; اليسار وأهداف الجهاد الإسلامي (الحلقة الثامنة عشرة ) | مجلة المجتمع

العنوان اليسار وأهداف الجهاد الإسلامي (الحلقة الثامنة عشرة )

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1986

مشاهدات 49

نشر في العدد 757

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 04-مارس-1986

الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار 

الإسلام لا يعرف تعصبًا لجنس ولا ترفعًا للون 

كاتب يساري يصور الجهاد الإسلامي على أنه عبقرية من عمر ليؤجل الصراع بين اليمين واليسار.

ذهب كاتب يساري إلى تزوير التاريخ الإسلامي لنصرة مذهبه ومذهب سادته فزعم أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم أنصار اليمين وأنصار اليسار وأنصار الوسط. والكاتب لا يجهل أن هذه الأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وأنها ظهرت لأول مرة في أوربا من خلال الثورة الفرنسية التي ظهرت في القرن الثامن عشر. 

ثم يتطاول الكاتب على القرآن الكريم بتحريفه أسباب الحروب الإسلامية فيقول: «كان عمر من العبقرية والطموح في نفس الوقت بحيث شغل المسلمين جميعًا بالفتوحات في كل الجبهات. وهو من البراعة بحيث لم يقف موقفًا عدائيًا صريحًا من اليسار» (1) الجهاد الإسلامي يصوره الكاتب اليساري على أنه عبقرية من عمر ليؤجل الصراع بين اليمين واليسار. 

ونجد كاتبًا آخر قوميًا يفسر الجهاد الإسلامي تفسيرًا يخدم مذهبه فيقول: «إن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كان لها هدف قومي هو القومية العربية وذلك لجمع شمل العرب الذين كانوا مازالوا تحت سيطرة فارس والروم». 

ثم يأتي المستشرق جورج كاستلان في كتابه «تاريخ الجيوش» ليزعم: أن الجيوش الإسلامية كانت تتكون من القبائل التي همها السلب والمغامرة. 

ويكرر ذلك جورج كيرك في كتابه «موجز تاريخ الشرق الأوسط» فيقول: إن جموع المسلمين قد خرجت في عهد محمد -صلى الله عليه وسلم- في غارة على بعض أطراف الدولة البيزنطية. ولما انتخب الخليفة الثاني قام قواده العظام بقيادة غارات كبيرة إلى فلسطين والشام والعراق ومصر وكان الغرض في الأصل هو مجرد السطو والغنم على نمط ما ألفه العرب، إلى غزوات وفتح دائم. 

هذه هي مزاعم أعداء الإسلام والمنحرفين من الأعراب في شأن الحروب الإسلامية، وهذه الحروب لم تكن لإكراه أحد على الدخول في الإسلام، فالله تعالى يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة:256). والغزوات والحروب لم تكن لنهب أموال غير المسلمين، فالثابت أن مشركي مكة هم الذين صادروا ممتلكات من هاجر إلى المدينة من المسلمين. 

والثابت أن الجهاد الإسلامي خارج حدود الجزيرة العربية قد سبقه دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- للشعوب المجاورة للعرب للدخول في الإسلام. وتمثلت هذه الدعوة في رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء ومنهم كسرى ملك الفرس، وهرقل ملك الروم، والمقوقس زعيم القبط بمصر. 

هذه الدعوة إلى الإسلام كانت بأمر من الله تعالى حيث قال لنبيه: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 158), ولقد جاءت هذه الدعوة لترفع عن الشعوب القيود والأغلال التي كانت عليها، فهذه الآية مسبوقة بقول الله تعالى عن النبي ورسالته: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 156/157).

إن هذه الدعوة إلى الخير والسلام قد وقف منها زعماء هذه الشعوب موقف العداء، بل أعلنوا الحرب على صاحب الرسالة، وذلك بسفك دماء الأشخاص الذين بعثهم برسائله، أو بتعذيبهم. فهذا كسرى ملك الفرس مزق رسالة النبي، ثم تمادى وأمر حاكمه في اليمن أن يرسل جنده لإلقاء القبض على النبي -صلى الله عليه وسلم- (٢) وإحضاره إلى كسرى برويز. فلما أرسل باذان ملك اليمن جنده إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا له: إنهم مأمورون بالقبض عليه فإن استجاب أرسلوا معه كتابًا إلى كسرى لعله يعفو عنه، ثم قالوا للنبي: إن أبيت المثول أمام كسرى فهو من علمت يهلكك وقومك. 

فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أخبرهم أن ربه الله العزيز الجبار قد قتل ربهم كسرى بأن سلط عليه ابنه فبقر بطنه ليلًا. وتجمع أهل اليمن وتربصوا ليقفوا على صدق هذا الخبر وأرسلوا الرسل إلى مقر سيدهم كسرى فجاءتهم بتصديق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فدخلوا جميعًا في دين الإسلام. 

وقبل هذه الوقائع أخبر النبي صحابته بإسلام أهل اليمن وقال فيهم: «الإيمان يمان والحكمة يمانية». بل إنه قبل أن يفتح المسلمون هذه البلاد بسنوات عديدة أخبر النبي بذلك فقد روى ابن إسحاق عن سلمان الفارسي أنه في غزوة الخندق حيث كان المشركون يحاصرون المدينة وبدأ المسلمون في حفر الخندق آخذًا بمشورة سلمان فأخذ النبي المعول من يد سلمان فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب أخرى فلمعت برقة أخرى، ثم ضرب الضربة الثالثة فلمعت تحته برقة أخرى، قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ 

قال: أو قد رأيت ذلك يا سلمان؟ 

قلت: نعم. قال: فأما الأولى: فإن الله تعالى فتح علي بها اليمن، وأما الثانية: فقد فتح الله الشام والمغرب، وأما الثالثة: فقد فتح الله بها المشرق. 

ولقد أخبر -صلى الله عليه وسلم-: سراقه بن جعشم بسواري کسری برويز بن هرمز قبل أن يلبسهما بستة عشر عامًا. وبشر المسلمين بقصور الحيرة وقصور المدائن وقصور الروم وقصور صنعاء. كما بشر عدي بن حاتم الطائي باتساع سلطان المسلمين حيث قال له: «فإن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتجل من الحيرة حتى تطوف الكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله»، رواه البخاري، ولقد ساق ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق: نحوًا من خمسين حديثًا تحت عنوان: تبشير المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام أمته المنصورة بافتتاح الشام.

فلم يكن السلب والنهب إذًا، ولم تكون القومية، فالإسلام كما ذكرنا رسالة عامة شاملة لا يفرق بين عربي وعجمي. وفي خطبة الوداع قال صلى الله عليه وسلم: «الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى» رواه البخاري. 

فالإسلام لا يعرف تعصبًا لجنس ولا ترفعًا للون، ولم يحدث قط في غير الفتوح الإسلامية -ولا تحت أي ظرف- أن قال الفاتحون للمفتوحة أراضيهم «لكم مالنا وعليكم ما علينا». 

أليس من أهم الأحداث أن تنتقل عاصمة الخلافة من مهبط الوحي ومن حرم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة المنورة إلى دمشق بالشام ثم إلى بغداد بالعراق وأن يقوم الحكم في الدولة العباسية على عناصر غير عربية، أكان من الممكن أن يحدث هذا لولا أن عقيدة الفاتحين لم تكن ترى بين الناس إلا المساواة كل المساواة ما داموا مسلمين. 

وأخيرًا فإن المعاهدات التي أبرمها المسلمون الفاتحون مع المهزومين -أهل البلاد المفتوحة- تكذب مزاعم هؤلاء الكتاب، فقد ورد في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: «أيما شيخ ضعيف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون علیه، طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله» (۳)

كما صرح الطبري وغيره من المؤرخين غير المسلمين أن الجزية التي كان يدفعها القادرون من أهل البلاد المفتوحة كانت تسقط عمن تطوع منهم للقتال مع المسلمين فهي بمثابة بدل الخدمة العسكرية.

(1) أحمد عباس صالح عن مقالاته بمجلة الكاتب، القاهرة يناير ١٩٦٥ وهي بعنوان الصراع بين اليمين واليسار في الإسلام.

(۲) عن كتاب مكاتيب الرسول تأليف علي الأحمدي طبعة بيروت جـ ١ ص٩٣ والطبقات الكبرى لابن سعد جـ ١ ص ٢٦٠ والكامل لابن الاثير جـ ٢ ص ٨١

(۳) الخراج لأبي يوسف ص ٥١ تاريخ الطبري جـ ٢ ص ٥٥٢ الطبري ٢٣٦/٣

الرابط المختصر :