العنوان اليمن: حقيقة أحداث العنف الأخيرة في اليمن
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
مشاهدات 74
نشر في العدد 1173
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
اختيار معهد البيحاني لإلقاء قنبلة من داخله على موكب زفاف كان الهدف منه توريط الإسلاميين في الحادث.
منذ أسابيع تتركز الأضواء بقوة على عدد من أحداث العنف في اليمن وخاصة بعد أن تتالت تلك الحوادث حتى ظن كثيرون أن اليمن توشك أن تلحق بالجزائر ومصر..
ما حقيقة ما يحدث في اليمن؟ وهل هناك إمكانية لانفجار صراع بين الدولة وبعض الجماعات الإسلامية؟
هذا التقرير يحاول أن يكشف اللثام عن تلك الحوادث وأسبابها ودلالاتها.
ليس هناك حاجة لإنكار حقيقة وقوع حوادث عنف متعددة في اليمن.. لكن الحاجة تبدو ملحة لوضع تلك الحوادث في إطارها الحقيقي بعيدًا عن الإثارة الإعلامية التي صارت تحرص على ربط كل ما هو إسلامي بالدماء والأسلحة والمتفجرات
وليس سرًا أن عددًا من وسائل الإعلام العربية والعالمية صحف ووكالات أنباء تلعب منذ سنوات دورًا مكشوفًا في اللعبة السياسية الداخلية في اليمن.. حتى صارت مسرحًا لتصفية الحسابات أو تسجيل المواقف بين التيارات السياسية اليمنية وتستخدمها أطراف في السلطة أو المعارضة على حد سواء لتسريب أخبار أو معلومات مغلوطة ضد خصومها.
وفي الحوادث الأخيرة، كان واضحًا أن أكثر من طرف يسعى بقوة لتجييرها ضد الإسلاميين، ولا سيما تيار «الإصلاح» المشارك في الائتلاف الذي يحكم اليمن منذ أكثر من سنتين، وهو أمر صار يشكل قلقا متناميًا وهاجسًا حقيقيًا لخصوم الإسلاميين.
وقد زاد من سوء الإثارة الإعلامية والاستغلال السياسي لحوادث العنف محاولة بعض الدوائر استخدام هذه الورقة لتأجيج نيران العداء بين المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، وخاصة بعد أن أكد الحزبان الكبيران على نيتهما في استمرار الائتلاف بينهما.
وينبغي التنبيه هنا أن الحوادث التي وقعت في اليمن خلال الأسابيع الماضية لا تصدر كلها من معين واحد فهناك حوادث كان وراءها عدد من المتشددين الغلاة وثانية كان وراء حساسيات قبلية وحزبية وثالثة لم يتم حتى الآن الإعلان عن حقيقة مرتكبيها، وإن كان مسؤولون يمنيون بارزون قد أعلنوا أن وراءها عصابات تخریب مدفوعة من قبل زعماء الانفصال الهاربين في الخارج.
البيحاني في قفص الاتهام!
كانت بداية حوادث العنف في أحد الأندية الرياضية الشهيرة في عدن والذي اعتاد مواطنون استئجار ساحته لإقامة أعراس الزفاف، حيث يقع مقر النادي قريبًا من مبنى وزارة الداخلية السابق، والذي تستخدمه حاليًا عدد من المكاتب الحكومية .
وهذا المبنى كان في الستينيات عبارة عن معهد ديني ومركز ثقافي إسلامي أسسه العلامة الشهير محمد بن سالم البيحاني - رحمه الله - بتمويل من دولة الكويت.
ومنذ قيام الوحدة اليمنية عام ۱۹۹۰م، ظل الإسلاميون يطالبون باستعادة المبنى لأداء دوره المشهور عنه، لكن ذلك ظل أمرا مستحيلًا حتى زوال نفوذ الاشتراكيين بعد الحرب الأهلية في العام الماضي، حيث تم تسليم جزء من المبنى قبل شهور فقط ليتحول إلى معهد ومدرسة لتحفيظ القرآن الكريم.
وعندما وقع حادث إلقاء قنبلة صوتية على حفل الزفاف في عدن. دلت التحريات الأولية على أن القنبلة كان مصدرها المبنى الذي يقع في جزء منه معهد البيحاني، وقد تم نتيجة لذلك احتجاز ثمانية عشر طالبًا كانوا يتواجدون في المعهد وقت الحادث للتحقيق معهم، الذي استمر أيامًا طويلة قبل أن يتم الإفراج عنهم بعد لعدم توفر أي دليل يدينهم.
ومع الإفراج عن الطلاب المحتجزين تم اكتشاف محاولة كبيرة لتهريب الأسلحة إلى داخل «عدن» قام بها مجموعة من الموالين للحزب الاشتراكي، وهو أمر رجح لدى الأجهزة الأمنية أن حادث العرس كان من ضمن مخطط كبير لزعزعة الأوضاع داخل عدن، إذ تكررت حوادث الانفجارات في أكثر من مكان ولكن تأثيرها كان محددًا.
ولعله من الواضح أن اختيار معهد البيحاني بالذات لإلقاء القنبلة من داخله على حفل الزفاف يهدف إلى تأكيد فكرة أن الإسلاميين هم مصدر الخطر على الأمن وهاهم يستخدمون المعهد الذي عاد إليهم حديثًا للهجوم على الأبرياء.
الجدير بالذكر هنا أن أجهزة الأمن في «عدن» لم تهتم بالتحقيق مع العاملين في المكاتب الحكومية الأخرى الذين كانوا متواجدين في المبنى وقت الحادث، الأمر الذي كشف بوضوح على أن النية كانت مبيتة مسبقًا لإلصاق التهمة بطلاب معهد البيحاني لولا الموقف الشجاع الذي وقفه وزير الداخلية اليمني العقيد «حسين عرب».
جزائري في الضالع !
وفي مدينة «الضالع»، وقع الحادث الثاني ضد أحد الأعراس والذي قاده جزائري يدعى صلاح آدم، وهو الحادث الذي تطور إلى اشتباك مسلح مع رجال الأمن، أسفر عن مقتل عدد منهم، وأثار ضجة إعلامية كبيرة بسبب وجود جزائري، في قلب الحوادث. وبالاستناد إلى تصريحات المحافظ المسؤول فقد بدأت الحوادث عندما نشب نزاع بين الجزائري الذي كان يخطب في المسجد وآخرين كانوا يحتفلون بالعرس في منزل مجاور للمسجد، ويذيعون الأغاني بصورة مزعجة دون مراعاة لصلاة الجمعة التي كانت تقام بجوارهم الأمر الذي أثار بعض المصلين فهجموا على مقر العرس
وللإنصاف، فإن الجزائري المكنى بأبي عبد الرحمن، والمتحمسين معه كانوا يثيرون عددًا من المنازعات والإشكاليات في المنطقة مع المواطنين ومع المنتمين للجماعات الإسلامية الأخرى بصورة فجة كادت تحدث فتنة في المدينة.. إذ يتبنى هؤلاء الشباب أفكارًا غاية في الغلو جعلهم يعدون موضوعًا مثل بيان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بأنه «كفر»، كما لا يتردد، الجزائري، في الهجوم من على منابر المساجد ضد الإسلاميين دون مراعاة أنه يعيش في مدينة كانت إلى وقت قريب وكرًا للمتشددين الشيوعيين، ودون مراعاة لأولويات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعندما تكررت شكاوى المواطنين من تصرفات أبي عبد الرحمن الجزائري، استدعته وزارة الداخلية في صنعاء للحضور إلى الوزارة، وبعدما رفض طلب الاستدعاء تم إرسال أطقم عسكرية لإحضاره كما يحدث مع أي يمني، وهنا وقع الحادث الذي قتل فيه عدد من رجال الأمن.
أما الحادث الثالث فهو مقتل رجل من طائفة البهرة «الإسماعيلية» الذين وصل بضعة آلاف منهم إلى اليمن خلال شهر سبتمبر الماضي، وبالطبع حاولت وسائل الإعلام الخارجية والمعارضة في الداخل إلصاق التهمة بالمتطرفين، بينما أكد وزير الداخلية اليمني في مقابلة صحفية نشرت في صنعاء، أن مقتل البهري كان نتيجة خلاف داخلي بين أفراد الطائفة أنفسهم، وهو التصريح الذي حسم الأمر تمامًا حتى الآن على الأقل.
وفي الوقت نفسه كانت هناك حوادث أخرى تقع هذه المرة في المناطق الشمالية حيث أدت الحساسيات القبلية والحزبية التي يصعب التفريق بينهما في اليمن إلى نشوب منازعات بين أفراد ينتمون إلى المؤتمر الشعبي والإصلاح، وهي حوادث تتابعت بشكل سريع أظهر الأمر وكأنه صراع بين الحزبين.
وقد بدأت أولى تلك المنازعات في منطقة دينية كان يقام فيها مخيم للمؤتمر الشعبي حيث أعلن عن تنظيم محاضرة للشيخ عمر سيف أحد أشهر العلماء في اليمن الذي انضم لحزب المؤتمر مؤخراً ونظراً لشعبية الرجل فقد حاول كثيرون من خارج المخيم دخول المخيم للاستماع للمحاضرة، وهو الأمر الذي فجر نزاعات بين الطرفين.
وعلى الرغم من أن الذين أرادوا الدخول إلى المخيم كانوا خليطًا من المواطنين والعامة، إلا أن الإعلام المعادي للإسلاميين صور الأمر وكأنه هجوم «إسلامي» بالأسلحة لإفساد المخيم!
وفي حادثتين أخريين وقعتا لأسباب قبلية أو إدارية. كان أعضاء في حزبي الائتلاف متواجدين كخصوم الأمر الذي منح الموضوع بعدًا سياسيًا، وبدا وكأنه استمرار لمسلسل التداعيات الأخرى.
وعلى الرغم من قسوة الحملة الإعلامية، إلا أن قيادات. حزبي الائتلاف تعاملت مع الأحداث بقدر كبير من المسؤولية وكبح ردات الفعل المتهورة، ونجحت لقاءات عالية المستوى في التخفيف من حدة التوتر الذي وصل مداه بفعل الأخبار والإشاعات التي انتشرت ووجدت لها صدي.
وهكذا فإن أحداث العنف بعد استبعاد تلك التي لها علاقة بحزبي الائتلاف الحاكم تظل قليلة وبعضها تكاد تجمع التحريات الأمنية على أن وراءهما جهات لا علاقة لها بالإسلاميين.
ومع كل ذلك.. فلا ينبغي التهوين من إنكار أن هناك مجاميع من الشباب المسلم في بعض المحافظات تتبنى فكرة تغيير المنكر «باليد» وتدخل في منازعات مع الآخرين، كما يحدث في معظم البلاد الإسلامية.
الجدير بالذكر أن الشيخ عبد المجيد الزنداني دعا في تصريحات صحفية خاصة إلى مزيد من الحوارات والمناظرات العلمية العلنية لتوضيح الحقائق ورد الشبهات، مشيرًا إلى أن من أسباب ظاهرة الغلو في الدين وجود فجوة بين العلماء والدعاة، وبين تلك المجاميع من الشباب التي تفتقر إلى الخبرة العلمية والرسوخ في العلوم الشرعية.
وفي كل الأحوال، يبدو أن هناك رغبة لدى الحكومة في اليمن لتفويت الفرصة على ما يمكن وصفه بمحاولة لزرع الفتنة. بين الطرفين أسوة ببعض الدول الإسلامية الأخرى التي تعاني كثيرًا من الصدام بين الدولة وبعض التيارات الإسلامية أو تلك الدول التي أخذت على عاتقها مهمة استئصال التيار الإسلامي لحساب جهات معادية لمستقبل الأمة المسلمة.