; اليمن: حقائق الأزمة من الوحدة إلى الحرب (3 - 3) التجمع اليمني للإصلاح: الحل الإسلامي والبديل | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: حقائق الأزمة من الوحدة إلى الحرب (3 - 3) التجمع اليمني للإصلاح: الحل الإسلامي والبديل

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 75

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 14-يونيو-1994

·       بعض القيادات الجنوبية في الحزب الاشتراكي تحاول اللعب على ورقة الأصولية والتطرف واتهمت الشمال بدعم الأفغان والتهويل من أخطار الدولة الإسلامية التي يدعو إليها التجمع

عالجنا في الحلقتين السابقتين الواقع السياسي والاجتماعي لليمن بشطريه الشمالي والجنوبي، وتوصلنا إلى حقيقة مفادها أن النظام السياسي بقيادته الحزبية -في كل من المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي- قد عجز عن الحفاظ على مكاسب الوحدة، وإن الحسابات الشخصية وتناقضات المصالح بين الحزبين قد لعبت دورًا كبيرًا فيما آلت إليه الأمور من الأزمة والحزب.

وحتى يتسنى لنا استكمال معالجة الملف اليمني نجد أن اللازم علينا التعرف على دور الشريك الثالث في الائتلاف الحاكم، وهو «التجمع اليمني للإصلاح» والذي جاءت به الانتخابات للسلطة، إلا أن الأحداث المتفجرة -للأسف- عاجلته قبل أن تكتمل دورته في الإصلاح، وتتكلل جهوده بالنجاح في التقريب بين الرئيس ونائبه، وبذلك تعطلت التجربة الديمقراطية، ولم تبلغ المدى المطلوب لتقييمها والحكم عليها.

لقد كان رهان «التجمع اليمني للإصلاح» هو الدفاع عن الجمهورية ومحاولة الإصلاح من داخل النظام، وقد شهدت الفترة التي أعقبت الانتخابات الكثير من الإنجازات التي تشهد للتجمع بحرصه على الوحدة ودفاعه عن الشرعية، برغم اختلافه مع الحزب الاشتراكي، ومعارضته للكثير من سياسات المؤتمر الشعبي.

إن هناك الكثير من الممارسات الخاطئة التي يتحمل الحزب الاشتراكي مسؤوليتها، والتي كانت هي المقدمة للانعطافات الجارحة التي أدت إلى تفجير الأزمة، والانسياق وراء قرارات الحرب.

لقد حاول «التجمع» أن يلعب دورًا إصلاحيًا بين الحزبين المتنافسين يسمح له بالتسديد والمقاربة بين التناقضات القائمة بينهما، إلا أن الحزب الاشتراكي ظل يماطل ويفتعل المشاكل لتوتير الأجواء وتصعيد المواجهة، وذلك لاعتبارات لا تكاد تخفى على يمني أو أي مراقب للتطورات السياسية داخل الساحة اليمنية. وحتى نفهم وضعية وتوجهات «التجمع» ومواقفه من الأزمة والحرب، علينا أن نستعرض التطور التاريخي للحركة الإسلامية اليمنية، للوقوف على المحطات الرئيسية في مسار الحركة، والتي تشهد لها بالاعتدال والوسطية، وسعيها لإحداث التغيير المطلوب بمنهجية إصلاحية في كافة المجالات السياسية والاجتماعية، وضمن الإطار العام لرؤيتها الإستراتيجية.

الحركة الإسلامية اليمنية: البدايات

نشأت الحركة الإسلامية في اليمن بتأثير مباشر من الإخوان المسلمين في الثلاثينيات، ولعبت دورًا مهمًا في ثورة الإصلاح الدستوري التي قادها علماء اليمن في نهاية الأربعينيات، وبالرغم من أن الثورة قد أُجهضت بسرعة، إلا أنها جعلت من الإخوان المسلمين رصيدًا قويًا لتيار الثورة والتغيير والتجديد في المجتمع، وقد غدت الحركة -فيما بعد- فصيلًا أساسيًا من فصائل الثورة الدستورية التي جاءت بالنظام الجمهوري. وقد استطاعت الحركة التكيف مع الواقع الاجتماعي القبلي، والتعايش مع أعرافه وتقاليده التي لا تبتعد كثيرًا عن الأصالة الدينية لهذا الشعب.

وحرصًا من الإخوان على عدم الظهور بمظهر الثائر من أجل السلطة -برغم المشاركة السياسية- أخذوا يركزون بالأساس على الإصلاح التربوي والثقافي والاجتماعي، واختاروا لمساهمتهم السياسية أن تتم ضمن التيار الجمهوري السائد، خاصة أن الشريعة الإسلامية ظلت هي المرجعية القانونية المهيمنة في المجتمع اليمني على اختلاف الحكومات والحاكمين فيه. وقد أعطت الحركة الإسلامية الأولوية للتعليم باعتباره «المضغة» الأهم للإصلاح، ولبناء جيل إسلامي جديد، متخفف من الالتزامات القبلية، والأثقال الحزبية، والنزعة الشطرية، ويمكن القول إن الحركة الإسلامية قد استطاعت تحقيق الكسب المطلوب بمنهجيتها تلك.

