; اليمن: الأزمة اليمنية الإريترية: الجمود ينتظر المنقذ الأمريكي! | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: الأزمة اليمنية الإريترية: الجمود ينتظر المنقذ الأمريكي!

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996

مشاهدات 70

نشر في العدد 1198

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 30-أبريل-1996

تعيش الوساطة الفرنسية لحل الأزمة بين اليمن وإريتريا، مرحلة حرجة جدًّا، وقد تحدد مستقبلها الذي تأرجح كثيرًا بين التفاؤل والتشاؤم، ويعتزم الوسيط الفرنسي أن يجمع طرفي النزاع للتوقيع على اتفاق مبادئ يحكم مراحل حل الأزمة، ويحدد الكيفيات التي تتم بها مواجهة أية انتكاسة تتعرض لها عملية الوساطة والتحكيم.

وفيما يختص بالاتفاق فقد أعلن اليمنيون موافقتهم على الصيغة الأخيرة للمشروع الفرنسي، بعد إدخال عدد من التعديلات على المشروع الأصلي بناء على ملاحظات الطرفين: اليمني والإريتري.

 لكن الإريتريين لم يعلنوا- حتى الآن- موافقتهم على اتفاق المبادئ، وأعلنوا تحفظات جديدة بلورها في مجموعة من الأسئلة وجهوها للوسيط الفرنسي، الذي قدم بدوره توضيحات نهائية حول المشروع.

ومع ذلك، فما زال الإريتريون يحجمون عن إعلان موافقتهم النهائية على مشروع اتفاق المبادئ، وما تزال «أسمرا» تراوغ في موقفها الحقيقي؛ خشية حدوث ردود فعل ضدها.

وتقول معلومات نشرتها الصحافة اليمنية، مؤخرًا- إن الموقف الإريتري صار على مفترق طرق بعد أن تعامل الفرنسيون مع «كل» الأسئلة التي قدمتها «أسمرا»، فيما أعلن اليمن- أكثر من مرة -، التزامه بالحل السلمي وقبول اللجوء للتحكيم الدولي، ومن وراء كل ذلك تعلن كل العواصم العربية والغربية تأييدها للحل السلمي للمشكلة.

وخلف التنازع السياسي بين اليمن وإريتريا، تدور معركة وثائقية بين الطرفين لامتلاك أدلة تاريخية وقانونية تثبت تبعية الجزيرة لكل منهما.

 وعلى صعيد «الخرائط» يبدو الموقف الإريتري ضعيفًا للغاية، ويبدو أن زيارة الرئيس الإريتري «أفورقي» الأخيرة لإيطاليا قد أخفقت في منحه وثائق تاريخية، تؤكد تبعية «حنيش» لإريتريا، أما المأزق الحرج، فهو خارطة سياحية أصدرتها وزارة السياحة في «أسمرا» تظهر بوضوح الحدود البحرية للدولة الإريترية، وفيها تظهر جزر إرخبيل، وحنيش خارج الخط الحدودي البحري، وباللون نفسه الذي تم به تلوين أراضي اليمن.

وفي الجانب الآخر، اليمنيون يبدون واثقين من أدلتهم القانونية، التي يعتمدون عليها، وبالإضافة للاعتبارات التاريخية القديمة والحديثة وواقع الجزيرة في السنوات الأخيرة.

وقد أشارت صحف يمنية إلى وثائق أصدرتها وزارة الدفاع الأمريكية تقر بتبعية الجزيرة لليمن.

ولعل هذه الحقيقة هي التي تدفع نظام «أسمرا»، لمحاولة التملص من الوساطة الفرنسية، وهو أمر ليس سهلا- حتى الآن -، لكن الموقف الإريتري في التعامل مع الأزمة، يثير مخاوف حقيقية من كون الهدف هو تفجير حرب حقيقية تغرق البلدين في البحر، وتفتح المجال لإعادة ترتيب أوضاع ممر باب المندب الدولي بصورة تخدم أوضاع دول أخرى مثل إسرائيل.

موقف مصر: الرسمي والشعبي 

بالنسبة للموقف المصري فإنه على الرغم من حرصه على الحياد في الأزمة، وهو ما أثار استياء اليمنيين إلا أن الواضح أن إريتريا لا تثق كثيرًا في هذا الموقف، ولعلهم يظنون أن المصريين - في الأخير - سوف ينحازون لليمن، وتستند هذه الظنون إلى الموقف الشعبي في مصر، الذي انعكس في الصحافة المصرية، بالإضافة إلى وجود توقعات بأن العسكريين المصريين يعدون سيطرة إريتريا على «حنيش» مبعث خطورة على إستراتيجية الأمن المصري.

الموقف المصري الرسمي كان لا يوافق على فكرة التحكيم الدولي؛ بسبب طول إجراءاته، واحتمال استمرار الأزمة في حالة إعلان طرف واحد عدم رضاه عن نتائج التحكيم.

ولعل ذلك يفسر محاولة المصريين ترتيب لقاء قمة ثنائي بين رئيسي اليمن وإريتريا، وهو ترتيب كان يهم «أسمرا» تحقيقه، لكن «صنعاء» رفضت اللقاء الرئاسي - الذي كان مراقبون يتوقعون انعقاده في القاهرة خلال زيارة الرئيس صالح لها.

 فاليمن يرى أن أي لقاء يجب أن يسبقه التوقيع على اتفاق المبادئ الذي أعده الفرنسيون بناء على مشاورات مع الجانبين؛ لأن هذا الاتفاق هو صمام أمان يمكن الرجوع إليه في حالة فشل لقاء القمة أو الحل الثنائي أو صدور قرار التحكيم الدولي، ولأن حدوث فشل ما يعني - في حالة عدم التوقيع- فتح المجال أمام التصعيد  العسكري في منطقة دولية خطيرة تمر بها نسبة كبيرة من إمدادات النفط والتجارة الدولية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد اعتذر اليمنيون عن لقاء القمة قبل توقيع اتفاق المبادئ، واستمرار احتلال الجزيرة؛ لأن ذلك يعد خطأ سياسيا إلا إذا أعلنت إريتريا استعدادها للانسحاب وقبول نتائج التحكيم.

 وتقول مصادر سياسية: إن القاهرة تفهمت الموقف اليمني، وهي تسعى الآن لتوفير سبل اللقاء الرئاسي، وهو أمر يعتمد على مبادرة جريئة من«أسمرا».

 في انتظار الأمريكان

أما الموقف الأمريكي من الأزمة اليمنية- الإريترية، فهو يعد أحد الألغاز، التي يجهد المراقبون عقولهم؛ لمعرفة أسرارها، فخطورة منطقة باب المندب لا تتناسب – إطلاقا - مع درجة الفتور التي ضبط الأمريكيون درجة تفاعلهم عليها، وبصورة عامة، فأقل ما يمكن وصف الموقف الأمريكي به هو أنه «موقف غير واضح»، على الرغم من كل التصريحات الدبلوماسية التي يطلقها المختصون في واشنطن حول تأييد المبادرة الفرنسية والحل السلمي للأزمة.

 وبالطبع فإن محاولات تفسير فتور الموقف الأمريكي الحالي تركز على البعد الإسرائيلي في الأزمة، والتأثير المتوقع للضغط اليهودي لكيلا يتعرض نظام أفورقي لضغوط أقوى منه يجبره على الانصياع للتحكيم أو الإقرار بالوقائع القانونية والتاريخية للجزيرة.

وهناك تفسير آخر للموقف الأمريكي يفترض أن «واشنطن» تعمل على تكرار «سيناريو» تعاملها مع الأوروبيين في الأزمات، بحيث يتم إدخالهم كوسطاء، ثم العمل على إفشال مساعيهم، ثم يأتي «المنقذ» الأمريكي ويفرض حلا للمشكلة تظهر حقيقة النفوذ الأمريكي القوي في مقابل العجز الأوروبي، وهذا السيناريو بالذات تكرر في «البوسنة».

الغبار والبحر!

ويبقى السؤال: ما التوقعات التي يمكن أن تنتهي إليها أوضاع الأزمة بين اليمن وإريتريا؟.

 في البداية، فإن الوساطة الفرنسية في حالة نجاحها وإحالة الخلاف للتحكيم الدولي، فالمتوقع أن تهدأ التراشقات الإعلامية بين الطرفين مؤقتا، مع استمرار تعزيز كل طرف لقواته العسكرية.

أما في حالة فشل الوساطة الفرنسية فلا يوجد حل معروف الآن، وربما تزداد وتيرة التسخين العسكري بين القوات المتواجهة في الجزر في منطقة النزاع، وهنا يأتي دور الوسيط الأمريكي المنتظر.

 وبالنسبة لليمنيين فإن الحل العسكري يبدو مفضلاً في الأوساط الشعبية، لكن حسابات القيادة اليمنية حريصة على عدم الانجرار السريع فيما يصفه المراقبون بأنه مصيدة محكمة لإدخال اليمن في نزاع جديد بهدف إبقائه مستنزفا ضعيفا محاصرا قبل إغراقه في البحر.

 وفي المقابل، صار مرجحا عند الأوساط الشعبية في اليمن أن القبول بعملية «السلام» مع إسرائيل، والانخراط فيها، وتطبيع العلاقات هو الثمن المطلوب لاستعادة جزيرة «حنيش» التي تحولت بسرعة إلى رمز يمني يثير مشاعر الاستياء من الغدر، الذي واجه به «أفورقي»، أصدقاءه القدامى؛ استجابة لمخطط أكبر بكثير من دولة - حديثة ما يزال زعماؤها يعانون من عقدة أنها دولة لم تكن قائمة تاريخيا، وهو أمر يجعلهم يرددون دائما بأنهم ليسوا دولة من غبار!!.

 أما على المستوى اليمني الرسمي فإن الموقف السلمي، الذي كان محل تقدير خارجي يحتاج من الدول العربية والغربية أن تترجمه إلى مواقف ضاغطة على إريتريا؛ لدفعها للتعامل مع الحلول السلمية، وإعلان التزامها بنتائج التحكيم الدولي. 

ولعل هذا الموقف اليمني الرسمي هو أكثر المواقف «درامية»؛ لأن العامل الداخلي يدفعه نحو مواجهة، ولا يقبل بالسكوت والجمود الحالي في مقابل عوامل خارجية، ربما تفضل التجميد طالما أن مصالحها تقتضي ذلك.

الرابط المختصر :