; الوهم العربي الراهن.. سياسات العالم تمر عبر تل أبيب | مجلة المجتمع

العنوان الوهم العربي الراهن.. سياسات العالم تمر عبر تل أبيب

الكاتب خدمة قدس برس

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

مشاهدات 71

نشر في العدد 1376

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

* ضغوط أمريكية على منطقة المغرب العربي للتعجيل بالتطبيع مع إسرائيل.

* عجزت الإدارة الأمريكية عن فرض التطبيع على الدول العربية فلجأت إلى الأطراف ونقاط الضعف.

مثل إقدام «الجمهورية الإسلامية الموريتانية» على رفع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل إلى مستوى الاعتراف الكامل، وتبادل السفراء بين البلدين، سابقة سياسية في منطقة المغرب العربي، لا تزال تثير العديد من ردود الفعل الرسمية والشعبية، ولكن لماذا فعلت موريتانيا ذلك، وهل تمثل حالة متفردة.؟

بالإضافة إلى موريتانيا تقيم دولتان من دول المغرب العربي الخمس «ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا»، علاقة مع إسرائيل هما تونس والمغرب الأقصى، اللتان يمثلهما مكتبان لرعاية المصالح في تل أبيب، في حين يوجد مكتبان إسرائيليان في كل من تونس والرباط.

وأما الجزائر التي لا تعترف بإسرائيل رسميًّا، فقد سبق لرئيسها عبد العزيز بوتفليقة أن صافح رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك، وتحدثت صحف إسرائيلية عن لقاء تم في إسبانيا بين بوتفليقة وشيمون بيريز وزير التعاون الدولي يف الحكومة الإسرائيلية، وتبقى الجماهيرية الليبية الوحيدة في المغرب العربي التي ترفض بشدة أي علاقة مع الدولة العبرية، وهاجمت ليبيا الخطوة الموريتانية بعنف ودعت إلى طرد موريتانيا من اتحاد المغرب العربي، وهو الأمر الذي يتوقع أن يكون له تأثير بارز على الاتحاد المغاربي الذي يشكو بطبيعته من ركود كبير في مؤسساته بفعل الخلافات الحادة بين الدول الأعضاء في قضايا عديدة، ويرجع المحللون تسارع علاقات بعض الدول المغاربية مع إسرائيل إلى ضغوط أمريكية قوية تمارسها الإدارة الأمريكية على هذه الدول من أجل دفع مسار التطبيع قدمًا إلى الأمام، وخاصة بعد وصول رئيس الحكومة الإسرائيلية العمالي إيهود باراك إلى السلطة.

ويربط محللون في المغرب العربي موضوع العلاقة مع إسرائيل بعرض للشراكة الاقتصادية تقدم به الولايات المتحدة للعواصم المؤثرة في دول الاتحاد المغاربي، ويقوم العرض الأمريكي على شراكة اقتصادية بين دول الاتحاد المغاربي الأساسية ككيان جماعي في مقابل الولايات المتحدة، في حين يعرض الاتحاد الأوروبي على الدول المغاربية لشراكة فردية، توقعها كل دول على حدة مع الاتحاد.

ويرى محمد عبد الحكم دياب- وهو كاتب مصري- أن القرار الموريتاني بتبادل السفراء مع إسرائيل يأتي في إطار حالة عربية عامة، يتسابق فيها العرب على محورين: الأول إرضاء الولايات المتحدة بأي شكل، والمحور الثاني يقوم على تصور أن إرضاء إسرائيل هو المدخل لإرضاء الولايات المتحدة. ويضيف: إن الولايات المتحدة تسغل الوضع العربي لترسيخ أقدام إسرائيل في المنطقة.

ويرفض دياب تبرير القرار الموريتاني بالفقر والتهميش الذي تعاني منه البلاد، وقال: إن هذا المشكل يمكن حله في إطار الاتحاد المغاربي أو في الإطار العربي العام، وإن هذا التبرير ليس أكثر من ذريعة واهية للإقدام على هذه الخطوة، واعتبر الحديث عن الحاجة الاقتصادية كمبرر للعلاقة بإسرائيل من نوع «عذر أقبح من ذنب».

وأعرب دياب عن خشيته من استفادة شرائح صغيرة ملتصقة بالسلطة من تمتين العلاقات مع إسرائيل وأمريكا، بما يؤدي إلى إحداث خلل عام في العلاقات الاجتماعية في البلاد.

وقال عبد الحكيم دياب: إن الضغط الأمريكي على منطقة المغرب العربي من أجل التطبيع مع إسرائيل ذو صلة بالمنافسة الأوروبية على المنطقة المغاربية. وشدد دياب على أن الاتحاد الأوروبي يولي اهتمامًا خاصًّا لدول الاتحاد المغاربي، باعتبارها هي الأقرب جغرافيًّا إلى أوروبا، وباعتبارها امتدادًا لها في نظر الأوروبيين. وقال إن الخلاف بين أوروبا وأمريكا حول المغرب العربي أخذ يحتد في الفترة الأخيرة، وتضغط واشنطن بقوة على دول المغرب العربي لتسير بكاملها في الركب الأمريكي.

وشدد دياب على أن أمريكا تستعمل ورقة العلاقات الاقتصادية مع المغرب العربي لإحداث تحول لصالح إسرائيل قبل تحقيق السلام العادل والشامل.

أما الجزائر، فهي تلوح بالورقة الأمريكية والإسرائيلية بين الحين والحين للضغط على أوروبا، على الرغم من أنه من المستبعد أن تقيم قريبًا علاقة دبلوماسية مع إسرائيل.

أما رفيق عبد السلام- الباحث في جامعة ويستمنستر ورئيس منبر لندن للحوار- فقال: إن الإدارة الأمريكية عجزت حتى الآن عن فرض خيار التطبيع على الأقطار العربية الكبرى، ولذلك فإنها عمدت إلى الأطراف من أجل اختراق الصف العربي والضغط عليه من خلال دولة صغيرة وضعيفة مثل موريتانيا.

وقال عبد السلام: إن ضغوطًا هائلة مورست على موريتانيا في قضية التمييز العنصري ضد الزنوج، لابتزاز الساسة الموريتانيين بقوة، وقال: إن الإغراء بتحسن الوضع الاقتصادي كان سببًا في «هرولة» الحكومة الموريتانية نحو إسرائيل، لكن التطبيع لم يجلب على أي بلد أقام علاقات مع تل أبيب تحسنًا في وضعه الاقتصادي. وأكد عبد السلام أن إسرائيل لجأت إلى إقامة علاقات مع دول المغرب العربي لمحاصرة دول المشرق العربي الكبرى، واعتبر أن نهاية هذا الخيار هي إضعاف الأقطار العربية الكبرى والصغرى وفرض سياسة الأمر الواقع على كل الدول العربية مجتمعة أو متفرقة.

نظرة ضيقة

وقال عبد السلام: إن النظرة الاقتصادية الضيقة قد تفصل الشراكة مع أمريكا لأنها شراكة بين الاتحاد المغاربي ككيان موحد ووأمريكا كطرف مقابل، ولكن النظرة الاستراتيجية تكشف حقائق أخرى تتمثل في بسط الهيمنة الأمريكية على المنطقة المغاربية، فضلًا عن أن هذه الشراكة تتم بين أقطار هشة على المستوى الاقتصادي وبين عملاق اقتصادي كبير، وهو ما يجعل الاتفاقية لصالح أمريكا في النهاية.

وبحكم الترابط بين البعدين الاقتصادي والسياسي. فإن أي اتفاقية اقتصادية هي في نهاية الأمر تمهيد للنفوذ الأمريكي وللسياسة الخارجية الأمريكية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتمكين للهيمنة والمصالح الإسرائيلية، وأي اتفاقية مع أمريكا سواء كانت من طبيعة اقتصادية أو سياسية فإنها تحمل في طياتها تمهيد الأرض أمام النفوذ الإسرائيلي.

أما الدبلوماسي الجزائري السابق محمد العربي زيتوت فيرى أن «حالة الضعف التي يعيشها الحكم الجزائري ووضع الصراع على السلطة بين الجنرالات جعلته يبحث عن الدعم الخارجي، حتى ولو جاء من إسرائيل، ويقول زيتوت لـ «قد برس»: إن الانتقال الذي حصل في الجزائر من الأمين زروال إلى بوتفليقة يأتي في إطار دعم خارجي أكبر من قبل القوى الكبرى للنظام الجزائري.

وقال زيتوت: إن الماسكين بحظوظ السلطة في الجزائر يعقتدون اعتقادًا راسخًا أن الوصول إلى «قلب» الدول الكبرى يمر عبر طريق تل أبيب، وأنه لا يوجد هناك أي طريق آخر موصل».

وشدد زيتوت على أن الجزائر كان لها نوع من العلاقة مع إسرائيل، إلا أنه ظل سريًّا خشية رد الفعل الشعبي. وقال: إن وزير الخارجية الجزائري السابق محمد صالح دنبري التقى شيمون بيريز وقت أن كان وزيرًا للخارجية بشكل سري، فلم أعلنت إسرايل النبأ كذبته السلطة الجزائرية، وقال زيتوت: «كنت في تلك الفترة أعمل في السلك الدبلوماسي وكنت أعلم أن الخبر كان صحيحًا». وأكد أن الجزائر ارتدت عن شعارها الشهير الذي صاغته في السبعينيات: «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة»، وقال: إن الرئيس بوتفليقة الذي كان في تلك الفترة على رأس الخارجية الجزائرية التي صاغت هذا الشعار تحول الآن إلى الضفة الأخرى.

بوابة تل أبيب

وكشف عن أن الرئيس بوتفليقة لما زار الولايات المتحدة مؤخرًا، التقى رموز الجالية اليهودية، وقيل له: إذا أردت أن تفتح لك أبواب العالم، فما عليك إلا أن تدخل من باب تل أبيب.

وعن موضوع الشراكة الاقتصادية مع أمريكا أو أوروبا قال زيتوت: إن منطقة المغرب العربي مرشحة لكي تزداد أهميتها في القرن المقل بما يساوي أهمية الشرق الأوسط، وأضاف أن أهمية هذه المنطقة نابعة من أهمية ثرواتها، فضلًا عن كونها تمثل الشاطئ الجنوبي لأوروبا، وقال زيتوت: إن الصراع في القرن القادم سيكون مثل الصراع في بداية هذا القرن اقتصاديًّا بين أوروبا وأمريكا، أي صراع داخل المنظومة الرأسمالية ذاتها، وأشار إلى أن الولايات المتحدة تريد إنشاء حزام جديد لمواجهة أوروبا ومحاصرتها، ولذلك فإنها تعمل على صياغة المغرب العربي وفق مخططاتها ووفق أهدافها.

وفي ما يخص موريتانيا أرجع زيتوت إقامتها علاقة كاملة مع إسرائيل إلى أسباب متعددة منها خشية النظام الموريتاني مما قال إنه مطامع التوسع المغربي، وضغط اللوبي الأسود لإضعاف موريتانيا نتيجة لما يسمى سوق العبيد واحتقار السود فيها، دون أن ينسى الحديث عن فقر البلاد كعامل من عوامل اتجاهها نحو التطبيع مع إسرائيل.

وقال زيتوت: إن النظام الحاكم في موريتانيا ضعيف، وهو يعتقد أن العلاقات مع إسرائيل سوف تخفف عنه الكثير من ضغوط اللوبيات السوداء، وسوف تدعمه تجاه المغرب، وتوقع أن تدفع إسرائيل أموالًا لرموز النظام الموريتاني في حساباتهم الخاصة، وربما القليل من المعونة الاقتصادية، إلى البلد.

وفي القاهرة أكد خبراء ومحللون سياسيون مصريون، أن قيام موريتانيا بالتطبع مع إسرائيل، جاء نتيجة ضغوط كبيرة تولتها الإدارة الأمريكية الحالية، مستغلة حالة الفقر وتدهور سجل حقوق الإنسان في نواكشوت، ورغبة الأخيرة في مد يد العون لها، خوفًا من عقوبات طالبت بها منظمات حقوقية دولية بسبب سياسة تعذيب المواطنين والاعتقالات المستمرة والتمييز العنصري ضد السود. وأكد الخبراء والمحللون أنه تم التركيز على موريتانيا لتكون الدولة العربية الثالثة التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بسبب رغبة الإسرائيلييين في تخزين مواد نووية في صحراء موريتانيا الشاسعة، وأن دفن النفايات النووية الإسرائلية سيكون ثمرة هذا التطبيع الجديد. كما أشاروا إلى أن هناك خططًا أمريكية وإسرائيلية للالتفاف على الدول العربية، ودفعها للتطبيع مع الدول العبرية، وبالتالي مشيرين إلى أن هناك دولًا عربية ثقيلة في طريقة للتطبيع مع إسرائيل.

ويقول الدكتور وحيد عبد المجيد نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام: إن خطوة التطبيع بين نواكشط وتل أبيب كانت متوقعة لأن هناك مقدمات لهذا التوجه على المستوى العربي منذ عدة أشهر، ولو اقتصر الأمر على موريتانيا فلا خطورة، لكن دولًا عربية أكثر ثقلًا، وأخطر تأثيرًا في المنطقة في طريقها للتطبيع مع الدولة العبرية مثل: الجزائر واليمن وغيرها، مما يعكس في جوهره اختلال السياسات العربية العامة، فيما يتعلق بأسلوب إدارة الصراع مع إسرائيل منذ بديته قبل أكثر من خمسين عامًا، حيث جاءت هزيمة العرب من داخلهم بسبب عدم وجود أساس ديمقراطي يسمح بالاعتراض على ما تقوم به الحكومات، واحتكار السلطة من قبل مجموعات صغيرة.

وقال عبد المجيد: إن الخطوة الموريتانية ليست معزولة عن السياق العام الذي تسعى من خلاله أنظمة حاكمة في العالم العربي والإسلامي إلى تسليم الأمة العربية والإسلامية إلى إسرائيل لافتًا الانتباه إلى أن بعض هذه النظم التي تهرول نحو التطبيع وإقامة العلاقات مع الإسرائيليين هي التي كانت توهمنا أنها تتولى رفع لواء الصمود والتصدي، حسب تعبيره، ويلقي اللواء طلعت مسلم الخبير الاستراتيجي باللوم على إقدام مصر على التطبيع أولًا، ويعتبر أن تطبيع مصر مع إسرائيل هو الذي يدفع بقية الدول العربية إلى إقامة علاقات معها.

ويكشف سيد الشامي الباحث في الشوؤن الإفريقية أن الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيدي أحمد الطايع قام بإقالة رئيس الوزراء السابق محمد الأمين وثلاثة وزراء معه، من الرافضين للتطبيع مع إسرائيل، وكلف رئيس الوزراء الحالي الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية استعدادًا لمثل هذه الخطوة، إذ إن رئيس الوزراء الجديد سبق أن زار إسرائيل في أعقاب توقيع اتفاق واي، وكان هذا أول وأسرع تجاوب عربي مع الضغوط الأمريكية التي تهدف للإسراع بعملية التطبيع.

الضغوط الأمريكية

ويرى الشامي أن نواكشوط سعت للتطبيع بسبب كثافة الضغوط الأمريكية عليها، وطمعًا في المعونات والقروض الأمريكية، بعدما بلغت ديونها أكثر من ثلاثة مليارات دولار، وبلغت نسبة البطالة 30% من اليد العاملة، وتزايدت ضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين للإصلاح الهيكلي.

ويؤكد اللواء وجيه عفيفي الخبير الإسترتيجي ومدير المركز العربي للدراسات الاستراتيجية أن إسرائيل تسعى إلى إثارة المنطقة العربية من خلال الضغط المستمر، بزعم تحقيق السلام المزعوم، وبهدف رئيس هو تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع كل الدول العربية، بدعوى أن الصراع العربي- الإسرائيلي الذي استمر أكثر من نصف قرن قد انتهى إلى غير رجعة، وأن السلام بالمفهوم الإسرائيلي قد تحقق.

وقال: إن موريتانيا كإحدى دول المنطقة تمثل موقعًا استراتيجيًّا مهمًّا على المحيط الأطلنطي، وتمثل المنفذ الغربي لاختراق معظم الدول الإسلامية داخل المنطقة الإفريقية. وقد سعت إسرائيل لتطبيع العلاقات معها بدعوى أن إسرائيل تهتم بدول المنطقة الإفريقية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل