العنوان اليمن.. تصفية تركة «صالح» اللجان الشعبية في مهمة دحر الإرهاب
الكاتب عادل أمين
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012
مشاهدات 84
نشر في العدد 2005
نشر في الصفحة 26
السبت 02-يونيو-2012
● هاجم أنصار الشريعة مصنعاً لإنتاج الذخيرة واستولوا على كل ما فيه من أسلحة كما هاجموا ثلاثة بنوك وسرقوا منها ملياري ريال
● ضمت اللجان الشعبية مختلف الأطياف السياسية بالإضافة إلى عسكريين سابقين من ذوي الخبرة ورجال قبائل من مختلف المحافظات
● القبائل تخوض معارك طاحنة ضد القاعدة ( المفترضة) لإنهاء حضورها في المحافظات الجنوبية
● ثمة مخاوف مع صعود دور القبيلة وتراجع دور الدولة من تفشي نزعة الاستقلال لدى الجنوبيين المصاحب لتوسع سيطرة القبائل
ثمة ثلاثة مسارات أضحت تحكم سياق الأزمة اليمنية الحالية، وهي المسار السياسي والثوري والعسكري ويكاد يكون المسار الأخير هو الأكثر أهمية في تحديد مستقبل البلد فعلى الصعيد السياسي، بدأت خطوات الإعداد والتحضير لعقد مؤتمر الحوار الوطني لمناقشة أزمات البلاد، والخروج برؤية مشتركة للحل، في حين ما يزال المسار الثوري شبه محمد، أما المسار العسكري المتمثل في الحرب على ما يسمى بأنصار الشريعة القاعدة المفترضة فهو المتصدر للمشهد.
من ناحية أخرى، أرجأ مجلس الأمن الدولي اجتماعه بخصوص اليمن لإعطاء فرصة أخيرة للرئيس السابق علي عبدالله صالح المغادرة المشهد السياسي، والامتثال للشرعية الجديدة، وإنهاء تمرد عائلته على قرارات الرئيس هادي، ومؤخرا أفادت الأنباء عن استعداد روسيا استقبال «صالح» بعدما رفضت دول العالم ومنها الإمارات العربية استقباله.
ويبدو أن «صالح» بات أكثر قناعة بخسارة معركته على المسار السياسي، لذا لجأ إلى تصعيد معركته على المسار العسكري وأشعل المحافظات الجنوبية وراهن على زعزعتها وإسقاطها في أيدي «القاعدة» ومؤخرا أوعز إلى بعض قادته العسكريين من الموالين له بالنزول إلى محافظتي عدن وأبين، المؤازرة أنصار الشريعة، وتقديم الدعم المالي والعسكري لها بعد تقهقرها وتلقيها ضربات موجعة من قبل الجيش واللجان الشعبية في محافظة أبين، لكن من تكون هذه اللجان الشعبية، ومن هم أنصار الشريعة؟
● أنصار الشريعة
ما يسمى بأنصار الشريعة القاعدة المزعومة هم بالأصل خليط من العصابات الإجرامية وقطاع الطرق وأصحاب السوابق ومن لهم مظالم لدى السلطات، بالإضافة إلى عناصر من الحراك الانفصالي المسلح المدعوم إيرانيا، وعصابات إجرامية استنبتها النظام السابق ورعاها بقصد إثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار في المحافظات الجنوبية تحت غطاء القاعدة، المخترقة أساساً من قبل
أجهزة الاستخبارات المحلية والخارجية. ظهرت جماعة أنصار الشريعة فجأة في أبين أثناء اندلاع الثورة الشعبية اليمنية السلمية، وفي أواخر مارس ۲۰۱۱م، أي بعد أقل من شهرين فقط على اندلاع الثورة الشعبية أعلن تنظيم «القاعدة» محافظة أبين إمارة إسلامية، وفي يونيو من نفس العام سيطر على أكبر مدنها وهي زنجبار، أو سلمت له بالأصح، وقد اعترف محافظ أبين الزوعري فيما بعد بتلقيه توجيهات عليا بتسليم المدينة، وفي يناير ۲۰۱۲م سقطت مدينة رداع محافظة البيضاء في أيدي عناصر «القاعدة»، واتهم السفير الأمريكي السلطة المحلية بالتواطؤ . وجاء تصريح الشيخ خالد الذهب شقيق زعيم المسلحين طارق الذهب ليثير الجدل مجدداً بشأن تعاون نظام «صالح» مع مسلحي «القاعدة»، حيث قال لقناة «العربية»: إن شقيقه سيطر على رداع «بالتنسيق مع نظام «صالح» وتابع، إنه أيضا سبق ونصح شقيقه بأن يتخلى عن «القاعدة» بدلا من أن يصبح مطاردا دوليا .
في ۲۷ مارس ۲۰۱۱م هاجم أنصار الشريعة مصنع أكتوبر» في جعار لإنتاج الذخيرة، واستولوا على كل ما فيه من أسلحة وذخائر، وفي مايو ۲۰۱۱م هاجموا مقار ثلاثة بنوك في زنجبار، ووضعوا أيديهم في واحد منها، فقط على ملياري ريال، وبذلك استطاعوا تأمين المال والسلاح لعملياتهم الإرهابية، هذا إلى جانب ما يصلهم بالطبع من أموال وعتاد عسكري متنوع عبر الممولين والمستفيدين في أجهزة نظام «صالح»، علاوة على ذلك، تم رفد أنصار الشريعة بعناصر وقيادات مدربة من تنظيم «القاعدة» كانت في سجون النظام، إذ في شهر يونيو ۲۰۱۱م تمكن حوالي ۷۰ - ۸۰ شخصا من تنظيم القاعدة من الفرار عبر نفق أرضي من سجن المكلا بحضرموت، وفي ١٢ ديسمبر من نفس العام تمكن أيضا ١٥ سجينا بينهم محسوبين على القاعدة من الهروب من سجن المنصورة بعدن، ويعتقد أن هؤلاء مثلوا نواة التخطيط والدعم والإسناد لما يعرف بجماعة أنصار الشريعة.
● اللجان الشعبية
خاضت اللجان الشعبية تجربتها الأولى في قتال القاعدة في محافظة أبين، وفي مدينة مودية تحديدا، إذ في يوليو ٢٠١١م هاجم مسلحون قبليون مديرية موديه وتمكنوا من إخراج مسلحي القاعدة منها. وفي رداع تمكنت القبائل (يناير ۲۰۱۲م) من فعل الشيء عينه ضد المسلحين المفترضين ل القاعدة.. وفي مدينة لودر تشكلت اللجان الشعبية حديثا من شباب المحافظة بغرض وقف زحف أنصار الشريعة على مدينتهم بعدما صارت كل محافظة أبين تقريبا في قبضة الجماعة.
وقد مثلث تلك اللجان تجربة رائدة وناجحة في التصدي لخطر الإرهاب (المصطنع) الذي تحركه أيادي خفية في أجهزة أمن النظام السابق، وبحسب بعض قادة اللجان الشعبية في مدينة لودر فقد ضمت اللجان مختلف الأطياف السياسية بالإضافة إلى عسكريين سابقين من ذوي الخبرة، ورجال قبائل من مختلف المحافظات اليمنية الشمالية والجنوبية، الأمر الذي أكسبها رحماً شعبياً ومعنويات عالية، بيد أن ثمة مشكلات ما تزال تعترض أداءها من بينها ضعف التنسيق مع قوات الجيش وبخاصة تلك التي ما يزال قادتها يدينون بالولاء للنظام السابق، ومن المشكلات كذلك ضعف تسليح اللجان، ووجود قصور كبير في تنفيذ التوجيهات العليا بتسليحها، وهو ما دفع اللجان لجمع التبرعات لشراء السلاح ومن المشكلات رفض قادة بعض الألوية الدفع بقواتهم إلى الخطوط الأمامية لمجابهة أنصار الشريعة، وهو ما يفاقم الخلافات الميدانية مع اللجان الشعبية، إلا أنه على الرغم من ذلك تبدو تجربة اللجان الشعبية ناجحة، وقد حققت الغرض منها حيث تصدت بقوة لهجمات «القاعدة»، بل وانتقلت من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم.
● القبائل في وجه القاعدة
ذهب كثير من التحليلات إلى القول بأن القبائل اليمنية وفرت ملاذا آمنا ل القاعدة.. وأن هذه الأخيرة تذرعت بتظلمات ومطالب استطاعت من خلالها كسب تعاطف القبائل إلى جانبها، بالإضافة إلى أن «القاعدة» ربطت علاقات مصاهرة مع بعض زعماء القبائل وأغدقت على البعض الآخر لكسب ولائهم وهو ما أتاح لها التنقل والعمل بحرية في مناطق تلك القبائل، لكن وبصرف النظر عن صحة تلك التحليلات من عدمها، فالقبائل اليوم تخوض معارك طاحنة ضد القاعدة (المفترضة)، وتوشك على إنهاء حضورها في المحافظات الجنوبية، ووفقا لبعض المراقبين والمهتمين بشأن القاعدة في اليمن، فثمة بعض الأسباب التي تقف - من وجهة نظرهم - وراء هذا التحول المثير في الموقف القبلي من «القاعدة» من تلك الأسباب، مزاحمة القاعدة للنفوذ القبلي، ومحاولة فرض رؤى وقوانين جديدة بقوة السلاح، وإرهاب الناس والإضرار بمصالحهم، وتنفيذ أحكام وحدود بحقهم خارج نطاق الشرع والقانون بالإضافة إلى الخسائر التي لحقت بالمواطنين جراء الصراع العسكري في مناطقهم.
وهو ما تسبب بنزوح آلاف الأسر، وانتشار عمليات النهب والسلب، وترويع السكان ونهب ممتلكاتهم والقضاء على سبل عيشهم، ما جعل المجتمعات المحلية تنظر لهذه الجماعة كعب ينبغي التخلص منه.
كما أن القبائل المست جدية من قبل القيادة السياسية في التعاون معها في القضاء على هذه الآفة، وبخاصة بعد صيرورة القرار السياسي إلى يد الرئيس هادي، بالإضافة إلى أن عزل القادة الموالين للنظام السابق من قيادة بعض الألوية العسكرية، ومجيء قيادة عسكرية جديدة أسهم بدور فاعل في إظهار جدية الحكومة في الحرب على الإرهاب، وشجع القبائل على الانخراط في تلك الحرب التي صارت أكثر من ضرورية بالنسبة لها إن لم تكن مصيرية.
وتأسيسا عليه، يمكن القول إن الحرب على ما يسمى بالإرهاب في المحافظات الجنوبية وفي محافظة أبين تحديداً أضحت قضية مجتمعية، وأولوية تتصدر قائمة اهتمامات قبائل المحافظة، بالنظر إلى أن الحرب بين الطرفين القبائل و«القاعدة» غدت حرباً وجودية؛ فإذا ما انتصرت القاعدة (المزعومة) فسيكون ذلك على حساب تلاشي دور الق بيلة، كما أن اجتثاث القاعدة من المحافظات الجنوبية سيعزز بصورة كبيرة من دور القبيلة وتأثيرها على الحياة السياسية، لكن تبقى ثمة مخاوف محتملة مع صعود دور القبيلة وتراجع دور الدولة من تقشي نزعة الاستقلال لدى الجنوبيين المصاحب لتوسع سيطرة القبائل على الأرض، وذلك فيما لو أخفقت الدولة في ملء الفراغ الأمني الناجم عن دحر «القاعدة»، وهو ما يتعين على النظام القائم أخذه بعين الاعتبار والعمل على تجنب وقوعه