; الوجه السياسي للهجرة النبوية | مجلة المجتمع

العنوان الوجه السياسي للهجرة النبوية

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1977

مشاهدات 70

نشر في العدد 378

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 13-ديسمبر-1977

▪     تخطيط الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وقيادته لأمر الهجرة

▪     الهجرة فيها معاني العزم والقوة والتصميم

▪     الهجرة بداية التأسيس لدولة الإسلام

▪     الهجرة تحوي معجزات للرسول- صلى الله عليه وسلم- فيها النبوة الصادقة والثقة الراسخة بعون الله والنصر المؤزر للمسلمين

* طريق الهجرة: كم في الهجرة من عظات؟ وكم فيها من عبر؟ تلك الذكرى العطرة التي نحيا أيامها في الزمن الطويل الممتد عبر مئات من السنين، تلك الذكرى الطيبة تمر على المسلمين في عصورهم الأخيرة، ولا تراهم إلا في حال أسوأ مما سبقها ذلك أن المسلمين والقادة فيهم، أولًا لم يدركوا مغازي حادثات الإسلام، وعلى الأقل لم يكن التمعن ولم تكن الدراسة لمثل هذا الحادث الكبير والأمر العظيم، وهو موضوع هجرة نبي الأمة- صلى الله عليه وسلم- وإذا ما تطرقنا لسرد حديث الهجرة تتهافت علينا إشعاعات الضوء المنير للسلوك السليم في حياة المسلمين السياسية والاجتماعية.

وقصة الهجرة كما ترويها المصادر ربما في اختلافات يسيرة في تعبيرات الصياغة إلا أنها تقدم ذات الصورة وهي: إنه لما اشتد البلاء على المسلمين في مكة كان من  التفريج لهم الهجرة إلى المدينة علما بأن رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- لم يكن واضعًا هذا الأمر لمجرد التنفيس، وإنما التخطيط لبناء قاعدة مستقرة آمنة يقام عليها صرح الإسلام، لكنه عليه الصلاة والسلام تأخر عن أصحابه منتظرًا أمر الله له بالهجرة حتى أن الصديق يستأذنه ويطلب منه اللحاق بالقوم، فيصبره ويرد عليه بمغزى عمیق قائلًا: يا أبا بكر لعل الله يجعل لك صاحبًا، وفهمها الصديق- رضي الله عنه- راجيًا ربه بأن يكون هو الصاحب، وطالبًا من الرسول- صلى الله عليه وسلم- الصحبة، لذلك أخذ الاستعداد فاحتسب راحلتين وتمت خطة المسير بعد الإذن الرباني، إنه في ذلك اليوم الذي تم فيه الإذن، اعتزم المصطفى الأمر، فذهب لأبي بكر في الهاجرة على غير العادة تمامًا، فلما رأى الصديق أن المجيء في هذه الساعة لأمر حدث، وما أن حل الليل حتى انتهى الصاحبان الكريمان إلى الاختباء في غار ثور ووزعت أدوار المهمة على أن يكون:

علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- يبيت في منام الرسول- صلى الله عليه وسلم.

▪    عامر بن فهيرة مولى ابن بكر وراعي الغنم

عبد الله بن ارقط «أو أريقط» دليل الطريق «وهو مشرك أمين» عبد الله بن أبي بكر ناقل الأخبار أسماء بنت أبي بكر القائمة بنقل الطعام، وعليه فلم يكن عالمًا بخروج الرسول- صلى الله عليه وسلم- غير علي بن أبي طالب وآل بيت أبي بكر من ابنه وبناته ومولاه، وهنا قضية سياسة كانت نهجًا للرسول الكريم في محاربته ومجابهته الأعداء، وهي «الكتمان»، وكم هو ضروري أن يحافظ عليه الفرد كسبًا لاتزان الشخصية من اللغط في الصغير والكبير، فما بالك بالدولة وما بالك بالأمة الإسلامية الجامعة للدول! وتمر ثلاثة أيام يقوم فيها ذوو الأدوار السابقة كل بأداء دوره الذي يخدم فيه هذا العمل الجليل. 

تبدأ الرحلة ويسلك الدليل طرقًا متشعبة كي يصل بصاحبي الهجرة إلى مرادهما الأخير، إلا أن الطريق لا يخلو من تعقب الآثار، ولكن التوجه إلا الله يحول دون كل شيء، فهذا سراقة بن مالك الجشعمي تسيخ قدمًا فرسه في الرمال ويطلب الأمان، وهنا يكون وعد الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالرغم من هذا الظرف الحالك أن يكون لسراقة سوارا كسرى، وهو تأميل يدل على ما في حياة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- من معجزات إلا أنه لا حرج أن يتخذ التأميل الصادق المبني على أسس من الواقع، لا حرج أن يكون من وجوه السياسة المحفزة لأفراد الأمة على الجد والنشاط، لا أن تلقى الوعود في قضايا الأمة وسياستها وكأنها مناشير إعلانات.

وبوصول القائد الكريم رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام إلى قرب مشارف المدينة ينتهي طريق الهجرة وتبدأ مراحل لاحقة تكون خطوات تكميل في الهجرة.

* خطوات الوحدة: إن الوجه السياسي يمكن أن نقف عليه في السرد السابق، وقت وصول الرسول- صلى الله عليه وسلم- قبيل مشارف المدينة وتأسيسه للمسجد الأول في الإسلام «قباء»، كما يبرز هذا الوجه عند قيامه بأول جمعة في الإسلام وقت حلوله في المدينة في بطن الوادي المسمى بـ«رانوناء»، وهنا ليس من دهشة أن يكون قيامه بتأسيس المسجد وقيامه بصلاة الجمعة، ليس من دهشة أن يكون هذا المظهر العبادي حاملًا لمعنى سياسي لأن السياسة تعني القيادة في الأمر والنهي، وتعتمد التخطيط والتدبير، ومن مهامها جمع الشمل والكلمة وتوكيد القوة والاستعداد، وليس من شك أن جمع الناس على الصلاة وحثهم على بذل الجهد في أن تكون كلمة الله هي العليا حيث يكون هنا مسجد وعمل، وهناك خطبة ناصحة موجهة، وهكذا في كل بقعة عمل يرفع لواء الإسلام، بالطبع أن ذلك يطمس الشرك وأعمال المشركين، ويخضد شوكة الأعداء ويظهر معلمًا واضحًا للناس كون الإسلام دين العزة والرفعة والاستعلاء. 

نعم، فإن أعمال الرسول- صلى الله عليه وسلم- الأولية هذه، ومن ثم اتبعها بقيامه ببناء مسجده الشريف ومشاركته الأساسية فيه وتوجيه الصحابة إلى أن العيش عيش الآخرة بالنشيد الجماعي: 

اللهم أن العيش عيش الآخرة *** فارحم الأنصار والمهاجرة 

إن كل ذلك يقدم مدلولات حية نابضة بأن يكون المسلمون جسدًا واحدًا ويدًا ذات ضربة واحدة، وبعزيمة هذه الأيدي - قبل النظر في كثرتها- تتحطم معاول الشرك والفساد.

إن خطوات الوحدة العملية تقف معلمًا واضحًا في تقديم الوجه السياسي ممثلًا القيادة الحكيمة الرشيدة ذات النظر البعيد.

* الأمن غاية في السياسة: 

إن من أبعاد السياسة المهمة جدًا ومن غاياتها الخطيرة أن توجد الأمن فهو مطمح النفوس، وبه يكون الاستقرار الذي يتيح مجالًا رحبًا لقول الحق والدعوة إليه، كما أن الأمن في الأمة يوجد عزة في نفوس أبنائها، ولا يكون الأمن إلا إذا توجهت القلوب إلى الله سبحانه وسيطر سلطانه على التصرفات وبات الخوف من الله سبحانه واستشعار عظمته قانونًا عامًا يحمل أنواع التصرف والسلوك.

- إن ربط الأمن بمنهج الله سبحانه هو وحده، ووحده فقط يحقق هذا المعنى حيث يكون الناس عبيدًا لله جل وعلا وأخوة في دين الله ويكون اللجوء بكلمة سبحانه، وقد حرص سيدنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- على تحقيق هذا المعنى مما يجعلنا نذهب إلى أن هذا الحرص، تأكيدًا لهذا المعنى هو الوجه السياسي في رحلة الهجرة، كان لها أطيب الذكر.


ولنا أن نتساءل عن ذلك الحرص وبأية صورة تبدى، مستخلصًا منه علامات الوعي السياسي العميق في رسم العلاقات الداخلية والخارجية للدولة.

* تحديد المواقف: إن حلول الرسول- صلى الله عليه وسلم- في المدينة يعني الاستقرار، ونقطة البداية لتأسيس دولة الإسلام فكان منه- صلى الله عليه وسلم- أن أوضح في كلمة جامعة حقوق وواجبات المسلمين ومعاملاتهم مع بعضهم البعض، ومن ثم أوضح فيما عرف بعقد معاهدة مع اليهود، وذلك تحديدًا للموقف منهم ثم حدد الموقف من أعداء الإسلام عمومًا، علمًا بأن تحديد هذه المواقف من خصوم الإسلام تمت في أول مراحل الجهاد، ومن بنود ما رسمه المصطفى في هذا التحديد:

١- اعتبار مشركي قريش محاربين.

٢- متى رئي من اليهود خيانة قوتلوا حتى يؤمن جانبهم بالنفي أو القتل.

٣- كل من أسلم فقد عصم دمه وماله إلا بحقه.

وهذه بعض البنود الدالة على الحزم وبعد النظر، واعتماد الإسلام منهجًا وسلوكًا في عامة الأمور.

إن بيان الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- العلاقات السلوكية بين المسلمين وغيرهم والدقة في سن القرارات المحافظة على سلامة المسلمين وكيانهم ودينهم، أن الاعتماد الدقيق في ذلك هو الوجه المكتمل لإثبات أسباب الهجرة، وهو الجانب السياسي المهم في هذا الموضوع.

▪    ماذا نريد من الجانب السياسي؟ 

إن ربط الهجرة والموطن الأخير الذي رست عنده من كونها تأسيس لدولة الإسلام، أن هذا الربط الوثيق تذكرة للمسلمين كي يؤسسوا أعمالهم منطلقة من منهج الله سبحانه، وأن هذا الربط بالذات في موقعه الأخير الواقع في بيان المصطفى- صلى الله عليه وسلم- عن الحفاظ على العزة الإسلامية وخضد شوكة الخصوم، أن ذلك يعطي وبالذات القادة تصورًا لتوقيع المعاهدات وإدراكًا لمرامي أعدائهم فتكون الحيطة وأخذ الحذر. 


ولعلنا ندرك أن من النقاط الأساسية في الجانب السياسي هو ما ركزه الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- عن اليهود، وأنهم يشتركون في الدفاع عن أي خطر يداهم المدينة على أن أي مما يدل على خيانتهم، فإنه يكون به نفيهم أو قتلهم، وقد حرص سيدنا محمد- عليه الصلاة والسلام- على توكيد هذه القضية، من كون أن اليهود أهل مكر وخداع ولا بد من أخذ الحذر منهم، ومما ساعد على أن يتركز هذا الوعي عند المسلمين هو ما تكرر في القرآن من بيان لأوصاف يهود، وحسب المسلم أن يقرأ الجزء الأول من الكتاب الحكيم کتاب الله سبحانه ليدرك أبعاد الشر الموغل في نفوس اليهود، كما أن التأكد لصفاتهم زاد في نفوس المسلمين لما حرص عليه- صلى الله عليه وسلم- من جعل شخصية المسلم مستقلة فريدة تمامًا، وكان بالذات يجعل لها عليه الصلاة والسلام في نحو:

١- «فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود».

۲- «صلوا في خفافكم وخالفوا اليهود». 

۳- «نحن أولى بصيام عاشوراء من يهود».

وهذه جملة من نصوص مختصرة وإلا فإن هناك مسائل كثيرة فيها مخالفة اليهود.

ولعل هذا الذي وعيناه عن يهود في البيان التأسيسي لدولة الإسلام نفقه منه إدراكًا عميقًا في علاقتنا من خصوم الإسلام، وبالذات يهود.

* وقفة أخيرة: شيء مهم أردنا وعيه من الوجه السياسي لحادث الهجرة وهو تحديد العلاقات وبالذات من أولئك القوم المغضوب عليهم، وناكثي العهود، وقاتلي الأنبياء إلى آخر صفاتهم في كتاب الله العظيم. 

- وهنا شيء آخر مهم وهو أن لكل ذكرى مميزات، ولعل من أهم المميزات ما يجعل الذكرى حاضرة في الذهن دومًا دومًا، وهذا ما تقدمه الهجرة فهي تاريخ نعيشه أيامًا وشهورًا، في سنة زمنية تنسلخ من عمرنا عامًا بعد عام، وفي هذا الزمن الممتد خلال السنة الهجرية يمر علينا فيها خير الشهور رمضان المبارك، ويمر علينا خير يوم طلعت فيه الشمس أفضل أيام الله وهو يوم عرفة، لذلك فإن ذكرى الهجرة تحمل لنا هذه المعاني التي نحياها فنتذكرها مما يفرض علينا تذكر المعاني البعيدة في حادثها الكريم. 

تلك هي الهجرة، تلك هي الذكرى بخطوطها العامة العريضة، وأننا لو أردنا أن نسجل مواقف العبرة ومضامين الإرشاد والتوجيه من خلال سرد الهجرة، لانتهينا إلى عشرات وعشرات من العظات والعبر.

إن تعقب آثار الهجرة يجعلنا نعيش الإسلام من جديد، فلنجدد العهد ولنعقد العزم ولتمض سفينة الإيمان غير عابئة بزوابع رياح الخطابات، وغير آبهة بعواصف الأقوال المرتجلة المبتورة؛ لأنها لا تبدأ باسم الله، وغير منتظرة أي توجيه لا يجعل من كتاب الله شعارًا، ومن أقوال الرسول- صلى الله عليه وسلم- دستورًا ومن الإسلام منهاجًا، فاللهم أعنا ووفقنا أن نكون من مقتفي آثار الهجرة اللهم آمين.
 

الرابط المختصر :