العنوان الوعي الحضاري.. الوقود الحقيقي لحركة العمران
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006
مشاهدات 64
نشر في العدد 1723
نشر في الصفحة 66
السبت 14-أكتوبر-2006
مفهوم الوعي الحضاري -من وجهة نظري- ينبغي أن يتحول إلى مشروع عملي نخاطب فيه العقل المسلم بإعادة قراءة الشريعة الإسلامية التي جاءت بالإشهاد على الناس من خلال سماحة الشرع، وتقدميه أحكامه ودوره في علاج مشكلات المجتمعات والنهوض بأفراده، والسبب في البدء بالوعي أنه أساس الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض، ومحركه إلى العمل ودافعه للتغيير، كما أن الوعي هو اللهب المشعل للإرادة المنتجة، ولا يمكن لأمة من الأمم أن تتحضر إلا بفكرة تنطبع في أذهان أصحابها إلى درجة الاعتقاد الجازم المفضي إلى البناء المشترك والعمران الحضاري، وفي هذا يقول مالك بن نبي: «إن حضارة ما هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ، وهو ما أثبته «توينبي» من دور عظيم للفكرة -وبالذات الدينية- من أثر في تأسيس الحضارات؛ لذلك كان التركيز على إعادة إظهار هذه الفكرة بتوعية المسلمين بها وتعميقها في أذهانهم وأنفسهم، كما نطق بها القرآن الكريم في قوله -تعالى-: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (سورة آل عمران: 110)، وفي قوله -سبحانه-: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: 143) وهو الدور الذي قام به النبي -عليه الصلاة والسلام- في البناء الحضاري العظيم الذي أسسه في المدينة، وانطلق إلى أصقاع الأرض، وهذا الوضوح في الفكرة قد نطق به ربعي بن عامر إجابة على سؤال رستم له عن سبب هذه الحركة التغييرية التي تقومون بها، فقال له ربعي: «إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».
فالوعي هو الوقود الحقيقي لحركة العمران التي انطفأت في الأمة منذ قرون، ولا بد من إشعال جذوة هذا الوعي كي يدركه كل مسلم، وينطلق من خلاله إلى الإصلاح والتغيير، فالمشروع يهدف إلى الإسهام في تنوير الوعي بهذا الدور، وإصلاح الذهن لهذه الانطلاقة الحضارية، ولعل أهم الدواعي للحديث عن الوعي الحضاري ما يلي من مبررات وأسباب:
1-لا يخفى على أحد قوة المد العولمي بكل آلآته الإعلامية والثقافية والاقتصادية والسياسية، فقد بدأ يغزو كل مجتمع ويذيب كل الثقافات والفروقات تحت تأثير أنموذج غربي ينبغي أن يسود وحده، ويؤثر في الجميع، وبالتالي ظهرت أجيال من المسلمين منسلخة عن شريعتها منبهرة بـ«عجل السامري» تحتاج إلى إفاقة واعية تبحث في دينها العظيم عن مكامن ثباتها واعتزازها وعلوها على سائر الأمم، بدلًا من الانهزام النفسي الذي تعيشه أجيال اليوم.
2-الضعف والانحطاط في البلاد الإسلامية في جميع الميادين الحياتية مما جعل هناك حالة يأس في الأنفس من النهوض مرة أخرى، وحالة شك من أن
نملك أدوات التحضر المنشود.
٣-المحاولات الإصلاحية التي أغفلت التركيز على الوعي الحضاري، وكون الإسلام رسالة تحمل الهداية والرحمة والتقدم للكون والإنسان وذلك بالبدء، إما بالعمل السياسي المجرد أو العمل التراثي العلمي، أو التزكية والتحلية للنفس والروح، أو العمل القتالي كوسيلة للنهوض بالأمة إلى غيرها من اجتهادات كانت تنحو إلى جعلها هي مدار الدين ومرتكز التغيير، في حين لا يزال الوعي بالشريعة منحصرًا في تلك الزوايا، غافلًا تلك المعاني الأخرى، فالمرحلة الحالية تحتاج إلى زرع الثقة بالدين، وترتيب العقل المسلم، وتشكيل ذهنه نحو القابلية لهذا التحضر، ودفعه إلى ميادينها المتنوعة والمتكاملة كشريعة واحدة لا كمذاهب متفرقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل