العنوان اليأس وأثره المدمر في الدعوات
الكاتب شوقي محمود الأسطل
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
نتناول عبر هذه السطور خلقًا من الأخلاق المرذولة التي لا تليق بالمؤمن، وآفة من الآفات المدمرة في الأمم، والأفراد، والدعوات والتي استشرت وعظم خطرها في هذه الحقبة المظلمة التي تمر بها أمة الإسلام إذ غدت غثاء كغثاء السيل مع تداعي أمم الأرض عليها وطمعهم فيما لديها.
جاء في مختار الصحاح «اليأس» بمعنى القنوط، هذا في اللغة، أما في الإصطلاح فإن اليأس يعني استبعاد الفرج وصلاح الحال، وهو خلق دنيء ندد الله به وبأصحابه في كتابه فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ۸۷).
﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: ٥٦).
قال الفخر الرازي في تفسيره: «واعلم أن اليأس من رحمة الله لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات، وليس بكريم بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة وكل واحد منها كفر، ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرًا» (التفسير الكبير ج ۱۸ ص ۱۹9).
وقد روى عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله».
وإننا لنلحظ في سيرة المصلح الأعظم ﷺ حرصًا واضحًا على إبعاد أسباب هذا الداء عن نفوس أتباعه في الفترات الحرجة المظلمة التي كانت تمر بها دعوته، وذلك أن تسرب هذا المرض إلى النفوس كفيل بقتل العزائم وسحق الإرادات المنطلقة البناءة، وسيطرة روح الخور والعجز والانهزامية، لذا فقد كان يعمد إلى بث الأمل في النفوس وغرس روح التفاؤل في القلوب في جميع الظروف والأحوال العصيبة، فقد روى البخاري عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».
وموطن الشاهد من هذا الحديث بشارته عليه الصلاة والسلام للأصحاب الذين جاؤوا يشكون ما يلاقونه من شدة، بشارته بالنصر والتمكين لهذا الدين ولو بعد حين ليبقى الأمل في النفوس قائمًا ويبعد عنها شبح اليأس والاستكانة في ظل هذه المحنة التي تمر بها الدعوة قبل قيام الدولة وقوة الشوكة وعلو الراية.
إن هذه الروح المتفائلة لم تكن تفارقه عليه الصلاة والسلام حتى والدنيا عنه في إدبار ودعوته تواجه حرب الإبادة والحصار، فقد أورد ابن كثير في البداية والنهاية أن النبي ﷺ قد جاء يوم الخندق إلى سلمان وقد اعترضته صخرة ضعف عنها فقال: دعوني فأكون أول من ضربها. فقال: بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة، فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم، وما زال منافقو زماننا على نهج أسلافهم في العمل على بث روح الهزيمة والتخاذل والاستسلام في نفوس أبناء الأمة متذرعين بما تذرع به أساتذتهم من قبل كما في هذه القصة من سوء الأحوال وقوة العدو، وذلك لسوء ظنهم بمن أمره بين الكاف والنون الذي لا يعجزه شيء سبحانه.
