العنوان الوهن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978
مشاهدات 93
نشر في العدد 403
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 11-يوليو-1978
سرعة القرار الذي اتخذته الجامعة العربية في الأسبوع الماضي بمقاطعة عدن سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وما رافق ذلك من أخبار توافدت عن حشودات سعودية ويمنية شمالية على حدود اليمن الجنوبي، أي ما يشكل التهديد العسكري المفاجئ نسبيًّا ضد أي تحرك أحمر خطير من الجنوب صوب منابع النفط أو مضائق الخليج يحمل في ظاهره تكتيكًا يعتمد على سرعة التحرك واستغلال الوقت.
- لإحكام القبضة العسكرية والسياسية والاقتصادية على تحركات الرفاق الجنوبيين، قبل وصول الإمدادات العسكرية والاقتصادية الروسية لعدن وقبل أن تتحول اليمن الجنوبية إلى كوبا أخرى في الجزيرة والخليج، تستطيع الوصول إلى النقاط الحساسة والقابلة للانفجار في المنطقة كقضية عمان وثوار ظفار وقضية المواجهة الحادة بين الحركات اليسارية القوية في الخليج وبين حكوماتهم، وما قد يرافق ذلك من إثارة الفتن الداخلية والبلبلة التي تمكن الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة من التدخل المباشر أو غير المباشر لحماية مصالحها وأتباعها في المنطقة مما يحيل المنطقة إلى جبهة لقاء ساخن بين الدول الاستعمارية؛ ومما يمكنها بالتالي من السيطرة وإثبات الوجود العسكري المخيف للأنظمة والدول الموجودة في هذه المنطقة الغنية بالنفط ومصادر الطاقة الأخرى. يعني باختصار إحكام القبضة على عدن قبل أن تتحول إلى كوبا أخرى تكون سببًا لتحويل المنطقة إلى منطقة صراع عسكري، يتيح للقوى الكبرى ممارسة نفوذها وسلطتها وبالتالي السيطرة على مقدرات المنطقة الاستراتيجية والاقتصادية.
- ولإجبار عدن على اتخاذ موقف أكثر لينًا تجاه جاراتها السعودية واليمن الشمالية مما يتيح فرصة أكبر للحوار وممارسة الضغط السياسي ويعطي وقتًا أطول لدراسة الموقف واتخاذ التحركات العسكرية المناسبة لحدة أو لين الوضع في المنطقة، فالموقف يختلف تمامًا إذا ما أعطيت عدنفرصة كافية دونما ضغط سياسي أو عسكري ليتسنى لها طلب المعونة العسكرية والاقتصادية من الاتحاد السوفييتي أو الدول الاشتراكية.
والمتتبع للأحداث العربية قبل التطورات الخطيرة في عدن وخاصة:
- الاستماتة العجيبة جدًّا من الدول العربية لدعم الدولار والإصرار علىعدم رفع سعر النفط مهما كانت الأسباب والظروف إلى درجة أن صرح مسؤول عربي كبير في دولة نفطية أن الدعم العربي للدولار الأمريكي لن يكون خاضعًا للعواطف وهو في ذلك يشير إلى التخاذل المخزي الذي أبدته الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية والذي كان يجب أن يكون من أكبر الأسباب التي تدعو العرب إلى التخلي عن مساندة الدولار وإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الانهيار.
- محاولة إظهار الصداقة الأمريكية للعرب وتضخيمها إعلاميًّا بشكل غير اعتيادي:
- وتمثل ذلك في الإشادة الإعلامية الضخمة لموافقة الكونجرس على صفقة الطائرات الحربية لمصر والسعودية مع أن الجميع يدركون الثغرات الفنية والسياسية في تلك الصفقة.
- إبراز نزاهة الأمريكان وضغطهم على إسرائيل المتمثل في الأسئلة الثلاثة التي وجهتها الولايات المتحدة لإسرائيل لاستجلاء رأيها بخصوص القضية الفلسطينية وكيف أن الولايات المتحدة لا تألوجهدًا في التعرف على أبعاد المشكلة ليتسنى لهم صياغة الحل العادل.
- محاولة استغلال التوجه المعتدل عند سالم ربيع رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية السابق والمتمثل في جهود السعودية بهذا الخصوص وزيارة مبعوث الرئيس الأمريكي لعدن والتي لم يكتب لها النجاح بسبب اغتيال سالم ربيع.
- ما أشيع من أن الحشود العسكرية للدول المجاورة لعدن بدأت قبل شهرين من الأحداث.
