وظهور استحالة تحقيق انفراج قريب تتأرجح
التوقعات الرسمية والشعبية بين الخيارات الخمسة الآتية:
أولاً: استمرار حالة اللاوحدة واللانفصال: وهذه الحالة
تشكل خطراً على موقف الرئيس علي صالح؛ لأن استمرار الأزمة السياسية أضر بالاقتصاد
اليمني جداً، وأشعل حالة من عدم الاستقرار الأمني والتسيب الحاد في الجهاز الإداري
للدولة، إضافة إلى أزمة اقتصادية حادة نادت بها كواهل المواطنين! وبالطبع، فإن
الشعب سوف يحمل الرئيس مسؤولية الأزمة مباشرة، طالما وأنه يتحمل مقاليد المسؤولية
الأولى في الدولة!
ثانياً: العودة إلى ما قبل بدء الأزمة: والمقصود بذلك
إعادة الوضع في البلد إلى ما قبل الانتخابات النيابية، وإعادة تقاسم السلطة بين
المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي.. وهو أمر تتضح صعوبته من عمق الفجوة بين الطرفين
وسوء العلاقة التي زادها سوءاً الصدامات الدموية والمهاترات الإعلامية التي لا
يصدق أحد أنها تدور بين حزبين يشتركان في وزارة واحدة.
ثالثاً: خيار الفيدرالية أو الكونفدرالية: ويمثل خيار
الفيدرالية استحالة أكيدة؛ لأن طبيعتها تحتم توحيد الجيش والسياسة الخارجية في
الأساس.. لكن توحيد الجيش صار أمراً صعباً بالنظر إلى الصدامات الدموية؛ إضافة إلى
إيمان كل طرف بأن توحيد الجيش معناه فقدانه لمصدر قوته الأساسي، وتحوله إلى حزب
كسائر الأحزاب! أما «الكونفدرالية» فهي صورة أخرى من الانفصال التي ما تزال تلاقي
معارضة شعبية قوية من الهيئات والأحزاب اليمنية، ولأن معناها إعادة الأوضاع إلى ما
كانت عليه قبل الوحدة، مع بقاء إطار رسمي هش يجمع القيادات العليا للبلد.. التي هي
أصل البلاء!
رابعاً: الانفصال السلمي: وهو خيار صعب
بدليل عدم إعلان أي طرف عنه حتى الآن! إذ ما يزال يدخل ضمن خانة الخيانة.. وينطبق
عليه ما ينطبق على الكونفدرالية!
خامساً: الاقتتال لحسم الموقف عسكريًّا: وبرغم أن
استمرار الأزمة دون حل خيار يفضله كثيرون على خيارات الاقتتال.. إلا أن مستوى
الإحباط والتشاؤم يزداد بالتدريج في الأوساط العامة والخاصة من احتمالات حل الأزمة
نهائياً.. لذلك يبدو خيار القتال قريباً في كثير من الأحيان عندما يفاجأ الشعب
اليمني بتطورات مأساوية بعد فترة تفاؤل قصيرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل