; الولايات المتحدة تتفاوض بوسائل الترهيب والترغيب مع القبائل- إسلاميو الصومال .. وواشنطن.. وجهًا لوجه! | مجلة المجتمع

العنوان الولايات المتحدة تتفاوض بوسائل الترهيب والترغيب مع القبائل- إسلاميو الصومال .. وواشنطن.. وجهًا لوجه!

الكاتب عبدي يوسف

تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1703

نشر في الصفحة 32

السبت 27-مايو-2006

• أمراء الحرب يعدون لجولة جديدة من القتال بدعم من واشنطن للقضاء على المحاكم الإسلامية ومحو عار الهزيمة التي لحقت بهم في الجولات السابقة!

• واشنطن تلوح بالمال لاستمالة القبائل لإقناعها بالتخلي الكامل عن تأييد وحماية المحاكم الإسلامية

• الانتماء القبلي والدعم الشعبي المتزايد يوفران القوة الدفاعية للمحاكم الإسلامية في المواجهة

• زعماء الحرب التقليديون تلقوا أموالاً طائلة من السي آي إيه بهدف اعتقال عناصر إسلامية صومالية

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد التورط عسكريًّا مرة أخرى في الصومال, ومن ثم أوعزت إلى جهاز استخباراتها بتبني سياسة تقديم الرشاوى المالية لاستقطاب القبائل الصومالية من أجل فض التعاون مع الإسلاميين, الذين تروج واشنطن أنهم يخططون لأعمال إرهابية ضد مصالحها في المنطقة.

وذكرت مصادر مطلعة أنه منذ فترة ليست ببعيدة تجرى اتصالات رسمية في العاصمة الكينية نيروبي بين عناصر من وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA وممثلين عن قبيلة «عير» -وهي من أكبر القبائل المؤيدة للمحاكم الإسلامية في العاصمة مقديشو- بهدف إقناع هذه المحاكم بتخليها ورفع حمايتها عن بعض القيادات الإسلامية التي تتهمها واشنطن بعلاقات مع القاعدة، إذ تؤوي -وفق تقارير استخباراتية أمريكية- ثلاثة من أعضاء تنظيم القاعدة المتهمين بالضلوع في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام ١٩٩٨م.

تعاون كامل

كما تطالب الولايات المتحدة قبيلة عير بالتعاون مع الأمريكيين بشكل كامل في محاربتها ما يسمى بالإرهاب في الصومال!

هذا وقد أكدت مصادر صومالية قريبة للمفاوضات أن المحادثات المنعقدة من قبل المسؤولين الأمريكيين والقبيلة الصومالية التي أجريت بشكل مكثف في نيروبي دخلت مراحل صعبة، وتدور نقاط الخلاف الأساسية حول نظرة كل منهما تجاه المحاكم الإسلامية ودورها في الصومال, ففي حين ترى واشنطن أن قيادات المحاكم الإسلامية ما هي إلا شخصيات شريرة تسعى للسيطرة على البلاد وإقامة حكم إسلامي متشدد على غرار نظام حركة طالبان في أفغانستان، كما يقومون بإيواء عناصر «إرهابية» تنتمي إلى تنظيم القاعدة، وكذلك تدريب مقاتلين أجانب على الأراضي الصومالية, أما الجانب الصومالي المتمثل في قبيلة «عير» فينظر إلى المسألة من زاوية أخرى تنفي كل هذه التهم؛ حيث يرون أن المحاكم الإسلامية ما هي إلا تجمعات عشائرية هدفها القضاء على الفوضى العارمة التي تمر بها البلاد منذ الإطاحة بحكومة محمد سياد بري عام ۱۹۹۱م، كما تسعى لاستعادة الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، وتؤكد قبيلة «عير» أن هذه المحاكم تعمل وفق إرادة شعبية كاملة، وأنها ظهرت بعد فقدان الأمل وعجز الحكومة الانتقالية عن القيام بمهامها الدستورية, بسبب غطرسة زعماء الحرب وعنادهم المستمر.

ثلاث جولات

ويرى المراقبون أن الاتصالات الأمريكية مع بعض القبائل الصومالية تتم بعد أن توالت الهزائم على تحالف محاربة الإرهاب المدعوم أمريكيًّا في ثلاث جولات من الحرب في مقديشو, حيث فقد التحالف خلالها مناطق مهمة منها مطاران: أحدهما في جنوب العاصمة وآخر يقع شمال مقديشو, وكانا تحت إمرة هذا التحالف، ويتم عبرهما ترحيل الإسلاميين وتسليمهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وهناك مؤشرات قوية بأن الإسلاميين الصوماليين يحققون نجاحات متواصلة ميدانيًّا، حيث أكدت تقارير دولية عدة هذا الأمر، ومنها ما أفاده تقرير أعدته مجموعة الأزمات الدولية ICG في ديسمبر عام ۲۰۰۵م, والذي ذكر أن المحاكم الإسلامية تنتشر في مقديشو بشكل غير مسبوق منذ عام ٢٠٠٤م وباتت تسيطر على ٨٠٪ من العاصمة الصومالية، وهذا ما أكده أيضًا تقرير أصدرته مجموعة خبراء من الأمم المتحدة تابعة لمنظمة دولية تراقب تطبيق الحظر المفروض على تصدير الأسلحة إلى الصومال.

ويفسر البعض تنامي دور المحاكم الإسلامية وتزايد شعبيتها بهذه السرعة بمدى كراهية الصوماليين للولايات المتحدة؛ بسبب سياساتها حيال القضايا العربية والإسلامية, مثل: فلسطين والعراق والسودان وغيرها، وكذلك الغضب الشعبي الذي نتج عن التأييد الأمريكي لـ«بارونات الحرب» في الصومال, حيث يرى الغالبية أن هؤلاء البارونات هم الإرهابيون الحقيقيون, الذين تورطوا في قتل وتشريد آلاف من الصوماليين خلال فترات طويلة، حيث يقودون الحرب الأهلية في البلاد .

عناصر إسلامية

وبالتزامن مع السعي الأمريكي الحثيث لاستقطاب القبائل الكبرى والتي تساند المحاكم الإسلامية في مقديشو -أبرزهم في هذه المرحلة قبيلة «عير»- تكثف قيادات المحاكم الإسلامية من جانبها التحرك بهدف تأمين استمرار تأييد القبائل لها.

وتحاول المحاكم الإسلامية جاهدة إبقاء تأثيرها ونفوذها عن طريق قياداتها التي تحافظ على توجهاتها، حيث لجأت هذه القيادات الإسلامية وأبرزهم حسن طاهر أويس -المرشد الروحي للمحاكم وأحد أبناء قبيلة عير- إلى إلقاء خطب ملتهبة عبر وسائل الإعلام؛ لتأجيج العاطفة الإسلامية لدى المواطنين، وحثهم على محاربة الأمريكان وعملائهم، في إشارة إلى تحالف محاربة الإرهاب.

كما يواصل هؤلاء الإسلاميون عقد لقاءات مع زعماء العشائر لمحاولة تبديد الشكوك لديهم حول ما أثير بشأن علاقتهم بجهات خارجية، من بينها تنظيم القاعدة، كما ذكرت واشنطن. 

والجدير بالإشارة أن العامل القبلي هو الأهم في تشكيلة المحاكم الإسلامية في الصومال، ويمثل اتحاد المحاكم -القائم في البلاد حاليًّا- حوالي ۱۱ عشيرة من قبيلة «الهوية»، وهي من أكبر القبائل في الصومال, والتي يقطن أبناؤها الوسط وأجزاء من جنوب البلاد. 

ومن هنا نجد أن الانتماء القبلي هو الذي يوفر القوة الدفاعية للمحاكم الإسلامية في مواجهاتها مع تحالف محاربة الإرهاب, الذي يضم مجموعة من زعماء الحرب التقليديين الذين يقال: إنهم تلقوا أموالًا طائلة من وكالة المخابرات الأمريكية، بهدف اعتقال عناصر إسلامية صومالية وأجنبية, وفق ما أكدته بعض تقارير صحفية أمريكية.

العقاب الأمريكي

كذلك صدرت تلميحات من بعض المسؤولين الأمريكيين في هذا الخصوص, أوضحها ما جاء على لسان مساعدة وزيرة الخارجية في الشؤون الإفريقية في قولها: «إن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن حلفاء لمحاربة القاعدة والعناصر الإرهابية في منطقة القرن الإفريقي». 

ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم كل الوسائل من أجل ترغيب وترهيب هذه القبيلة، فمن جهة تلوح واشنطن بالمال لاستمالة هذه القبيلة وغيرها لإقناعها بالتخلي الكامل عن المحاكم والتيارات الإسلامية من أبناء قبيلتهم المتعاطفين مع الإسلاميين المطلوبين لديها، بل وأن تتعاون بشكل كامل في مساعيها لمحاربة الإرهاب في المنطقة، ومن جهة ثانية تلوح أمريكا بعصا غليظة حيث تهدد بإنزال العقاب الأمريكي إذا ما لم يستجيبوا للمطالب الأمريكية في هذا الخصوص!

ولعل التصريحات التي أدلى بها أجاس عبدي طاهر الزعيم التقليدي لهذه القبيلة في نيروبي -بعد المفاوضات المطولة التي أجراها مع المسؤولين الأمريكيين هناك- تشير إلى حقيقة الموقف، حيث ذكر أن قبيلته لا تعادي واشنطن ولا تفكر في مجابهة المساعي الأمريكية لمحاربة الإرهاب في المنطقة!

ومن الصعوبة بمكان أن يتكهن المرء بما سوف تسفر عنه هذه الاتصالات التي تجريها الولايات المتحدة مع شيوخ القبائل الصومالية، وفي مقدمتها قبيلة «عير»، ولكن الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان هو أن انتصارات المحاكم الإسلامية في هذه المرحلة تتوقف على مدى قربها من هذه القبائل والتأثير عليها، وأن نفوذها سوف يكون محدودًا لا محالة في أية لحظة تفقد فيها الثقة الشعبية التي تحدد ولاءها والانتماء القبلي، خاصة أن الأجواء في مقديشو لا تزال مرشحة لمزيد من الاقتتال؛ حيث يبدو تحالف مكافحة الإرهاب مصممًا على القضاء على المحاكم الإسلامية ومسح عار الهزيمة التي لحقت في الجولات السابقة من الحرب.

الرابط المختصر :