العنوان المعارضة اليمنية تبحث عن دور داخل جهاز السلطة!
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 89
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 02-مايو-1995
· الأحزاب المعارضة تستغل الأزمة الاقتصادية لإضعاف
شعبية الحزبين الحاكمين ولكنها غير قادرة على كسب ولاء المواطنين.
تمر المعارضة اليمنية بمرحلة حرجة من تاريخها.. حيث
يبرز أمامها عدد من التحديات الذاتية وغير الذاتية التي ستحدد مدى الدور المنتظر
منها.. وفي الشهر الماضي، تم الإعلان عن قيام تكتل معارض جديد باسم «التكتل
الديمقراطي للمعارضة» (أدم)، يضم عددًا من الأحزاب بقيادة أحد جناحي حزب البعث
العربي الاشتراكي.. فيما ينضوي الجناح الآخر لحزب البعث ضمن إطار آخر للمعارضة
يطلق على نفسه «التكتل الوطني للمعارضة».
هذا التقرير يسعى لتقديم عرض مركز عن واقع المعارضة
في اليمن في ضوء التطورات التي أعقبت نهاية مشروع الانفصال الذي قاده الاشتراكيون
مع عدد من حلفائهم.
المعارضة في الفترة الانتقالية
بعد إقرار نظام التعددية الحزبية في اليمن إثر قيام
دولة الوحدة، تشكل التحالف الثنائي الذي حكم البلاد وتكون من المؤتمر الشعبي العام
بزعامة الرئيس علي عبد الله صالح.. والحزب الاشتراكي اليمني بزعامة نائبه -آنذاك-
علي سالم البيض.
وبرغم القوة الشعبية التي يتمتع بها الإسلاميون، فإنهم
حرصوا طوال فترة قيادتهم للمعارضة على التزام الأساليب السلمية في التعبير عن
مواقفهم تجاه الأحداث والمواقف مهما كانت خطورتها.. بما فيها قضية الدستور..
وقانون التعليم العام.. حيث كان واضحًا أن ائتلاف المؤتمر والاشتراكي يسعى
لاستثمار سيطرته التامة على اليمن للحد القسري من نفوذ الإسلاميين وتحويلهم إلى
حزب هامشي مثل سائر الأحزاب.
وفي وقت مبكر بعد توحيد شطري اليمن، نجح الإسلاميون
في اكتشاف حقيقة موقف الائتلاف الحاكم ضدهم.. وجعلوا في أولويات خطتهم تحقيق فوز
كبير في الانتخابات النيابية يضمن لهم أن يكونوا الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه
كما كان يحدث أيام الفترة الانتقالية.
وعندما انتهت الانتخابات البرلمانية في إبريل
1993م، تغير الميزان السياسي في اليمن وصار الإسلاميون القوة السياسية الثانية في
البرلمان.. واضطر الحزبان الآخران لقبول فكرة تشكيل ائتلاف ثلاثي يضمن لهما إجراء
إصلاحات دستورية واسعة.
وهكذا انتقل الإسلاميون إلى السلطة.. لينضموا إلى
صف الأقوياء.. بينما بقيت صفوف المعارضة تعاني من فراغ حقيقي بغياب التجمع اليمني
للإصلاح الذي كان يمثل المعارضة الوحيدة التي يُخشى بأسها..
وفي أقل من شهرين، كان عدد من الأحزاب اليمنية
الصغيرة تعلن عن تشكيل تكتل للمعارضة باسم «التكتل الوطني للمعارضة».. يضم حزبًا
للناصريين (مقعد واحد في البرلمان) وآخر يمثل تيارًا مذهبيًا يُعرف تاريخيًا
بالمذهب الهادوي (مقعدان)، إضافة إلى عدد من النواب المستقلين وأحزاب أخرى ليس لها
تمثيل في البرلمان.. وهي -أصلًا- تفتقد البعد الشعبي بكل ما تعنيه الكلمة..
كانت تلك الأيام هي بداية ظهور غير واضح للأزمة
السياسية الطويلة التي فجرها «البيض» بعد عودته من الولايات المتحدة، بينما كان
الدعم الإعلامي الاشتراكي للتكتل الجديد واضحًا منذ البداية.. الأمر الذي كشف
للآخرين أن الحزب الاشتراكي يسعى لجعل تكتل المعارضة الجديد عامل توازن يقوي من
موقف الاشتراكيين الضعيف داخل الائتلاف الثلاثي بين المؤتمر - الاشتراكي -
الإصلاح..
حملت المعارضة الجديدة بذور ضعفها في طبيعة الرموز
التي شكلتها، وباستثناء الناصريين فلم يكن للآخرين وجود حقيقي على مستوى الجمهورية
كلها.. فيما ضمت وجوهًا سياسية لا تتمتع بوزن سياسي في الساحة اليمنية مثل: عبدالرحمن
الجفري، وآل الوزير.
وعندما بدأ «البيض» حملاته التلفزيونية التي كانت
إعلانًا رسميًا بظهور الأزمة السياسة، سارعت المعارضة الجديدة لتقديم نفسها كوسيط.
ثم فرض الاشتراكيون رموز المعارضة ليكونوا ضمن لجنة الحوار التي أعدت وثيقة لحل
الأزمة باسم «وثيقة العهد والاتفاق» بأكثر مما يحتمله وزنهم السياسي.. وحينها،
ونظرًا لحقائق القوة التي تحكم اليمن حينذاك، ظنت المعارضة أنها قد بلغت مرحلة
تؤهلها للمطالبة بالمشاركة في السلطة، يدعمها في ذلك موقف الحزب الاشتراكي الذي
وجد في المعارضة سندًا قويًا ورموزًا معادية للرئيس علي صالح والتيار الإسلامي؛
مما يخلق توازنًا جديدًا في السلطة يجنب الاشتراكيين مخاطر مواجهة حلفائهم داخل
الائتلاف.
لم تكن الهالة السياسية التي اكتسبتها المعارضة
وليدة نفوذ قوي في الشارع والبرلمان، ولذلك ظهرت تلك الأحزاب على حقيقتها عندما
انفجر الموقف عسكريًا، فقد لاذت بالصمت وتحول ضجيجها الإعلامي المؤثر إلى موقف
خمول متردد غير قادر على ممارسة دور ما، لاسيما بعد أن شارك عدد من رموزها في
قيادة دولة الانفصال التي أعلنها «البيض» في «عدن»!
ويقال إن السلطات في صنعاء وضعت أيديها على وثائق
تكشف قيام «الجفري» بتمويل الأحزاب الأخرى في التكتل بمبالغ مالية ضخمة وبأسماء
عدد من السياسيين المشهورين! وذلك عند قيام الأجهزة الأمنية بتفتيش منزل «الجفري»
في صنعاء!
وبصفة عامة فقد لزمت المعارضة الصمت باستثناء بعض
التصريحات ضد قرار الانفصال.. كما توقفت صحفها عن الصدور بعد توقف المطبعة التي
يمتلكها الحزب الاشتراكي -داخل مقره الرئيسي في صنعاء- حيث تعرضت للتدمير في أول
يوم للحرب.. فقد كانت كل صحف المعارضة تطبع هناك باستثناء صحيفة «يمن تايمز» التي
تصدر باللغة الإنجليزية واستمرت في الصدور دون توقف!
وفي مجمل تطورات الوضع العسكري والسياسي في اليمن،
ظهرت أحزاب المعارضة بمظهر المخدوع الساذج الذي وقع في حبائل مؤامرة «البيض -
الجفري» اللذين انفردا في اتخاذ قرارات خطيرة أضعفت موقف حلفائهم وأساءت إلى
مصداقيتهم أمام اليمنيين.
انشقاقات ما بعد الحرب!
قبل أسابيع قليلة من انتهاء حرب السبعين يومًا دخلت
اليمن في أزمة اقتصادية حادة، وتدهور سعر العملة اليمنية، رغم أن استقرارًا
حقيقيًا ساد البلاد في النصف الأول من زمن الحرب! وقد انعكس ذلك على مستوى معيشة
المواطنين الذين خرجوا من الحرب ليواجهوا أزمة طاحنة وغلاءً فاحشًا!
ورغم أن الحرب انتهت بهزيمة قاسية للحزب الاشتراكي
ومشروعه الانفصالي، إلا أن أحزاب المعارضة بدأت تحركاتها المضادة سريعًا، وتم عقد
ندوة في أكبر فنادق صنعاء هاجم المتحدثون فيها السلطة المنتصرة، وحاولوا النيل
منها بمسألة ما زعموه أنه عملية نهب واضطهاد تتعرض له المحافظات الجنوبية على أيدي
رجال الجيش!
وعلى مدى الأسابيع التالية، استأنفت صحف المعارضة
صدورها، حاملة الأساليب نفسها في الهجوم والتشكيك والتحدي ضد الدولة، والدفاع غير
المباشر عن الحزب الاشتراكي.. بل تصوير بعض قياداته كالأبطال.. إضافة إلى اللازمة
الدائمة وهي التحذير من الإسلاميين وتحميلهم مسؤولية كل ما جرى!
وعلى صعيد آخر، كانت استحقاقات ما بعد الحرب قد
بدأت تفعل فعلها داخل بعض أحزاب المعارضة.. حيث شهد عدد منها انقلابات داخلية تم
فيها إزاحة قياداتها المتورطة في مساندة الحزب الاشتراكي.. مثل ما حدث في «رابطة
أبناء اليمن» وحزب التصحيح الناصري.. لكن تلك الانشقاقات لم يكن لها دوي كبير بسبب
محدودية فاعلية تلك الأحزاب.. لكن الانشقاق الكبير الذي حدث كان في حزب البعث
الموالي للعراق.. نظرًا لدوره المشهور في تاريخ اليمن المعاصر.. وباعتباره حزبًا
له (7) نواب في البرلمان اليمني.
ولعل أبرز ما تتميز به المعارضة في اليمن هو
إصداراتها الصحفية القوية.. فهي -أصلًا- أحزاب صحف في غالبيتها.. ولذلك شنت تلك
الصحف حملة شعواء ضد تعديل الدستور ووجود الإسلاميين في السلطة بعد خروج
الاشتراكيين..
ونجحت في استغلال معاناة الناس من الأزمة
الاقتصادية والظروف العامة التي لم تكن قد استقرت بعد في عدد من المحافظات.
وعندما استقرت حقيقة انشقاق حزب البعث، بدأ الجناح
الجديد لحزب البعث يبدو كبؤرة لتجمع عدد من أحزاب المعارضة التي انشقت عن أحزابها
الأصلية... وتبلور الأمر في ظهور تكتل جديد للمعارضة يحظى بتعاطف حزبي الائتلاف
الحاكم.. وهكذا برز في اليمن تياران للمعارضة يسعى كل طرف فيه للتأكيد على أنه هو
المعارضة الحقيقية.. وفيما تتهم المعارضة القديمة منافسيها بأنهم مدعومون من
الدولة، فإن المعارضة الجديدة تقدم نفسها كمعارضة وطنية لم تتورط في مؤامرة
الانفصال، وتلتزم بالثوابت الأساسية للبلد.
وفي كل تكتل معارض يجد المراقب أحزابًا متشابهة
تحمل الأسماء نفسها.. فالحزب الاشتراكي موجود هنا وهناك.. والناصريون والرابطيون
لهم رايات في كل تكتل.
ويمكن تصور بعض ملامح مستقبل المعارضة اليمنية
بشقيها من خلال بعض المواقف العامة... فالمعارضة القديمة الموالية للحزب الاشتراكي
اتخذت لها طريق معارضة الائتلاف الحاكم في كل شيء.. ولو أدى الأمر بها إلى تغيير
مواقفها بصورة كاملة! فعندما بدأت أزمة الحدود السعودية - اليمنية دعت تلك الأحزاب
إلى تهدئة الموقف وحملت الائتلاف الحاكم مسؤولية تأزيم الوضع لإلهاء الشعب عن
الأزمة الاقتصادية! ثم عندما اتضح لها أن البلدين مصممان على حل الأزمة سلميًّا..
شنت صحف المعارضة القديمة حملات استفزازية ضد حكومتي اليمن والسعودية، وبالغت في
الإسفاف وتهييج المشاعر والتنديد باتفاقية الطائف، رغم أنها سبق لها في بداية
الأزمة أن أصدرت بيانًا يدعو إلى اعتمادها كأساس للحل! ويبدو من خلال استقراء
المواقف أن المعارضة القديمة تعول في تحركاتها على استغلال الأزمة الاقتصادية
لإضعاف شعبية الحزبين الحاكمين.. أما عن واقعها الشعبي فما تزال غير قادرة على كسب
ولاء المواطنين، خاصة أن الحزب الاشتراكي يحرص حتى الآن على عدم التورط بقوة في
معاداة الحكومة التي ما تزال تقوم بدفع مستحقات مالية بالملايين للحزب!
أما المعارضة الأخرى، فلن تصل معارضتها للحكومة إلى
درجة العداء والاستفزاز.. لكنها لا تزال - حتى الآن - في بداية طريقها الذي يفتقد
إلى صحافة قوية تصنع لها مكانة في الوسط السياسي اليمني كما فعل المعارضون
السابقون!
وفيما يبدو أن المعارضة الجديدة تجد حرجًا ما من
اتهامات منافسيها لها بأنها تابعة للسلطة.. لا يبدو -في المقابل- أن المعارضة
القديمة تهتم بتورطها مع الحزب الاشتراكي واتهامات خصومها لها بالخيانة والتآمر!
وفي مستقبل الأيام سوف يتضح ما إذا كانت المنافسة
ستكون بين حكومة ومعارضة... أو بين معارضة ومعارضة!