; اليمن: أزمة حنيش أجلت إعلانها: اليمنيون ينتظرون إجراءات اقتصادية قاسية! | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: أزمة حنيش أجلت إعلانها: اليمنيون ينتظرون إجراءات اقتصادية قاسية!

الكاتب ناصر يحيي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996

مشاهدات 66

نشر في العدد 1184

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 16-يناير-1996

  • الإصلاح يقدم رؤية شاملة لإصلاح الواقع الاقتصادي المتأزم في البلاد

صنعاء: 

فرضت أحداث الأزمة اليمنية الإريترية- بشأن جزيرة حنيش الكبرى- تأجيل إعلان المرحلة الثانية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في اليمن.. وهو الأمر الذي كان مثار خلاف بين حزب المؤتمر الشعبي والتجمع اليمني للإصلاح في الأسابيع الأخيرة من العام الماضي.. حيث اختلفت رؤية كل حزب حول الأولويات والمدى الذي ينبغي أن تكون عليه تلك الإجراءات.

وقبل عام تقريبًا، كان هناك خلاف مماثل حول المرحلة الأولى للإصلاح الاقتصادي بين الحزبين.. ولكن تم تجاوزها باعتماد رؤية متوسطة مع اشتراط ربطها بإصلاح إداري شامل.

وربما كان من المفيد استعادة بعض المعلومات حول مظاهر الأزمة المالية والإدارية في اليمن، والتي تتمثل في:

اختلال الموازنة العامة بعجز متوسط قدره 20 % على الأقل، يتم تمويل تغطيته عبر إصدار نقدي جديد يؤدي إلى زيادة مفزعة في مستوى التضخم وانهيار القوة الشرائية للريال اليمني، ونمو المضاربة بصورة جنونية- على العملات الأجنبية، وانخفاض المداخيل الحقيقية للأفراد.

اختلال ميزان المدفوعات بعجز متوسط قدره 28 %، مما يعني مزيدًا من الطلب على النقد الأجنبي، وبالتالي انخفاض قيمة العملة الوطنية.

هذه هي صورة الأزمة التي لا يختلف الناس كثيرًا حول مظاهرها، وإن اختلفوا حول أسبابها وطرق معالجتها..

وقد هدفت المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادي إلى مواجهة النزيف الإصداري الجديد للعملة وتحقيق استقرار أسعار الصرف في سوق العملات.

وفي سبيل ذلك اشتملت خطة العلاج على ثلاثة عناصر متوازية هي:

  1. رفع أسعار الخدمات التي تقدمها الدولة مثل الكهرباء والمشتقات البترولية وتسعيرة الجمارك.
  2. ترشيد نفقات الدولة.
  3. تشكيل لجان لتنفيذ عملية الإصلاح الإداري وإزاحة القيادات الإدارية الفاسدة أو الفاشلة في عملها.

وفي تقييم سريع لعملية الإصلاح، يمكن القول بأن الأمر اقتصر بشكل حقيقي على رفع أسعار الخدمات التي تحمل المواطنون عبئها الأكبر.. بينما اقتصر ترشيد النفقات على بعض بنود الباب الثاني من الميزانية.. أما «الباب الأول» من الميزانية المخصص للرواتب فقد ظل بعيدًا عن يد الإصلاح، رغم أنه يلتهم نسبة مخيفة من الميزانية كمرتبات لما يقارب المليون موظف «مدنيين وعسكريين»! جزء كبير منهم يشكلون بطالة مقنعة حقيقية أو هم بلا عمل فعلي!.

على صعيد سوق الصرف.. لم تستقر أسعارها، بل استمرت في عملية الارتفاع حتى وصلت إلى (160) ريالًا للدولار الواحد.. وبرغم تحسن الأمر بعد تحسن العلاقات اليمنية السعودية وحدوث انفراج اقتصادي محدود.. إلا أن تذبذب أسعار الصرف صعودًا وهبوطًا أوجد حالة مضطربة أدت إلى عودة انخفاض سعر العملة الوطنية بصورة بطيئة.. ولكن بطريقة مستمرة.

أما عملية الإصلاح الإداري فقد تم تنفيذها بصورة محدودة تفتقد إلى الجدية الحقيقية في اقتلاع رموز الفساد.. كما خضعت هذه العملية للتسييس الحزبي وصارت عملية تغيير الفاسدين تعد من قبيل المكايدات السياسية!.

كما أن عدم وجود آليه كقوة لتنفيذ برنامج الإصلاح ومتابعته وتصميمه قد أدى- كذلك- إلى عدم تحقيق نتائج واضحة للبرنامج.

الجرعة الجديدة!

وفيما يتعلق بالمرحلة الجديدة من الإصلاح الاقتصادي فقد تقدم حزبا الائتلاف كل برؤيته ولعل أهم ملامح رؤية التيار الإسلامي- المشارك في السلطة- للواقع الاقتصادي المتأزم تتلخص في المحاور التالية:

  • أولًا:

رفض تنفيذ الإصلاحات السعرية للخدمات التي تقدمها الدولة للمواطن دفعة واحدة.. بينما يمكن تنفيذ ذلك على مدى ثلاث سنوات تخفيفًا من معاناة المواطنين.. على أن يتم اختيار نسبة واقعية لا تؤدي إلى تأثيرات سلبية حادة على حياة الفئات المتوسطة والفقيرة!.. مع ضرورة توخي العدالة في توزيع الأعباء بين الأغنياء والفقراء وتحمل الدولة نفسها لقسط حقيقي من الأعباء عن طريق ترشيد نفقاتها لتكون قدوة في التطبيق!.

  • ثانيًا:

تخفيف المعاناة عن الفقراء عن طريق إنشاء شبكة أمان اجتماعي فعالة.. لأن الزيادة المقترحة في المرتبات لا يستفيد منها إلا موظفو الدولة.. ومثل هذه الشبكة يحتاج بناؤها إلى وقت طويل.. بينما تنفيذ الإصلاحات دفعة واحدة سوف يؤدي إلى خلق جحيم اقتصادي في البلد!.

  • ثالثًا:

توحيد أسعار الصرف بمستوى منخفض، والحرص على السعر الموحد المعلن والتدخل الحاد لحمايته.. أما ترك الأمر للسوق- كما يقترح برنامج الإصلاح الاقتصادي- فسوف يؤدي إلى ارتفاع في اتجاه واحد، ولا سيما مع عجز بنك الدولة عن ممارسة دوره المطلوب..

  • رابعًا:

إزالة المعوقات أمام القطاع الخاص لتحقيق نمو في القطاع غير النفطي، والبث السريع في قانون المصارف الإسلامية الذي يعد الأمل الحقيقي في جذب السيولة المالية الهائلة الموجودة في أيدي الموطنين.. بينما سيؤدي رفع سعر الفائدة- المقترح- إلى زيادة تكلفة الإنتاج وبالتالي ارتفاع الأسعار مجددًا.

ولاحظت وجهة نظر حزب «الإصلاح» أن خطة الإصلاحات الجديدة تركز على زيادة واردات الدولة فقط عن طريق إلغاء الدعم المقدم للخدمات والمواد الأساسية.. دون مراعاة لانعكاسات ذلك على المواطنين.. وفي الوقت نفسه فإن البرنامج أهمل تحقيق ترشيد حقيقي لنفقات الدولة المتعاظمة وهو ما يعني بأن أحد الأسباب المهمة للعجز المالي سيظل موجودًا فلا بد أولًا: من إحداث تخفيض واضح في نفقات الدولة المعلنة في ميزانية العام السابق، بدلًا من الإبقاء على النسبة نفسها في الميزانية الجديدة وعدم استحداث أي زيادة مستقبلية.

الواضح أن هناك تخوفات قوية من الإقدام على تنفيذ الإجراءات الاقتصادية الجديدة.. ولا سيما أن حجمها ومداها وسوف توفر أسبابًا لحدوث اضطرابات شعبية.. إذ لا يمكن قياس ما سيحدث مستقبلًا في حالة إعلان المرحلة الثانية بما حدث في العام الماضي عند إعلان المرحلة الأولى، وخاصة أن التحسن المعيشي الذي شهدته اليمن في منتصف العام الماضي يكاد يتلاشى تمامًا مع عودة ارتفاع سعر صرف الدولار وبالتالي ارتفاع الأسعار مدة ثانية!.

وفي الوقت نفسه، فإن الفترة التي شهدت الجرعة الأولى كانت مناسبة للنظام الذي كان في ذروة قوته بعد الانتصار على مؤامرة الحزب الاشتراكي.. الأمر الذي مكنه من الإقدام على اتخاذ إجراءات غير شعبية اقتنعت الأغلبية بضرورة تنفيذها !... أما في الوقت الراهن فقد خفضت الأزمة الاقتصادية جزءًا غير يسير من هالة الانتصار، كما أنه صار من الصعب الإقدام على إعلان إجراءات اقتصادية مشددة بعد اندلاع أزمة احتلال النظام الإريتري لجزيرة «حنيش» الكبرى، بعد أن صار النظام اليمني بحاجة إلى توفير تأييد شعبي قوي ومستمر لمساندته في محاولة استرداد الجزيرة بأي أسلوب كان!.

ومع ذلك، فإن تأجيل المرحلة الثانية لبرنامج الإصلاح في اليمن ربما يشهد بعض الاستثناءات التي يمكن تنفيذها دون أن تكون لها عواقب سيئة سريعة.. مثل العمل بالتسعيرة الجمركية الجديدة، أو البدء بفكرة تعويم الريال على أمل أن تستطيع الدولة التدخل بقوة- اعتمادًا على القروض والمعونات الموعودة بها- لتحجيم أسعار الصرف وتثبيتها عند مستوى معين!.

وفي كل الأحوال، يبقى الأمر تحديًا دراميًا أمام اليمنيين: فالإبقاء على الأوضاع الراهنة يؤدي إلى مزيد من التأزم الاقتصادي.. والإقدام على تنفيذ البرنامج المقترح محفوف بالمخاطر السياسية.. وهناك قلة تستطيع أن تبدي تفاؤلها بالنجاح.. بينما الغالبية واقعة تحت مخاوف التجارب السابقة الفاشلة والتجارب القادمة المفزعة.

***

الرابط المختصر :