- عقد المؤتمرات الخاصة بأمن الخليج وما يتعلق بذلك.
- التغاضي عن الموقف المتعنت من العدو اليهودي حيال القضية الفلسطينية وبوادر الفشل التي بدأت تظهر يومًا بعد يوم لمبادرة السادات والجهود السلمية التي رائدتها الولايات المتحدة.. إلخ.
إن المتتبع لهذه الأحداث قد يستطيع تفسير السرعة الغريبة التي تم بها اتخاذ ذلك القرار الموحد ضد عدن.
هل حقق القرار نتائجه؟
- بعد صدور ذلك القرار كان على عدن وحليفتها الاتحاد السوفييتي أن تمارس اللعب على الورقة التي يخافها العرب وأن تحاول إزالة الضغوط المترتبة عليها بممارسة حرب نفسية ضد الدول العربية الأخرى وحدث أن:
- صرح المسؤولون اليمنيون الجنوبيون وعلى رأسهم علي ناصر أنهم لن يترددوا في التعاون مع الاتحاد السوفييتي وطلب المعونات منه ومن كوبا، بل إذا استمر العرب في مقاطعتهم فسيفكرون في دخول الكوميكون، السوق المشتركة للدول الاشتراكية.
- الاتحاد السوفييتي يشن حملة تهديدعلى السعودية ويحذرها من التدخل العسكري في النزاع بين اليمن الشمالية والجنوبية.
وفي نفس الوقت انطلقت التصريحات من مسؤولي عدن تبدي عن استعدادهم للحوار مع اليمن الشمالية والسعودية. صرح بذلك علي ناصر أيضا في جريدة السفير اللبنانية وكأنها خطوة من جانب الرفاق في عدن لمص النقمة من جانب الدول العربية ولتحسين نياتهم أمام الآخرين في محاولة لتهدئة الأوضاع؛ حتى يتسنى لهم هم أن يكسبوا الوقت في تحقيق الآمال والطموحات التي يسعون لها. إذن يمكننا القول بأن موقف الدول العربية من الأحداث في عدن والذي تميز بالصرامة والإعداد المسبق قد يأتي بعكس ما هو متوقع منه وذلك يتبدى لنا من:
- ترحيب عدن: التعاون مع السوفييت والكوبيين.
- محاولتهم تهدئة الأوضاع وكسب العواطف عن طريق الظهور بصورة الذين يدعون إلــــــى الحوار ويريدون الصلح.
وهذا سيؤدي بلا شك إلى أن توفق عدن في لعبتها الكبرى التي تعد لها.
ما العمل إذن؟
إن الوقوف بحزم لهذا الخطر الأحمر القادم من عدن ينبغي ألّا يقتصر على القرارات التي تتيح لعدن مزيدًا من التعاون مع السوفييت وتسهم في جرجرة المنطقة كلها في تبعيات أخرى للولايات المتحدة أو الصين أو أي دولة أوربية، إن ما حدث يعتبر تحولا عقائديًّا في فكر وسلوك عدن والتحول العقائدي والفكري لا بد أن يجابه بالعقيدة والفكر لا بالسيف والسياسة ومتى ما بقينا دون هوية عقائدية ولا انتماء فكري سلیم فسنظل نهبًا للآخرين لذلك يجب أن تكون أسس تخطيطنا لمجابهة هذا الخطر الأحمر وغيره من الأخطار المحيطة بنا منطلقة من :
- احترام الإنسان العربي المسلم وإعطائه دوره ليمارس صلاحياته في تقرير مصيره وتبيان الطريق السليم لنهضته وتقدمه بعيدًا عن التحالفات الشرقية أو الغربية.
- إعطاء الإسلام بصفته دين الأغلبية مجالًا أكبر ليمارس دوره مرة أخرى في توحيد الأمة وطبعها بالطابع العقائدي الذي يمكنها من مواجهة الأحداث بتصور واضح دون تخبط أو ارتجالية في اتخاذ القرارات.
- استثمار الثروات والموارد الطبيعية استثمارًا يعود بالفائدة للأمة غير خاضع للتقلبات السياسية والتبعيات على حساب الأمة وثروتها.
- وقف التبعية للشرق أو الغرب في كافة الجوانبالسياسية أو الاقتصادية أو الثقافية.
وإلا فمصيرنا الوهن الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم «تتكالب عليكم الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها» قالوا أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال «لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل ويصيبكم الوهن» قالوا وما الوهن يا رسول الله؟ قال «حب الدنيا وكراهية الموت» أو كما قال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل