; اليمن- دوافع إريتريا لاحتلال الجزر في باب المندب | مجلة المجتمع

العنوان اليمن- دوافع إريتريا لاحتلال الجزر في باب المندب

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996

مشاهدات 78

نشر في العدد 1214

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 27-أغسطس-1996

أثارت التطورات الأخيرة في الأزمة اليمنية - الإريترية تساؤلات حائرة في الشارع اليمني الذي ظل طوال الأسبوعين الماضيين وهو يبحث عن حقيقة ما حدث، والأسباب التي دفعت بالإريتريين إلى دخول جزيرة حنيش الصغرى، رغم الهدنة المعلنة؟ وبين «ماذا حدث؟» و«لماذا؟» تحولت التساؤلات الشعبية في اليمن إلى غضب مكتوم مع الموقف الرسمي الذي تجنب إعلان أي تصريح أو توضيح، بل إن مجلس الوزراء نفسه لم يتم تبليغه رسميًّا بالخبر إلا صباح الثلاثاء ١٣ أغسطس، وكذلك الأمر بالنسبة لقيادة الائتلاف الحاكم.

ويبدو أن القيادة اليمنية اضطرت إلى تأخير الإعلان الرسمي، وتحمل غضب الشارع اليمني وسخطه، حتى تحصل على مواقف واضحة من الدولة المعنية بالموقف ولا سيما فرنسا والولايات المتحدة، ومصر.

تقع جزيرة «حنيش الصغرى» بين جزيرة زقر «معناها سلحفاة بلهجة تهامة»، حيث تتواجد قوات يمنية كثيفة، وبين جزيرة «حنيش الكبرى» التي احتلتها قوات إريترية في ديسمبر الماضي، فكانت بداية لأزمة الجزر في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، حيث تمر -تقريبًا- سفينة كل بضعة دقائق.

 وبالنسبة لجزيرة «حنيش الصغرى» فقد ظلت حتى التاسع من أغسطس الماضي خالية من أي وجود للطرفين اليمني والإريتري، فطبيعة الجزيرة يجعلها غير قابلة للسكنى، كما أن الدفاع عنها يعد صعبًا، وخاصة مع صغر حجمها وإطلال القوات اليمنية عليها من قمم الجبال المنتصبة على شكل هلال في جزيرة «زقر» المجاورة لحنيش الصغرى.

وعلى الرغم من عدم وجود أي تواجد عسكري لليمنيين والإريتريين، إلا أن الطرفين كانا يتفقدان الجزيرة بصورة غير منتظمة، إما عبر الدوريات البحرية أو بواسطة إرسال مجموعات استكشاف للتأكد من عدم احتلال الطرف الآخر بالوضع.

ولأمر ما دفع الإريتريون بقوات لهم -لم يعرف عددها بالضبط- إلى الجزيرة الصغرى، حيث تمركزت هناك في إشارة واضحة فهمها الجانب اليمني بأنها جاءت لتبقى!... ولا أحد يعرف كيف انتشر الخبر في اليمن رغم التكتم السري، لكن في صباح الاثنين ١٢ أغسطس كان الخبر قد تم تداوله ولا سيما بعد أن أذاع راديو «إسرائيل» خبرًا عن الحادث مساء الأحد.

كان الخبر الذي أذاعه الإسرائيليون هو آخر شيء ينقص الموقف، فقد أثار تكهنات فورية بأن الأصابع الصهيونية ليست بعيدة عما يجري في جنوب البحر الأحمر، لكن ذلك كان كافيًا لزيادة الشعور بالاستياء لدى المواطنين اليمنيين الذين خشوا أن تتكرر قصة «حنيش الكبرى»، مع أختها «حنيش الصغرى».

وقد زاد من مستوى البلبلة التي حدثت أن راديو تل أبيب أعلن أن الاشتباكات والاحتلال الجديد حدث لجزيرة «زقر»، الأمر الذي دفع وتيرة الغضب والاستياء، إذ إن «زقر» صارت منذ ديسمبر الماضي هي خط المواجهة الأول والأقوى مع القوات الإريترية، ولا يوجد خلفها من المواقع إلا تلك التي تقع على الساحل اليمني.

لماذا «حنيش الصغرى»؟

يمكن القول إن ما حدث كان مفاجأة كاملة للجانب اليمني، فقد حدثت قناعة بأن «حنيش الصغرى» غير صالحة للسكن أو التمركز فيها، إضافة إلى الضمانة التي قدمتها اتفاقية المبادئ بين اليمن وإريتريا التي قضت بعدم إحداث أي تغييرات في الوضع العسكري في منطقة التنازع، واعتمدت فرنسا للقيام بدور المراقبة للمنطقة حتى استكمال أعمال التحكيم الدولي للمشكلة حول تبعية الجزر والحدود البحرية بين البلدين، وبالطبع فقد كان معرفة دوافع ما حدث هو السؤال الهام الثاني الذي انشغل الناس بمعرفة الإجابة عنه.

 وبصورة عامة، فقد تمركز الاهتمام حول توقعين كانا أقرب للقبول شعبيًّا ورسميًّا: الأول كان خاصًا بالتنافس الأمريكي - الفرنسي حول النفوذ في المنطقة، إذ إن نجاح المبادرة الفرنسية في نزع الفتيل بين اليمن وإريتريا، ثم إقناعهما في القبول بالتحكيم الدولي، كل ذلك يعزز من الدور الفرنسي في المنطقة، لذلك فإن أحدًا لا يستبعد أن يكون المنافسون للدور الفرنسي -أو حتى الكارهون له مثل اليهود- وراء عملية التصعيد الجديد الذي -ربما- كان يهدف إلى امتثال الدور الفرنسي، وفرملة الاندفاع الفرنسي في المنطقة العربية الذي أحدثته مبادرات الرئيس الفرنسي الجديد «جاك شيراك».

 أما التوقع الآخر.. ويبدو أنه يحظى بتقبل يمني رسمي، فهو يرى أن العملية كانت تستهدف إفشال عملية التحكيم الدولية للنزاع بعد أن اتضح للإريتريين -بشكل ما-أن معركة الوثائق التاريخية والقانونية لن تكون في صالحهم، ولذا جاء احتلال «حنيش الصغرى»، وتغيير الأوضاع العسكرية في المنطقة كمحاولة لخلط الأوراق من جديد، وتوتير الوضع واستفزاز القوات اليمنية القريبة وتفجير اشتباكات محدودة تؤدي إلى تعطيل المبادرة الفرنسية، وإفشال عملية التحكيم الدولية، ثم طرح فكرة الحل السياسي للأزمة، وهو ما يبدو مفضلًا لدى «أسمرًا» على أساس أنه سيكون -بالتأكيد- حلًّا توفيقيًّا بين مطالب الطرفين.

أشرنا سابقًا إلى الموقف اليمني الشعبي والرسمي، والذي تفاوت بين الغضب والاستياء الشعبي وبين الصمت الرسمي الذي صاحبته اتصالات مكثفة، فقد كان اليمنيون يعلمون أن بقاء القوات الإريترية في حنيش الصغرى، يتناقض مع اتفاق المبادئ الذي ضمنه الفرنسيون، وبالتالي فلا بد في البداية من ترك الفرصة لفرنسا لممارسة دورها المفترض، ثم إن فرنسا دولة عظمى ذات مصالح حساسة في المنطقة، ولا يمكن أن تسمح بتحدي هيبتها بهذه السهولة التي تصرف بها«أفورقي».

 

أما على المستوى العسكري، فإن «حنيش الصغرى» تقع تحت مرمى القوات اليمنية في «زقر» المجاورة، وإشعال الجزيرة الصغيرة بالنيران مسألة غير صعبة، بل توفر تأييدًا شعبيًّا إجماعيًّا عند اليمنيين.

ويبدو من تصرف القيادة اليمنية أنها قد تلقت تأكيدات قوية وسريعة بتحري الوضع وإعادته إلى ما كان عليه قبل العاشر من أغسطس، قبل مجيء «جوتمان» المبعوث الفرنسي الخاص بالأزمة.

وعلى الجانب الإريتري، فقد تفاوت الموقف بين إنكار الحادث أصلًا، وبين رفض الاتهامات اليمنية مع إشارة إلى أن الإريتريين موجودون في الجزيرة من قبل، وهي -بالمناسبة- الحجة نفسها التي رددتها المصادر الإريترية عند اندلاع أزمة «حنيش الكبرى»، إذ اعتبروا أنهم كانوا متواجدين فيها من زمان طويل.

من جانب آخر، حاول بعض الدبلوماسيين الإريتريين استخدام هذه الحجة في التعرض للفرنسيين بأنهم لا يعرفون شيئًا عن الوضع في المنطقة عندما أعلنوا أن الإريتريين دخلوا الجزيرة، ونُسبت تصريحات للسفير الإريتري في كينيا بأن الإريتريين موجودون في الجزيرة منذ أمد بعيد وأن الفرنسيين لا يعلمون شيئًا عما يجري في المنطقة، وهذه التصريحات تتناقض مع الموقف الإريتري الأول الذي أنكر الحادث من أساسه. 

وبالطبع كانت ردود الأفعال الدولية مشجعة على ضبط النفس والالتزام باتفاقية المبادئ، وترك الفرصة للدور الفرنسي ليقوم بدوره في احتواء التصعيد الجديد، وبالفعل سارع الفرنسيون بإرسال «جوتمان» مبعوثهم الرسمي لاستقصاء الحقائق حول الموقف الناشئ.

وبالطبع فإن إعادة ما كان عليه سيكون هو المطلب الأول لليمن الذي سيعد الأمر مسألة كرامة بالنسبة للطرفين اليمني والفرنسي، والفرنسيون بدورهم سيكونون حريصين على ألا يتحول التصعيد الجديد إلى إشارة حمراء بتعرض وساطتهم للموت المبكر، والمتوقع كذلك أن يؤدي التصعيد الجديد إلى تنشيط الجهود الفرنسية للدفع بالإجراءات المؤدية إلى تفعيل عملية التحكيم الدولي. أما عن الثمن الذي ستقبضه «أسمرا» في مقابل انسحابها من «حنيش الصغرى»، فأمر يظل مجهولًا فترة طويلة. 

لكن الحادث -بلا شك- قد زاد من تعميق الشكوك بين اليمن وإريتريا، والتطورات الأخيرة أكدت لليمنيين أن المسألة أكبر من جزيرة، وأخطر من «أفورقي» نفسه.

الرابط المختصر :