; الوداع الحزين لرجل السلام والمصالحة | مجلة المجتمع

العنوان الوداع الحزين لرجل السلام والمصالحة

الكاتب محمد سالم الصوفي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 77

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 24-فبراير-1998

   فجع السودانيون بوفاة الفريق الزبير محمد صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية، وعدد من المسؤولين إثر سقوط طائرتهم على مدرج مطار مدينة الناصر في جنوب السودان يوم الخميس ١٢ فبراير الجاري.

     ورغم الحزن العارم الذي عم أرجاء السودان الواسع، والذي عبرت عنه الجنازة المليونية الأولى من نوعها في تاريخ السودان- فقد كانت هناك علامات لافتة رافقت توديع الفريق الزبير الذي يعد من أبرز أركان النظام السوداني، ورائد ملفات التحدي الصعبة، وأهمها: ملف السلام في الجنوب، وملف المصالحة مع مصر والمطلعون -ولو جزئيًا على الشأن السوداني- يدركون بعمق مدى الأهمية المطلقة والحساسية البالغة لهذين الملفين.

     وبعيدًا عن الخوض التقييمي في جولاته ونجاحاته على صعيد الملفين نعود إلى العلامات اللافتة التي رافقت رحيل الفريق الزبير، والتي لا يمكن فصلها عن قضيتي السلام والمصالحة باعتبارهما يمثلان هاجسًا لصيقًا به حتى مات من أجلهما، والعلامة المهمة الأولى المتعلقة بموت الفريق الزبير ترتبط «بالزمان والمكان» الذي أدركه الموت فيه، فقد مات على بعد (٨٠٠) كلم متر في عمق الجنوب، حيث بدأ أول تمهيدات للتواصل مع المتمردين، وقد ركز البيان الرئاسي الذي نعي فيه الرئيس السوداني الفريق عمر البشير رفيق دربه على هذا البعد حيث قال: «وقدر الله -تعالى- أن يكون استشهاده في ذات الموقع الذي أحبه وجاهد فيه سنين في سبيل أمن الوطن، وحقق الله على يديه مع إخوانه أكبر مداولات الوفاق وإنجاز السلام الذي تكلل باتفاقية الخرطوم».

     أما التوقيت الزماني للحادثة فقد جاء بعد صد الجيش السوداني لأكبر هجوم على مدينة «واو» الإستراتيجية ثاني أكبر مدن الجنوب قبل أسبوعين من حادث الطائرة، وفي ذات السياق لا يمكن إهمال الدلالات الواضحة للنسبة الكبيرة من المسؤولين الجنوبيين الذين كان يضمهم وفد الفريق الزبير، ومن بينهم الزعيم الجنوبي أروك طون أروك الذي مثل انشقاقه عن المتمردين وانضمامه إلى السلام- إحدى أقوى الضربات المؤثرة للحركة الشعبية لتحرير السودان، أما على صعيد المصالحة مع مصر فلعل أبرز علامة يمكن تسجيلها هي طبيعة تشكيل الوفد المصري المعزي، وفورية وصوله إلى الخرطوم، فقد تشكل من رئيس الوزراء كمال الجنزوري وعضوية عدد من وزراء السيادة، وقد كان أول وفد يصل إلى الخرطوم، وكانت الكلمة المطولة التي ألقاها عضو الوفد المصري وزير الإعلام صفوت الشريف وانفعاله الشديد وتأثره، مما يدل -ضمن معطيات سياسية كثيرة أخرى- على نجاح الفريق الزبير في إذابة التراكم الجليدي بين القاهرة والخرطوم، فضلًا عما كان يمثله بالنسبة للمصريين ولدوره في المصالحة معهم.

     العلامة الأخرى الجديرة بالذكر في هذا المقام والتي رافقت رحيل الزبير هو ما يمكن أن يسمى «صدق الحزن السوداني» الذي أحست به شرائح واسعة على المستويين الرسمي والشعبي في العالم العربي والإسلامي بشكل لا أخاله مسبوقًا على الأقل في فترة التشرذم وأجواء الشكوك السائدة، وخاصة بالنسبة للسودان المحاصر، فالمتتبعون لوكالات الأنباء والفضائيات أدركوا حجم ومستوى الوفود وآلآف البرقيات التي عزت الحكومة والشعب السوداني في فقيدهم، وحتى الذين حضروا لم تكن مشاركتهم في العزاء رسمية بروتوكولية متثائبة بل اتسمت بالعديد من المواقف المؤثرة وخاصة في المناسبة التي نظمها السودانيون وأطلقوا عليها «عرس الشهيد الزبير».

الرابط المختصر :