العنوان الوحدة السورية الليبية نتيجة لاقتناع أم لتردي الأوضاع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
مشاهدات 70
نشر في العدد 498
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
إعلان الوحدة فاجأ الشعب الليبي كما فاجأ السوريين.
تم الإعلان عن الوحدة في ظروف سياسية متدهورة في البلدين.
العُزلة العربية والثورة الشعبية وراء قبول النظام السوري بالوحدة.
قامت الوحدة بين بلدين يبعد أحدهما عن الآخر آلاف الأميال وزعيماهما غير متماثلين.
من غير تهيئة ولا تقديم، دعا العقيد القذافي سوريا لوحدة «اندماجية وفورية» مع ليبيا، في خطابه الذي ألقاه بمناسبة ذكرى «الفاتح من سبتمبر»، ورد حافظ الأسد بحماس وحذر أن نعم، وتتوالى الأحداث فيزور حافظ أسد طرابلس، ويعلن هو والقذافي قيام دولة الوحدة، ويتم تشكيل اللجان المختصة للتنفيذ، وقد قوبلت هذه الدعوة للوحدة بالبرود والفتور على مختلف المستويات الرسمية والشعبية والإعلامية، اللهم إلا الأجهزة الرسمية في كل من سوريا وليبيا، والسؤال الذي ظل مطروحًا وبحاجة إلى جواب وإيضاح، هو: لماذا أعلنت الوحدة بين هذين البلدين؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟
جواب أطراف الوحدة:
في البيان الرسمي الذي صدر بمناسبة اختتام زيارة أسد لطرابلس الأسبوع الماضي قال الزعيمان: «إن الدولة الجديدة ستكون قاعدة واحدة لمجابهة الوجود الصهيوني وتحرير فلسطين»، وكان القذافي قد صرح في خطابه المشار إليه أنه إن لم يتحقق ذلك -أي الوحدة- فسيغادر ببندقيته ليموت في الجبل الأعلى.
وهذا الذي قاله الزعيمان لم يقيما عليه أي برهان صادق؛ فالرئيس السوري الذي نعتبر بلاده مواجهة للعدو الصهيوني كان شخصيًا مسؤولًا عن سقوط الجولان في حرب 67، كما كان مسؤولًا عن سقوط أراضي سورية أخرى في حرب 1973، وكان شريكًا كاملًا للسادات الذي جعله عدوه الأول هذه الأيام، ثم أن علاقة سوريا بقيادته مع المقاومة الفلسطينية لا تخفى على أحد، إذ بالرغم من كل هذا التحجج بالدفاع عن الفلسطينيين، فلم تقم على الأراضي السورية سوى خمس قواعد عسكرية فدائية، تدفع أجرًا ويتفقدها ضابط مخابرات سوري على حد اعترافات السيد صلاح خلف أثناء الحرب اللبنانية، وفي لبنان ستظل مجزرة تل الزعتر شبحًا يطارد النظام السوري الذي استخدم نفوذه هناك للحفاظ على مكاسب وغلبة النصارى على المسلمين.
أما النظام الليبي لاعتبار البعد الجغرافي عن فلسطين المحتلة، فليس هُناك من دليل عسكري واضح على كذب ادعائه بحبه للفلسطينيين، لكن علاقته مع منظمة التحرير، وبالذات مع منظمة فتح تشير إلى عدم جديته فيما يقول عن تحرير فلسطين، فما عُرف إعلاميًا بالأزمة الليبية- الفلسطينية، وما ترتب عليها من قطع المساعدات المادية المقررة للمنظمة، والدعوة إلى تشكيل فصائل فلسطينية مناهضة للقيادة الحالية للعمل الفلسطيني- كلها تعتبر أدلة واضحة على الأقل، في أن الدافع الفلسطيني للوحدة مع سوريا ليس هو الدافع الفلسطيني كما زعم بيان حافظ والقذافي.
دعوة مفاجئة:
وفضلًا عن ذلك فالوحدة كما ذكرت بعض المصادر المطلعة، لم يكن يعلم بها في ليبيا غير القذافي الذي فاجأ الشعب الليبي في الدعوة إليها، وقد ذهبت بعض الأوساط الدبلوماسية إلى حد القول بأن سوريا أيضًا قد فوجئت بدعوة العقيد القذافي، لكن أنباء أخرى منسوبة إلى مصادر سورية أكدت أن حافظ الأسد كان على علم بذلك، وأيدت وجهة نظرها بأن التلفزيون السوري نقل على الهواء خطاب القذافي، وأن أسدًا كان يستمع إليه.
وعلى أية حال فدواعي الوحدة بين البلدين غير مكتملة، فالبلدان تفصل بينهما آلاف الأميال، واقتصادهما غير متشابه ولا متكامل.
ثم أن أي وحدة تقدم لا بد لها من تهيئة إعلامية واقتصادية وقانونية، وإلا فإنها تحمل في طياتها بذور فنائها.
وهذا ما يدركه أسد والقذافي، أو على الأقل يفترض أنهما تعلمانه من تجارب الوحدة السابقة، فلماذا إذن يمضي الزعيمان في هذه الوحدة؟
ظروف سياسية:
وقبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من التذكير بأن الزعيمين غير متماثلين سياسيًا خاصةً فيما يخص «أزمة الشرق الأوسط»، فالرئيس السوري رغم معارضته الظاهرة لاتفاقيات كامب ديفيد، إلا أنه صاحب موقف مبدئي بأن طريق المفاوضات هو الحل الأنسب للصراع في الشرق الأوسط، أما القذافي فهو -على حد تعبير صحيفة الفاينشال تايمز- يتبع تكتيكات متغيرة، ويرفض بصورة أساسية الحلول الوسطى، وغالبًا ما تبدو سياساته المحلية والخارجية متجاهلة لأية معايير مقبولة».
وإزاء هذه الحقائق لا يملك المراقب إلا أن يؤكد بأنه ثمة أوضاعًا وظروفًا سياسية هي التي أملت على الطرفين إعلان الوحدة وفي هذا الوقت بالذات.
دوافع سورية:
فالنظام السوري بات يعيش في عزلة عربية منذ فشل محادثات الوحدة بينه وبين النظام العراقي في عام 1987، وقد تطورت هذه العلاقة فوصلت في الوقت الحاضر إلى حد التوتر وطرد البعثات الدبلوماسية.
وبسبب نجاح مؤتمر قمة بغداد النسبي في العام نفسه، وما أعقبه من مواقف سورية مغايرة للمواقف الرسمية العربية، كما حدث بالنسبة لأفغانستان مثلًا بدأت تتشكل محاور سياسية عربية جديدة، فقد خرجت العراق عمليًا من جبهة الصمود والتصدي، وأصبحت تنسق مواقفها مع السعودية ودول الخليج، وبعدما ساءت العلاقات السورية الأردنية.
والحقيقة أن المخابرات السورية وفرق الاغتيال التابعة لها أخذت في الآونة الأخيرة تعبث في الأردن فسادًا، كما تفعل من إجرام في حلب ودمشق وحماة، وهذا ما يتعارض مع سيادة النظام الأردني على أرضه، مما أدى إلى فتور العلاقة بين البلدين، بل وتأزمها.
تشكل محور عربي جديد هو السعودية والعراق والأردن، وبات العمل السوري محصورًا في جبهة الصمود والتصدي، التي يمكن القول إنها تقتصر على سوريا وليبيا، أما الأطراف الأخرى فهي إما غير فاعلة أو ظروفها تقتضيها بعدم قطع صلاتها مع الدول العربية الأخرى.
ويضاف إلى ذلك أن النظام السوري أصبح منتقدًا حتى من قبل ما يوصفون «بالاعتدال» إزاء دوره في لبنان، وعلى المستوى الفلسطيني فبين النظام السوري ومنظمة التحرير -وبالذات منظمة فتح- أزمة قد تنفجر في يوم من الأيام لتظهر على حقيقتها، ففضلًا عن عدم فتح الحدود السورية للعمل الفدائي خلافًا لما سبق أن زعم أكثر من رمز من رموز النظام، فقد قامت المخابرات السورية باعتقال عدد من الفلسطينيين بتهمة التعاون مع الثورة السورية.
ثورة الشعب السوري:
وهكذا فإن ثورة الشعب السوري ضد النظام -كما بات يلاحظ المراقبون- هي السبب وراء لهاث حافظ الأسد وراء سراب الوحدة مع ليبيا؛ فهو يطمع في أن يحصل على مدد عسكري يقاوم به المجاهدين، ومعونات اقتصادية يحاول بها أن يرقع الوضع الاقتصادي المتدهور خاصة وأنه لم يتلق أموال الدعم المقررة في مؤتمرات القمة.
والأهم من ذلك هو أن النظام السوري الذي بات يشعر أنه قاب قوسين أو أدنى من السقوط، سيحاول أن يظهر بمظهر الوطني الذي يتعرض لضغوط من قبل العدو الصهيوني حتى يستدر عطف الشعب السوري، ولكن هيهات؛ فالشعب السوري قد اتخذ قراره بإسقاط النظام، وهذه الدعوى باتت هي الأخرى ساقطة، فرئيس المخابرات الإسرائيلية لم يسعه الصمت، إذ ألمح مؤخرًا إلى أن ما يقلق إسرائيل هو تغير الوضع في سوريا.
ودوافع ليبية:
وأمّا نظام العقيد القذافي فهو الآخر يواجه معارضة شعبية عريضة ليس من المستبعد أن تتحول إلى ثورة عارمة في وقت قصير، فالتخبط والارتجال اللذان هما ميزتان خاصتان بسياساته، أديا إلى عدم ثقة الشعب الليبي به وبنظامه.
فالوحدات الأربعة السابقة التي أعلنها القذافي كلها أخفقت وفشلت، ووسائل الإعلام تنقل هذه الأيام الكثير عن سوء العلاقات بين ليبيا من جهة وكل من تونس ومالطا، حتى وصل الخلاف أخيرًا إلى طرد المستشارين العسكريين الليبيين من مالطا، كما رفع الخلاف حول مياه الجرف القاري إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ومن المحتمل أن يرفع الخلاف التونسي الليبي حول المياه الإقليمية أيضًا إلى محكمة لاهاي، وقد اتهمته تونس بالوقوف وراء أحداث قفصة على الحدود بينهما.
وعلى المستوى الأفريقي أخفق النظام الليبي في منع الإطاحة بنظام حكم عيدي أمين في أوغندا، ومن قبلها حاول الإطاحة بنظام نميري في السودان، كما تدخل عسكريًا مؤخرًا في تشاد.
على أن شر ما وصم به النظام الليبي هو سماحه بشحن الأسلحة الروسية من أراضيه إلى نظام منغيستيو في إثيوبيا لضرب الثورة الإرتيرية.
وعلى الصعيد المحلي فقد تزعم القذافي حربًا ضد الإسلام والسنة المحمدية، وأتى باجتهادات وأباطيل لم يسبقه إليها أحد، كما أشاع الفوضى والاضطراب بحجة ما أسماه اللجان الشعبية للانقضاض على الدوائر الرسمية والحكم باسم الشعب والديمقراطية، وفوق ذلك فقد شن حملة عنيفة على الليبيين المعارضين سواء في الداخل أو في الخارج، وبناء على ذلك زادت عمليات الاغتيال والاعتقال، وبات القذافي زعيمًا بغير منافس، وإزاء هذه السياسة ظهرت بعض بوادر التمرد الشعبي في حادثة طبرق الذي فسره المراقبون بأنه تمرُّد عسكري ذو امتداد قبلي.
نشب فيه قتال عنيف بين المتمردين والجيش الليبي، ولخطورة الوضع فقد تغيب القذافي عن مؤتمر لجنة القدس الذي انعقد في مراكش.
دوافع مشتركة:
وهكذا فإن المشاكل الداخلية التي يواجهها كل من النظامين في سوريا وليبيا -إضافة إلى العزلة السياسية التي يعيشانها- قد دفعتهما لإعلان الوحدة، وإذا كان ثمة من جامع بين النظامين للمضي في هذا الطريق، فهو «ليس السير في طريق الاشتراكية»، ولا «التحدي الصهيوني للعرب» كما يشيع كلا النظامين، وإنما هو مد حبال الهوى للاتحاد السوفياتي والسير في مخططه لسبب أو لآخر، فالنظام السوري -كما يفهم من جولة وزير الخارجية عبد الحليم خدام في عدد من الدول العربية- يركز على إقامة «علاقة نوعية» قد تكون على شكل «معاهدة تعاون أمني» أكثر مما يركز على شرح الأسباب التي دعت نظامه لقبول الوحدة مع القذافي، فالنظامان سبق أن أيدا الغزو السوفياتي لأفغانستان، وقاما بزيارات متعددة لموسكو، وتثير كل الدلائل إلى أنهما ماضيان في التمحور مع الاتحاد السوفياتي على الأقل في غضون السنوات القليلة القادمة.
وحدة المصلحة:
وعلى أية حال فقد أجمع المراقبون على أن تردي الأوضاع السياسية الداخلية لدى البلدين هو الذي حدا بهما لإعلان الوحدة وإقامة الأعراس حول كل خطوة من خطوات تنفيذها، ولربما كانت المصلحة هي الدافع الثاني لدى النظام السوري بالذات للمضي في هذا الطريق، ومن المؤكد أن النظامين تجمعهما كراهية الإسلام، وضرب الحركات الإسلامية وكل مظاهر الحرية، فما هو مصير وحدة قائمة على المصلحة، وتشابه المأزق السياسي لطرفيها؟
الجواب طبعًا في محاولات الوحدة بين الدول العربية في السنوات الأخيرة عمومًا، وفي وحدات القذافي خصوصًا، فالمحاولات العربية بلغت إحدى عشر محاولة باءت كلها بالفشل، أما محاولات القذافي فبلغت حتى الآن خمسًا، وهي لم تفشل فحسب، بل انقلبت إلى توتر أو عداء، ومن يدري فقد تتغير الأوضاع بأسرع مما نتوقع، فمع من سيعلن القذافي الوحدة آنذاك؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل