; الوعي الاعلامي المفقود | مجلة المجتمع

العنوان الوعي الاعلامي المفقود

الكاتب مدبولي عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996

مشاهدات 3

نشر في العدد 1184

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 16-يناير-1996

ومضة

إعداد: د. مبارك عبد الله

الحديث عن إمكانيات الخصوم، وتقدير حجم قدراتهم، كخطوة في طريق إعداد العدة لمواجهتهم، بما يكافئ قوتهم، ويتصدى لمشاريعهم العدوانية، نوع من التفكير العملي، الذي يأخذ بالاعتبار معرفة كل المؤهلات والوسائل التي يتمتع بها العدو، ويحسب حسابًا دقيقًا لكل الأدوات التي يمكن أن يستخدمها أثناء حشده لحربنا.

أما الحديث الذي يعكس حالة الهلع التي يعيشها الإنسان، من قوة عدوه وأسلحته المركومة أو الموهومة، واستحالة مواجهته والصمود عند لقائه فضلًا عن التغلب عليه، وإرغامه على التسليم.. فهو تعبير عن الانهيار المعنوي الذي يعني تصدع القوة الذاتية، ويدل على مقدار الهزيمة النفسية، التي أصابته من جراء تعامله مع المخاوف، واستجابته الغريزية للأوهام.

ذلك أن الواقعية لا تعني بالضرورة الاستسلام للواقع، بقدر ما تعني الإمساك بتلابيبه في محاولة للانتقال به إلى الأفضل، والعمل على تذليله وتحويله، بعد انتشاله من الهوة التي أوصلته إليها عوامل قاسية، وظروف غير طبيعية.. وهذا هو الفارق بين واقعية العمران، وواقعية الذوبان، بين تطلع وطموح الأولى، وتخاذل وانهزامية الثانية.

هذا خالد بن الوليد يستمع إلى من يحدثه عن كثرة عدد الروم وقلة عدد المسلمين فيجيبه قائلًا: «بئس ما قلت، بل قل: ما أقل الروم وأكثر العرب! إنما يكثر الجند بالنصر، ويقلون بالخذلان..».

هذه الواقعية الفاعلة، حصيلة معنويات عالية، أسهم في تكوينها: إيمان دافع، ومواهب مميزة، وانتصارات رائعة، فهل تنفعنا دروس الماضي في إعداد الحاضر، وتأهيله لبناء المستقبل المشرق؟

الوعي الإعلامي المفقود

تشكيل الوعي لدى الشعوب، أو إعادة صياغته من المهام الأساسية لوسائل الإعلام، سواء كان إعلامًا حُرًا، أو موجَّهًا. ولتنفيذ هذه المهمة الصعبة ينبغي أن يكون لدى القائمين على العملية الإعلامية وعي كامل بقضايا أمتهم، وأن يمتلكوا تصورًا واضحًا لواقع وطموحات شعوبهم، وأن يكونوا من ذوي الدراية الكافية بالأهداف الكبرى لهذه الشعوب، وكذلك بالأهداف المرحلية، دون أن تستغرقهم التفاصيل الدقيقة، وتنسيهم الأهداف الكبرى.

وبالنظر إلى الواقع الإعلامي العربي والإسلامي نجد أن هناك تخبطًا واختلاطًا كبيرين، فليس هناك خطط واضحة للحفاظ على مقومات وحضارة الأمة، ولا يوجد أي تصور واضح للأهداف المنشودة ولتحديد هوية الأمة، وبناء شخصيتها، وحتى لا تكون مجرد كيان هلامي يذوب بالسعي المحموم من جانب كثير من وسائلنا الإعلامية لتكريس النموذج الغربي كمنهاج للحياة، غير عابئة بالآثار السيئة لسلوكها هذا على حاضر ومستقبل الشعوب العربية والإسلامية والتي نستطيع القول إنها -وبسبب وسائل الإعلام- تقف في مفترق الطرق؛ فلا هي استطاعت أن تعيش النموذج الغربي، ولا هي حافظت على هويتها وتمسكت بجذورها. والأكثر من هذا أن الغرب يلفظهم، ولا يرضى أن تكون هذه الأمة التي كانت حتى عهد قريب «مستعمرة» أن تقف على قدم المساواة مع الأمم السيدة، والأدلة على ذلك واضحة في النعرات العنصرية -عالية الصوت حاليًا- في أوروبا وأمريكا، وفي رفض المجموعة الأوروبية السماح لغير الأوروبيين بالانضمام إليها.

وهذا هو الواقع الذي لا يستطيع أن ينكره هؤلاء المروجون لمناهج التقليد، بل ويدركه تمامًا الذين خلعوا جنسياتهم الإسلامية، ولغتهم العربية، وارتضوا أن يعيشوا مجرد أذناب، وقنعوا بموقع المؤخرة في المجتمعات التي تظن أنها متقدمة، غافلين أن الحضارة ليست مرادفًا للتقدم المادي ولكنها بالدرجة الأولى مجموعة القيم والأخلاق والموروثات التاريخية التي تحكم هذا التقدم.

ويتأمل غياب الوعي الإعلامي في معالجة القضايا في جانبين:

  • الجانب الأول: بعدم التطرق إليها -تنفيذًا لأوامر عليا- في الوقت الذي يترك فيه الأفراد فريسة لأجهزة الإعلام المعادية، والتي تسعى دائمًا لإبلاغهم رسالة، تجعلهم في النهاية يشعرون باليأس من الأوضاع المتردية، وَيُهزَمون نفسيًا نتيجة شعورهم بالعجز وعدم القدرة على المواجهة.
  • والجانب الثاني: يتمثل في معالجة سطحية ساذجة لهذه القضايا تتمشى مع رغبة الأجهزة الحاكمة في الاحتفاظ بالسلطة، أو لتضخيم الدور الذي تقوم به حكومة هذا البلد أو ذاك في مواجهة هذه القضايا، رغم أن هذا الدور لا يخرج -عادة- عن مجرد إجراء اتصال تليفوني استجدائي، أو توجيه نداء للمجتمع الدولي بالتدخل من خلال تصريح صحفي.. الأمر الذي يجعل الأفراد في النهاية يتوجهون إلى أجهزة الإعلام الغربية لإشباع نهمهم لمعرفة تطورات الأحداث، وتستغل هذه الأجهزة هذا التوجه -الذي تعلمه من خلال التعاون بين جهازي الإعلام والاستخبارات- لدس السم في العسل.

ولقد استفاد الأعداء كثيرًا من الأساليب اللامعقولة التي تتبعها وسائلنا الإعلامية في عرض قضايانا أو قضايا العالم من حولنا، وبهذا الشكل تحولت هذه الوسائل دون أن تعي إلى أداة لخدمة أهداف وأطراف معادية.

الرابط المختصر :