; اليمن.. صرخة إنسانية واستغاثة صحية | مجلة المجتمع

العنوان اليمن.. صرخة إنسانية واستغاثة صحية

الكاتب أ.د. عبد الحميد الحسامي

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2018

مشاهدات 73

نشر في العدد 2126

نشر في الصفحة 16

السبت 01-ديسمبر-2018

أكثر من نصف المرافق الصحية إما أغلقت أبوابها أو تعمل بجزء من طاقتها

الحرب تسببت في كثير من الحالات المرضية النفسية وخاصة لدى الأطفال

كل 10 دقائق يموت طفل يمني بالأمراض من 11 مليون طفل بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية

البلاد تعيش حالة كارثية مركبة بسبب الحرب المأساوية

 

تقع على عاتق الدول والحكومات مسؤوليات جسيمة في خدمة مواطنيها، والمحافظة على صحتهم، وتوفير الخدمات الأساسية التي من شأنها الارتقاء بمستواهم الصحي الذي يجعلهم قادرين على الحياة بشكل سليم، وأداء واجباتهم الفردية والاجتماعية، على الوجه الأكمل، ليكون كل منهم عنصراً فاعلاً في المجتمع، وليس كائناً خاملاً، ورقماً صحيحاً لا رقماً سالباً؛ ولذلك ترصد الحكومات ميزانيات كبيرة للعناية بصحة مواطنيها.

إذا نظرنا إلى الوضع الصحي باليمن في اللحظة الراهنة، نجد أنه وضع مأساوي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لعدة اعتبارات: 

الأول: أن اليمن يعيش حالة كارثية مركبة، بسبب الحرب التي أدت إلى أن يكون الوضع العام استثناء، ناهيك عن الوضع الصحي؛ فالحرب تكاد تبلغ 4 سنوات عجافاً، أكلن الأخضر واليابس في حياة الإنسان اليمني -الذي كان وضعه الصحي قبل الحرب، في الأساس، متدهوراً إلى حد كبير- ولا شك أنه كلما امتد زمن الحرب اتسعت شريحة الفقراء، وكلما اتسعت شريحة الفقراء تدهور الوضع الصحي، واتسع الخرق على الراتق، ففي ظل الحرب انتشر الكثير من الأوبئة التي أودت بحياة الكثير من أبناء اليمن، خاصة الأطفال الذين توفي منهم مئات الآلاف بسبب أمراض فتاكة كالكوليرا، والجدري، وحمى الضنك، والملاريا، هذه الأوبئة التي ودعتها الشعوب المتقدمة، ولم تعد حاضرة في قاموس المؤسسات العالمية المعنية بالصحة، ولا ضمن قائمة اهتماماتها.

الثاني: أن الحرب أدت إلى تدمير كثير من المؤسسات الصحية، وهو ما أدى إلى تعطيل المؤسسات المعنية بعلاج المرضى؛ وذلك أدى بالتبعية إلى تفاقم الوضع الصحي على وجه لم يشهده اليمن منذ عقود تقريباً، فقد أظهر مسح في عام 2016م، حول النظام الصحي في اليمن، أجرته منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العامة والسكان، أن أكثر من نصف المرافق الصحية في البلاد إما أغلقت أبوابها أو ما تزال تعمل بجزء من طاقتها، وأن هناك نقصاً حاداً في عدد الأطباء بأكثر من 40% من المديريات.

الثالث: أن الحرب أدت إلى توقف رواتب الموظفين، ولا شك أن الراتب في المجتمع اليمني عصب الحياة للمجتمع؛ لأن التأمين الطبي غير متوافر، والعلاج لا يتأتى لمن لا يمتلك المال الكافي للعلاج ومواجهة الحياة، فكيف يقوم المواطن اليمني بعلاج من يعول؟ إنها لمعادلة جد صعبة، وما أقسى أن يداهمك مرض، أو أن تصاب بإصابة من نوع ما ولا تجد وسيلة تقلك إلى مؤسسة علاجية! هذا إن وجدت تلك المؤسسة، أو توافرت العلاجات اللازمة فيها.

الرابع: أن عدداً من المدن تعرض للحصار فضلاً عن الحرب، ومنها مدينة تعز، المدينة الأكثر في عدد السكان على مستوى اليمن، التي لا تزال ترزح تحت حصار جائر؛ وذلك أدى إلى صعوبة مواجهة الحياة برمتها، فضلاً عن الوضع الصحي، فقد حال الحصارُ دون وصول الخدمات الصحية التي تقدمها المنظمات الإنسانية، وتعذر القدرة على إسعاف المرضى إلى المراكز الصحية القريبة، فالمصابون من الجرحى أو من سواهم لا يستطيعون حيلة، ويواجهون الموت وهم على عربات تنتقل بهم بين سلاسل جبلية وعرة لا توصلهم لمدينة قريبة مثل مدينة عدن عبر منفذ واحد ووحيد إلا بعد مشاق، وربما فارق أحدهم الحياة قبل وصوله.

الخامس: أن الحرب أدت إلى تعرض المدنيين للموت، والإصابات التي تزيد من تعقيد الوضع الصحي، فهناك الآلاف من المصابين بإصابات بالغة يعانون معاناة شديدة من تلك الإصابات التي تقف أمامها المؤسسات العاملة في الميدان عاجزة عن التعامل معها نظراً لتعقيد نوعيتها، ولكثرة أعدادها، ولقلة الميزانيات المخصصة لها.

السادس: أن الحرب أدت إلى كثير من النتائج النفسية التي أدت إلى ظهور حالات مرضية نفسية وبخاصة لدى الأطفال، فالحرب لا تلد إلا الدمار على كل صعيد.

السابع: أن الريف اليمني ما يزال ذا حضور كبير في التركيبة السكانية، ويعد الريف البعيد زاوية منسية عن أنظار المؤسسات المحلية، والمؤسسات الدولية التي تحاول أن تمد أكف الخير، وتقوم بواجبها الإنساني، وهناك في أقاصي الريف اليمني مشاهد محزنة من الفقر، وسوء التغذية، وتدهور الحالة الصحية. 

 

حلول علاجية

إن هذا الوضع الصحي المتفاقم يقتضي أن تنهض مؤسسات المجتمع الدولي، وكذلك دول الجوار المتمثلة بدول مجلس التعاون الخليجي، بمسؤولياتها الدينية والإنسانية والأخلاقية في تلافي هذا الوضع الكارثي باليمن، والحد من تفشي الأمراض الفتاكة التي تعصف بالمجتمع اليمني من خلال عدد من الأمور، أهمها: 

- العمل على إعادة الدولة ومؤسساتها، وتعزيز موقع الحكومة الشرعية في تثبيت دعائم وجودها في المدن المحررة، والعمل على تعزيز الخدمات الصحية فيها.

- تكثيف دعم المؤسسات الخيرية العاملة في الميدان لمضاعفة جهدها في الخدمات الصحية، ونقل المرضى من أصحاب الحالات المستعصية إلى مشافٍ متقدمة.

- إنشاء المستشفيات والمستوصفات والمخيمات الطبية تعويضاً عن المستشفيات التي تم تدميرها، وإصلاح ما يمكن أن يتم إصلاحه لكي تقوم تلك المؤسسات بدورها في تخفيف معاناة الأطفال والمرضى عموماً.

- إرسال الطواقم الطبية إلى المناطق المحاصرة، وتزويدها بالمستلزمات الطبية المطلوبة، والعلاجات الخاصة بالحالات الإسعافية. 

- الاهتمام بالنازحين من مدنهم وقراهم بسبب الحرب، وتزويد مخيمات نزوحهم بخدمات صحية كافية، ومراكز رعاية مؤهلة حتى تتم عملية علاجهم وتحصينهم من الأمراض المتفشية. 

- توجيه العناية لقطاعات الريف البعيدة التي تنهشها الأمراض، وتتفشى فيها الأوبئة القاتلة، ونقص التغذية.

- الاهتمام بعلاج الطفولة ورعايتها، وتقديم اللقاحات المطلوبة التي تدرأ عنها الأمراض الخطيرة القاتلة، فبسبب من الوضع الراهن تدهورت الحالة الصحية للأطفال بشكل مريع.

 وفي ذلك يقول أحد المسؤولين الأمميين، قبل عام تقريباً: أجد أنه من الإنصاف القول: إن اليمن هو من أسوأ الأماكن على وجه الأرض بالنسبة للأطفال، فهناك أكثر من 11 مليون طفل يمني اليوم بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية لإنقاذ حياتهم المأساوية التي تستدعي التدخل العاجل، وهناك كل 10 دقائق حالة وفاة من الأطفال بسبب الأمراض المتفشية، وإذا كان هذا الأمر قد قيل قبل عام فكيف هو وضع الأطفال اليوم؟!

إن الاهتمام بالطفولة هو اهتمام بالمستقبل؛ حتى لا ينشأ جيل قادم محروم من الصحة والتعليم في آن واحد، هذا إذا كتبت له الحياة، ورحم الله الشاعر العيسى إذ يقول:

وللطفولة أبواب السماء فإن

ضاقت بها فلماذا الشمس والقمر؟

إن الوضع الصحي في اليمن يتدهور كل يوم، ولا شك أن استمرار الحرب يعد استمراراً طبيعياً لنتائجها التي تترتب عليها، فقد عَلِمَ اليمنيون من الحرب ما علموا، وذاقوا منها ما ذقوا، وإن قال زهير بن أبي سلمى قديماً: 

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ

وما هي عنكم بالحديث المرجم

إن قال ذلك مخاطباً قومه، فإن الشعب اليمني اليوم -بلسان حاله-  لزهير: إننا فهمنا تماماً ما تعنيه فذقنا الأمرَّين، وصار الوضع الصحي في اليمن –بسبب الحرب- في شفا جرف هارٍ، وليس على شفاه.

إن هناك مسؤولية جسيمة تقع على النخبة السياسية في اليمن لتقوم بدورها في إيقاف الحرب، والنظر بمسؤولية لما ينجم عنها من مآسٍ إنسانية مدمرة للحاضر والمستقبل، وهي المسؤولية التي تقع على عاتق دول الجوار، والعالم برمته، فالموت هو الأكثر حضوراً والأكثر فاعلية في المشهد الصحي باليمن، وهناك واجب أخلاقي وإنساني يقع على عاتق الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، وهو واجب أخوي وديني وأخلاقي يقع على عاتق دول الجوار في العمل الجاد لتخفيف معاناة بشر هناك يقطنون اليمن.>

الرابط المختصر :