الحركة الإسلامية اليمنية: الجهاد مع السلطة

مع تولي الرئيس علي عبدالله صالح للسلطة في 1978 وتحالف الإخوان المسلمين معه في الدفاع عن الجمهورية في عام 1989، لصد حملات التخريب وحالات التمرد التي كانت تقودها عناصر شيوعية في المناطق الجنوبية من الجمهورية، ارتفع الرصيد السياسي والجماهيري للحركة؛ حيث استطاعت كتائب الإخوان المسلمين قمع التمرد، وإعادة الهيبة السياسية والعسكرية للنظام، ولعل هذه هي نقطة البداية في العلاقات الوطيدة بين الحركة الإسلامية والسلطة.

وقد تجلى ذلك بانضمام الكثير من العناصر الإسلامية إلى المؤتمر الشعبي العام والمشاركة في الانتخابات تحت مظلته، فميثاق الحزب كان إسلاميًا، ودستور الجمهورية ظل ينص على «علوية الشريعة الإسلامية».

وبذلك عاشت الحركة الإسلامية والسلطة في اتفاق داخل فضاءات «الأجندة» الوطنية وأنسجتها الاجتماعية والسياسية، وكان لأجواء الائتلاف والوئام تلك انعكاسات واضحة على أسلوب الحركة الإسلامية ونهجها الإصلاحي في التغيير باعتماد سياسة النفس الطويل.

الدفاع عن الوحدة والإصلاح من داخل السلطة

مع قيام الوحدة في مايو 1990، حدثت انفراجات سياسية ملحوظة في اتجاه التعددية الحزبية والانفتاح الاقتصادي، لم تجد الحركة الإسلامية معها مبررًا يدعوها للتخلف عن الركب، واعتماد «بوصلة» الديمقراطية لتحديد اتجاهات التحرك، وتحقيق الأهداف عبر المسارات والمنابر المفتوحة للعمل السياسي والدعوة والإصلاح. فالحركة الإسلامية استطاعت أن تكسب الكثير من الشعبية في المحافظات الشمالية والجنوبية، وأصبحت رقمًا صعبًا لا يمكن تجاهله أو تخطيه في معادلة السياسة والحكم. ومن هنا أقبلت الحركة الإسلامية على إقامة تحالف باسم «التجمع اليمني للإصلاح» وجعلوه بمثابة مظلة عمل سياسي إصلاحي مفتوح لكافة القوى والاتجاهات الإسلامية، وحظي بقبول وعضوية الكثير من أصحاب التأثير الاجتماعي والقبلي.

لقد كانت المواجهات العسكرية مع الشيوعية في نهاية السبعينيات قد حسمتها الحركة الإسلامية لصالح الجمهورية، إلا أن الصراع الفكري معهم- وخاصة المتطرفين اليساريين في الحزب الاشتراكي المشارك في السلطة، والطرف المهم في تحديد خيارات البلاد الأساسية- قد بدأت تنضج معالمه، وتتضح تحدياته لتأخذ أبعادًا إعلامية وشعبية، مما اضطر «التجمع» وهو الطرف الأقوى شعبيًا وتنظيميًا للتدافع معه ومواجهته في الساحات الفكرية والنقابية وقطاع الخدمات الاجتماعية، دونما حاجة -بالطبع- إلى الاصطدام معه في أي معركة قد تنعكس سلبيتها لاحقًا على مشروع الوحدة، وتعطي المبرر للحزب الاشتراكي لافتعال الذرائع، والتفكير بالانفصال، وعودة الحدود الشطرية.

ويمكن القول إن «التجمع» قد استطاع النجاح في ذلك إلى حد كبير، وأخذ الناس ينظرون إليه على أساس أنه المدافع عن المكاسب الإسلامية في وجه أطماع، وأخطار الحزب الاشتراكي.

الحزب الاشتراكي ومخاوف الاحتواء والتهميش

كأن المناصفة في السلطة السياسية والقوة العسكرية هي «ورقة الضمان» التي يتمتع بها الحزب الاشتراكي، والطوق الآمن لنجاته في مواجهة السخط الشعبي العام. ومع حدوث الانفتاح واعتماد الخيار الديمقراطي في القيادة والحكم، بدأت هيبة الحزب بعد السابع والعشرين من أبريل 1993 في التدني والتراجع، وبدأت تعتور قياداته المخاوف من أخطار التهميش والاحتواء، فالتجمع اليمني للإصلاح أخذ في الظهور كثقل سياسي يحظى بالشعبية والإجماع. وهو بالرغم من فوزه بالمرتبة الثانية، إلا أن المطلعين على بواطن الأمور يعلمون أن «التجمع» قد أعطى الكثير من أصواته وعناصره للمؤتمر للحفاظ على توازن التركيبة السياسية، وعدم الإخلال بموازنات القوة على أرض الواقع. فالتجمع ليس لديه الجيش، وليس في يديه السلطة، وإن هناك مشوارًا طويلًا ينتظره من الإصلاحات الدستورية، والتعديلات المطلوب إجراؤها قبل أن يطالبوا بالسلطة والحكم.

ومع فقدان الحزب الاشتراكي للعديد من مكاسبه السابقة لحساب «التجمع»، بدأت تنتابه الهواجس والتساؤلات والهلع، فالبرلمان -من الآن فصاعدًا- هو المؤسسة الدستورية القوية، والقرارات الصادرة عنه هي التي تمثل «الشرعية»، وإن أي تعطيل لهذه القرارات يعني الخروج على الشرعية الدستورية التي تحظى بالإجماع والشعبية.

من هنا بدأ الحزب الاشتراكي يتحسس قلته وضعفه، فالامتيازات السابقة لن تدوم له، كما أن الحزب لن يتفرد بحرية القرار، فالبرلمان هو الذي سيقرر مستقبل الجيش وأولويات الجمهورية، وليس الحزب الاشتراكي، الذي فقد بدخول «التجمع اليمني للإصلاح» حق المناصفة في السلطة والقرار، فالأغلبية داخل البرلمان تتمتع بها القوى السياسية الأخرى، وإن الرهان على مغالبة المؤتمر والتجمع هو حسبة غير رابحة أو مضمونة. ومع رفض علي سالم البيض أداء اليمين الدستورية كنائب للرئيس، بدأ تصعيد الأزمة وانسياق البلاد للحرب.

الحرب: الحركة الإسلامية وحتميات المشاركة

حاولت بعض القيادات الجنوبية في الحزب الاشتراكي اللعب على ورقة الأصولية والتطرف، واتهامات الشمال بدعم «الأفغان العرب»، والتهويل من أخطار الدولة الإسلامية التي يدعو إليها «التجمع» في محاولة لاستفزاز حمى الخوف من الأصولية (Fundamentalist phobia) في الدوائر الغربية والدول المجاورة، وبالتالي كسب الدعم والتأييد للخطاب الانفصالي الذي تدعو له. وقد تكاثرت نداءات التحذير من الخطر الأصولي خلال الشهر الماضي، وبعد إعلان الانفصال؛ بهدف رفع الدعم العربي والدولي لشرعية الإجراءات والتحركات العسكرية التي قامت بها الحكومة لردع عناصر الانفصال في الجنوب.

فاليوم تريد عناصر الحزب الاشتراكي العودة إلى زمن ما قبل الوحدة، وهي التي تعززت بأن أصبحت خيارًا شعبيًا وليس «نجاة» لحزب. لذلك عندما وجد التجمع اليمني للإصلاح أنه عاجز عن وضع حد للأزمة عبر لجان المصالحة والبرلمان؛ بسبب مماطلات وتجاوزات الحزب الاشتراكي، وعدم احترامه للمؤسسات الدستورية لم يتسن له الانحياز للشرعية الدستورية التي تقوم على مؤسسات الدولة وثرواتها، ضد جماعات المصالح ومحركي الفتن في الحزب الاشتراكي.

إن «التجمع اليمني للإصلاح» وإن لم يكن طرفًا مباشرًا في الأزمة، إلا أن قوته الشعبية جعلت الحزب الاشتراكي ينظر إليه كتهديد حقيقي لمستقبله ووجوده السياسي، وبدلًا من محاولة التنسيق معه للتخفيف من غلواء القبلية، وتعزيز سلطة المؤسسات الدستورية والأجهزة التنفيذية، اختار الحزب الاشتراكي الانفصال، ظنًا منه أنه الطريق الأسلم للتفرد بالسلطة والثروة في الجنوب.

وبالرغم مما يقال عن دعم بعض الدول لتوجهات الانفصال -لاعتبارات لا تخفى على أحد- فإن استمرار وضعية الحرب سترفع من وتائر المواجهة والتحرش والاضطراب، وهي حالة تشكل خطورة كبيرة على دول المنطقة واستقرارها، وستمس مصالح حيوية في إستراتيجيات العديد من الدول الغربية.

وإذا ثبت ما يتردد في بعض وسائل الإعلام الغربية عن دور لبريطانيا وبعض الدول في التحريض على الانفصال؛ نكون قد وصلنا إلى حل لغز الحرب وطلاسم الانفصال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 112

218

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

بريد القراء (112)