والدارس للتاريخ يجد أن هذه الأمة قد مرت بأطوار من الضعف في فترات مختلفة وعصور متفرقة ولكنها نهضت من كبوتها فرفعت رأيتها، واستردت كرامتها، واستعادت أمجادها بعد أن اتجهت إلى ربها وتمسكت بمنهاجها، فعندما دنس الصليبيون بيت المقدس عام ٤٩٢هـ قتلوا فيه ما يزيد على السبعين ألفا وكان وقع الصدمة شديدًا على أمة الإسلام، يقول ابن الأثير: «وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد (دار الخلافة) فأوردوا في الديوان كلامًا أبكى العيون وأوجع القلوب، وقاموا بالجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكوا.. فلشدة ما أصابهم أفطروا.. فقال الشاعر أبو المظفر الأبيوردي في هذا المعنى مصورا الحال وكأنه يعيش بيننا اليوم:
وشر صلاح المرء دمع يفيضه
إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فهيا بني الإسلام إن وراءكم
وقائع يلحقن الذرى بالمناسم
أتهويمة في ظل أمن وغبطة
وعيش كنوار الخميلة ناعم
وكيف تنام العين، ملء جفونها
على هفوات أيقظت كل نائم
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم
ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم
تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
وكم من دماء قد أبيحت ومن دمي
توارى حياء حسنها بالمعاصم
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة
تظل لها الولد أن شيب القوادم
وتلك حروب من يغب عن غمارها
ليسلم يقرع بعدها سن نادم
ثم يسلط الضوء على ما وصلت إليه الأمة في زمنه من ذل وهوان وسكوت على الضيم ورضا بالواقع الأسود المر فيقول:
أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى
رماحهم والدين واهمي العزائم
ويجتنبون النار خوفًا من الردى
ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى
ويقضي على ذل كماة الأعاجم
فليتهم إذ لم يذودوا حمية
عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم
وإن زهدوا في الأجر إن حمي الوغى
فهلا أتوه رغبة في الغنائم
وبعد ذلك يحاول استنهاض الهمم وشحذ العزائم فيقول:
دعوناكم والحرب ترنو ملحة
إلينا بألحاظ النسور القشاعم
تراقب فينا غارة عربية
تطيل عليها الروم عض الأباهم
فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه
رمينا إلى أعدائنا بالجرائم
(انظر الكامل ج ۸ ص 189).
هذه القصيدة تحكي واقعًا عاشته هذه الأمة يومًا ثم عادت لتعيش مثيله اليوم، ولو أن الشاعر كان في عصرنا لربما لم يغير من قصيدته سوى اسم الأعداء فيضع اليهود بدل الإفرنج، ولكن هذا الواقع المرير جاء عليه حين من الدهر فإذا به يبدل تبديلًا وبعد مضي ما يقارب القرن من الزمان، ففي عام ٥٨٣هـ منّ الله على أمة الإسلام بفتح بيت المقدس ورفع راية التوحيد فوق الأقصى بعد طول غياب على يد القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي.
وكان يوم الفتح يومًا مشهودًا مؤثرًا، يقول ابن الأثير: «ولما كان الجمعة الأخرى رابع شعبان صلى المسلمون فيه الجمعة ومعهم صلاح الدين وكان الخطيب والإمام محيي الدين بن زكي قاضي دمشق الذي خطب في الناس خطبة سنية فصيحة بليغة ذكر فيها شرف بيت المقدس وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات، وكان أول ما قاله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 45).
وأرسل صلاح الدين لإحضار المنبر الذي كان نور الدين محمود قد عمله بحلب أملًا أن يكون الفتح في عهده، ولكن الأجل وافاه قبل تحقق الأمنية التي شاء الله أن تتحقق على يد صلاح الدين وبعد مدة طويلة في عمر الأفراد ولكنها قصيرة في عمر التاريخ وبعيدة في نظر السذج والذين لا يوقنون، وقريبة جدًّا في نظر الذين على ربهم يتوكلون ولنصره يرجون (للاستزادة انظر الكامل ج9 حوادث سنة ٥٨٣هـ).
فما من هزيمة في تاريخ هذه الأمة إلا وجاء بعدها نصر -بعد الأخذ بأسبابه- وما من ضيق إلا وتلاه فرج، وما من عسر إلا وتبعه يسر، وصدق الله إذ يقول: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف:۱۱۰).
فعلى أصحاب الدعوات الحقة في عصرنا دوام الحرص على إبعاد شبح هذا المرض الفتاك عن نفوس الأتباع، إذ إن آثاره المدمرة لا تحمد نتائجها ولا تؤمن عواقبها.
وختامًا فإنني أسوق هذه البشارة لتكون زادًا للعاملين الموقنين، وحجرًا في أفواه المرجفين من منافقي القرن العشرين، وهي بشارة صادرة عمن لا ينطق عن الهوى في الحديث الصحيح «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها» رواه مسلم.
(*) كاتب فلسطيني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل