العنوان الوحدة الإسلامية الكبرى.. بين عوامل الفكرة الإسلامية والقوميات العنصرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مارس-1979
مشاهدات 94
نشر في العدد 435
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-مارس-1979
•الفكرة الإسلامية: وحدة المعبود -وحدة الدين – وحدة الاتجاه – الشعار المشترك - الوجدان الواحد - الكتاب المشترك - المستقبل الواحد- الآمال والآلام المشتركة.
يا إله الكون هل يرضيك أنا
إخوة في الله للإسلام قمنا
ننفض اليوم غبار النوم عنا
لا نهاب الموت لا بل نتمنى
أن يرانا الله في ساح الفداء
هذه دفقة من المشاعر الإيمانية الصادقة يرددها قلب كل مسلم وهو يتملى أبيات النشيد الإسلامي«جدي العهد». فبعد دهور طالت على المسلمين بالبؤس والقهر يستيقظ المارد الإسلامي الجبار في ضمير كل مسلم ملبيًا داعي الله ومناديًا: حي على الجهاد والمبتغى هو النصر أو الشهادة.
وأي غبار هذا الذي نفضه المسلمون يا ترى؟ هل هو الانحلال الفكري؟ وهل هو الانحلال السياسي والرؤية الراكدة والجمود الذي حنط الفكر الديني الإسلامي بين جدران المساجد، وحبس روح الفكرة الإسلامية بحيث أقعدها عن الوثوب في مجالات الدنيا كافة وهل هو غبار النعرات القومية والعنصرية والإقليمية؟ إن ذلك الغبار هو جماع هذه الأمور، فالصحوة الإسلامية الحديثة نفضت عن عاتق المسلمين غبار كل إنحلال وما هو دخيل على صفاء هذه الأمة، فباتت شعوبنا تترقب الموت في ساح الفداء ليفرح بها الله في عليائه.
ومن منظور إسلامي لنهضة شعوبنا رصد الشعر الإسلامي المعاصر «الفكرة الإسلامية للإمة»، كرابط يجمع الشعوب المسلمة كافة في رباط عقدي وثيق، تتهاوى تحته الدعوة إلى القومية والإقليمية التي جاء بها المستعمر بهدف تفكيك الشعوب المسلمة، كما رصد الشعر الإسلامي المعاصر ملامح الفكرة الإسلامية وعواملها ومقوماتها الأصيلة، فأبرز: وحدة المعبود ووحدة الدين والمعتقد، ووحدة الاتجاه شطر الكعبة التي تحمل الكثير من الرموز الشعورية وتشحن بها عقيدة المسلم وسلوكه، كما أبرز الشعر الإسلامي وحدة الشعار المتمثل في الأذان الذي ينادي به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وهذه مقومات الفكرة الإسلامية التي تجمع شعوب الإسلام حولها في آمال وآلام واحدة، وتاريخ مشترك واحد، يرفض الفرقة والتنابذ الإقليمي، ويرفض العنصرية الداعية إلى تقسيم الشعوب المسلمة إلى أتراك، وعرب، وهنود، وأكراد.
ولقد شخص الشاعر المسلم هذه الدعوات وجعلها الأساس في غياب الفكرة الإسلامية عن واقع الأمة سلوكًا وتطبيقًا، الأمر الذي جعل الأمة تعود إلى الجاهلية الأولى على حد تعبير الشاعر الإسلامي الأستاذ عبد الله عيسى السلامة حيث يقول:
عاف شعبي الحياة في روضة الدين
وشدته جاهلية عبس
«ابعدوا الكرد، ابعدوا الترك عنا
نحن عرب إلهنا عبد شمس»
فتهاوى التاريخ واهترأ الفكر
وتاه اليراع في كل طرس
وهنا يضع الشاعر المسلم القوميات في الميزان، ليكشف النتيجة البائسة:
تاريخ يهوي، وفكر يهترئ، وضياع وتيه وشتات وفرقة، إذًا فالدعوة إلى القومية هي سر الداء الذي قذف بالأمة في مهاوي الهلاك.
ولا ينسى الشاعر أن يستبطن التاريخ ليستخلص منه الدرس والعبرة، وليستعرض الأسباب التي ساهمت في بناء الأمة الواحدة، والعوامل التي أخرجتها من الظلمات إلى النور، وأدخلت أمتنا إلى التاريخ بعد أن كانت العصبيات تنهش في جسمها، وتجيء الحقيقة على لسان الشاعر فاضل فراج الكبيسي:
إنا دخلنا إلى التاريخ بدفعنا
هدي الكتاب، ونور الله يهدينا
وهنا يستغل الشاعر رموز التاريخ وهو يفصل بين الدين الحق والعصبيات، فيقول:
لم نفتح الأرض «بالغبراء» تدعمها
«حرب البسوس» ولا نلنا معالينا
شاد العماد رسول الله يعضده
غر الصحاب وأرسى عز ماضينا
ما شيدته لنا «العزى» ولا «هبل»
ولا «بلات» و «رمسيس» وربينا
إن افتخاري بإسلامي وقادته
أن يمحوا العرب أو أن يمموا الصينا
إذًا فعوامل بنيان الأمة الواحدة تكمن بالإسلام فحسب، حيث ترتمي تحت أقدامه الجاهليات بشتى صنوفها وأنواعها، وتتخاذل أمامه القوميات والعصبيات المحلية والعرقية تلك التي لم تأت على عرب ما قبل الإسلام إلا بشؤم البسوس وذل الغبراء والعبودية القاتلة للات والعزى ورمسيس بما تحمله هذه الألفاظ من دلالات ورمزية. ولعل الشاعر المسلم أدرك أن هذه الرموز ما زالت متمثلة في الدوعات الحديثة كالفرعونية والفينيقية وما يسمى بالقومية العربية أيضًا.
وقبل أن يطرح الشاعر المسلم الرابط البديل بين أفراد الأمة المسلية يتلمس واقع أمته فيجد ألا منجي من هذا الواقع إلا بالإسلام الذي يحيي موات القلوب ويهز فيها حواس الحرية والانعتاق من أوحال المادية الحديثة، لتنطلق إلى تلمس الفكرة الإسلامية التي تقوم أولًا وأخيرًا على مبدأ الإخوة في الله سبحانه، لذا فإن الشاعر المسلم أخ لكل مسلم يعشق النور الإلهي في هذه الدنيا، ويهزه الوحي السماوي الذي جاء بالنور إلى هذا الكون، ولقد أحسن الشاعر محمد أحمد الصديق في تشخيص هذه الطبيعة للمسلمين من خلال مفهوم الإخوة عندما نادى قائلًا:
يا إخوتي في كل أرض هزها صوت الإله
فتنبهت عند انبلاج الضوء ضاحكة الشفاه
وإذا كان مفهوم الإخوة هو الرابط الأساسي بين المسلمين، فإن للوطن الإسلامي مقومات تنبثق عنها «الفكرة الإسلامية» كرابط أممي إنساني إسلامي يربط كل المسلمين في العالم برباط العقيدة الواحدة والمعبود الواحد والوطن الواحد على تعدد أطرافه، ولعل النشيد الإسلامي التالي يبرز مفهوم الفكرة الإسلامية بعناصرها ومقوماتها في وحدة متناسقة متكاملة كفيلة لبناء الأمة المتميزة، وهنا لا بأس من استعراض هذه المقومات المبثوثة في الأبيات التالية:
الصين لنا والغرب لنا
والهند لنا والكل لنا
أضحى الإسلام لنا دينًا
وجميع الكون لنا وطنًا
توحيد الله لنا نور
أعددنا الروح له سكنا
بنيت في الأرض معابدنا
والبيت الأول كعبتنا
وآذان المسام كان له
في الغرب صدى من همتنا
وهنا نجد الشاعر المسلم يركز على وحدة الأرض المسلمة في مطلع الأبيات، ويربط بين أجزائها بالدين الواحد الذي يجمع الشعوب المسلمة، ثم يركز على وحدة المعبود الذي يدين له كل أفراد هذه الأمة. كما يشير إلى أحد العوامل الرئيسية في وحدة الأمة فيبرز الكعبة في البيت الرابع، والتي تتجه إليها قلوب كل المسلمين ويولون وجوههم شطرها لدى أداء الصلوات الخمس اليومية، ونجد البيت الأخير يبرز لنا الأذان الواحد الذي يردده المسلمون خمس مرات كل يوم في شتى بقاع الدنيا.
إن هذه روابط وجدانية تصقل شعور المسلمين وتشد بعضهم إلى بعض بعيدًا عن اللون والعرق والنسب ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
ومن هذا المنطلق الفكري الوحدوي الشامل، يتعامل المسلم مع أحداث واقعه، فالشاعر عبد الله عيسى يرفض أن يقتصر في حربه وثورته على ما يسمى بالتضامن العربي أو الإقليمي المحدود، إنه سيخوض حربًا إسلامية تجتاح الدنيا على الشكل الذي يصوره في قصيدته ساح المجد حيث يقول:
سأخوضها عربية هندية
والأسد تزأر من هناك ومن هنا
روسية تركية صينية
ذل المحال بها فأضحى ممكنا
حبشية كورية جاوية
لا يعبد الإنسان فيها الموطنا
يشتد في الأمريكتين لهيبها
ويهز باريس الدوي ولندنا
إنه يجرد ثورته عن كل مفهوم عنصري ضيق ويعممها بحيث تشمل كل أرض يعيش فيها مسلمون من إخوانه لا تفرق بينهم الألوان والمظاهر والأشكال الترابية التي أستغلها الإستعمار وعملاؤه في تمزيق وجدان الأمة فالأستاذ السلامة يرفض كل هذه الأشكال بقوله:
سأخوضها في الكون إسلامية
تتمزق الأسماء فيها والكنى
لكن هل سيقف المسلم إزاء تحقيق الفكرة الإسلامية وتوحيد أمته مكتوف اليدين خائفًا من الطواغيت وأسيادهم؟ يجيب هنا الأستاذ عثمان عثمان قائلًا:
الله أكبر للأحرار عنوان
الله أكبر إخلاص وإيمان
فلا الحدود ولا الأسلاك ترهبنا
كلا ولا يرهب الأحرار طغيان
يا أمتي: الوحدة الكبرى سنرفعها
على الجماجم إن شدوا وإن لانوا
على الجراح سنمشي نحو وحدتنا
إن قطعت أرجل منا وأبدان
هكذا يريد المسلم أن يحقق فكرته دونما خوف أو تردد أو خذلان.
إذًا فالشاعر المسلم عندما دعا إلى تحقيق الفكرة الإسلامية في إطار وحدة الأمة المسلمة أبرز عوامل هذة الوحدة فأشار إلى وحدة المعبود ووحدة الدين ووحدة الاتجاه «الكعبة المعظمة» ووحدة الشعار «الأذان» ووحدة العواطف والآمال والآلام ووحدة الهدف فضلًا عن وحدة الكتاب «القرآن الكريم» ووحدة القائد «محمد رسول الله» ومن يسير على سنته من قادة الأمة ويبدو أن الشعراء الإسلامبين متفائلون بتحقيق وحدة أمتهم وترسيخ مفهوم الفكرة الإسلامية كبديل أصيل يحل في مكانه الطبيعي بعد طرح المفاهيم القومية والعنصرية بعيدًا عن ساحات المسلمين ومجتمعاتهم.