العنوان الوجه الاخر للعدالة الأمريكية
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 3
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
الهالة
الإعلامية التي سبقت ورافقت زيارة وزيرة
الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت
للمنطقة كانت منتجاً أمريكياً مصطنعاً
على نمط كثير من التقليعات الأمريكية
التي تفتقر إلى الروح والجوهر، إنها نتاج
الذوق الأمريكي أو سمه إن شئت قلة الذوق
أو حتى عدمه!
لم
تكن مطاعم الهامبورجر الأمريكي الذي لا
يستسيغه أصحاب الذوق الرفيع من الأكالين،
ولا الإنترنت، ولا الماكينة الإعلامية
الأمريكية التي تفتقت عن الذهن الأمريكي
«العبقري الساذج»، قد غزت بعد أسواق
العالم في زمن سيد قطب - رحمه الله - عندما
كان يدرس في إحدى الجامعات الأمريكية،
لكن سيد البصير رسم لنا صورة واقعية عن
«اللاذوق» الأمريكي حين كان يتفكه على
زملائه الأمريكيين في الجامعة.
يقول
سيد رحمه الله: «كنا على المائدة في مطعم
ملحق بالجامعة، حينما رأيت بعض الأمريكان
يضعون الملح على البطيخ (!) وكنت قد اعتدت
رؤية هذه «التقاليع»، واعتدت كذلك أن
أتفكه عليهم في بعض الأحيان، وقلت متجاهلاً:
أراكم ترشون الملح على البطيخ؟ قال أحدهم:
أجل! ألا تصنعون ذلك في مصر؟ قلت: كلا! إنما
نرش نحن الفلفل! قالت واحدة في دهشة
واستفسار: أو يكون ذلك مستساغاً؟ قلت:
يمكنكِ أن تجربي! وجربت، وذاقت، وقالت في
استحسان: كم هو لذيذ، وكذلك فعل الآخرون!.
وفي
يوم آخر جاء فيه البطيخ، ومعظم من يأكلون
على المائدة هم هم، قلت: وبعضنا في مصر
يستخدم السكر أحياناً لا الفلفل، وبدأ
أحدهم ففعل، وقال: كم هو لذيذ، وكذلك
الآخرون». (كتاب أمريكا من الداخل بمنظار
سيد قطب، للدكتور صلاح الخالدي).
وقد
أوصلت تلك التجربة سيد قطب إلى نتيجة وهي
أن «كل ما يحتاج إلى ذهن وعضل فهنا تبرز
العبقرية الأمريكية، وكل ما يحتاج إلى
روح وشعور فهنا تبدو البدائية
الساذجة».
والواقع
أن سلوك الإدارة الأمريكية في منطقتنا
ينقصه الشعور بالحاجة إلى العدل بل وينقصه
الذوق في كثير من الأحيان! وإلا ما معنى
أن يطلب مسؤولون أمريكيون من رئيس السلطة
الفلسطينية عرفات بعد كل الذي فعله لضرب
حركة المقاومة الإسلامية القيام بحملة
«مائة بالمائة، على
الإرهابيين الإسلاميين»! فهذه العبارة
بهذا اللفظ بالتحديد تفتقر إلى الذوق
اللغوي كما تفتقر إلى الكياسة السياسية،
فلم أسمع مثلاً أن الإنجليز على صلفهم
استخدموا مثل هذه الألفاظ في تصريح رسمي
أو حتى «شوارعي»، لكن غرور الأمريكان في
الحقبة الكلينتونية أجاز لهم التعدي على
لغة ليست لهم في الأصل فحرفوها على هواهم
واستخدموها خارج سياقها العادي.
لم
تأت العجوز اليهودية أولبرايت للمنطقة
إلا لمهمة رئيسية لم تستح من الإعلان عنها
وهي تحقيق أمن إسرائيل بعد العمليات
الاستشهادية الفلسطينية في القدس التي
أقضّت مضاجع الإدارة الأمريكية (اليهودية
مائة بالمائة) مثلما أرهقت نتنياهو
وحكومته، وحين نقول بأنها إدارة يهودية
فليس ذلك من قبيل المبالغة، فكل طاقم
البيت الأبيض تقريباً يهود، وسبعة من أصل
11 عضواً في مجلس الأمن القومي يهوديو
الديانة وبقيتهم يهوديو الهوى، أما الرئيس
كلينتون فيكفيه «شرفاً» لقب «السفير
الإسرائيلي الحقيقي في واشنطن»، وهو
اللقب الذي أطلقه عليه عدد من الصحفيين
الإسرائيليين.
الرامبو
أولبرايت
ومن
تقليعات الرامبو أولبرايت تلك المسرحية
التي نسجتها وساعدتها في ترويجها في أوساط
الرأي العام الأمريكي ماكينة الإعلام
الأمريكي المهيمن عليها اليهود «مائة
بالمائة» أيضاً، حين زعمت عشية تعيينها
وزيرة للخارجية بأنها لم تكن تعلم بأصلها
اليهودي إلا بعد استلامها للمنصب الجديد!
لا أظن أن في العرب من بلغت به سذاجته ما
بلغت عند الأمريكان لتنطلي عليه مثل هذه
المزاعم، إن مادلين يهودية شكلاً ومحتوى
وهي ... لم عقد ... سابقت إصرار ... من إحالتها
... أصلها تحولت بقدرة قادر إلى بطلة قومية
تعاطف معها كل الأمريكان وعلى رأسهم
رئيسهم كلينتون، وهكذا يثبت أن وزراء
الخارجية الأمريكية الذين تولوا هذا
المنصب في فترات حرجة وحاسمة من حياة
أمتنا العربية كانوا يهوداً كهنري كسينجر
وجيمس بيكر وأولبرايت.
وإذا
كان للعدالة وجه واحد، فإنها عند الإدارة
الأمريكية بوجهين أو أكثر، فقد زارت
أولبرايت «ضحايا» الهجمات الاستشهادية
الأخيرة في المستشفيات الإسرائيلية وذرفت
الدموع على الجرحى (الأبرياء) أمام عدسات
الكاميرات، لكنها لم تكلف نفسها عناء
زيارة عينة من أكثر من 150
ألف
فلسطيني أصيبوا برصاص الإرهاب الصهيوني
على مدى الأعوام العشرة الماضية لأنها
غير معنية إلا بأولاد دينها وبالأم
الصهيوني، أما الفلسطينيون فليسوا أكثر
من «فئران» لآلة الحرب اليهودية، ورهائن
يعتقلون فقط لأن الوزيرة اليهودية طالبت
بضرورة اجتثاث «الإرهابيين» من جذورهم
ثم يُفرج عنهم بعد انتهاء زيارتها للمنطقة
أو لا يُفرج!
إن
المسؤول الأول والأخير عن العمليات
الاستشهادية التي تقع في فلسطين المحتلة
هو سلطات الاحتلال اليهودية، هذا ما لم
يجرؤ رئيس السلطة الفلسطينية عرفات على
إعلانه للعالم، لكن امرأة إسرائيلية تدعى
نوريت بيليد كانت «أرجل» من رجال السلطة
حين اتهمت الحكومة الإسرائيلية بالمسؤولية
عن انفجارات القدس الاستشهادية التي
قُتلت فيها ابنتها، وقالت: «الحكومة
الإسرائيلية هي التي تولّد الإرهابيين».
هي
التي أطلقتهم، إنها هي التي تغذيهم.. إنها
هي التي تسرق الأرض الفلسطينية، وتدمر
البيوت وتقتلع الأشجار وتمحو القرى عن
وجه الأرض، إنها هي التي تجوعهم وتذلهم
وتضطهدهم» (تقرير شيكاغو تريبيون من القدس
10 / 9 / 97).
ومن
أمثلة العدالة الأمريكية التقرير الذي
أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً
حول اضطهاد المسيحيين في العالم والذي
ركز على أوضاعهم في الصين وعدد من الدول
المسلمة، فلماذا يركز تقرير رسمي على فئة
أخرى؟ ولماذا لم يتطرق إلى اضطهاد المسلمين
في بلاد المسلمين أو غيرهم؟ فالذي يتحدث
عن عولمة الإرهاب من باب أولى أن يتحدث
عن عولمة حقوق الإنسان ومكافحة الاضطهاد
الديني في العالم كله.
من
أمثلة الاضطهاد التي وردت في التقرير هدم
السلطات المصرية لكنيسة كانت قد بنيت
بدون تصريح رسمي، مع أن الحكومة المصرية
أغلقت مساجد منذ سنوات لأنها غير راضية
عن الطريقة التي تستغل فيها الجماعات
الإسلامية تلك المساجد، والحكومة المصرية
حليف قوي للولايات المتحدة وهي بعد إسرائيل
أكبر دولة متلقية للمساعدة الأمريكية!
أما
تقرير الخارجية الأمريكية السنوي حول
أنماط الإرهاب العالمي فقد وضع خمس دول
مسلمة على قائمة «الدول التي ترعى الإرهاب»
التي لا تضم إلا سبع دول فقط، والقائمة
مرشحة لتضم مزيداً من الدول العربية
والمسلمة إذا حاولت تلك الدول الانحراف
عن السياسات الأمريكية، ورشح محللون
أمريكيون إضافة پاکستان ومصر ونيجيريا(!)
لهذه القائمة والذي يعني إبقاء تلك الدول
تحت مطرقة الإرهاب الأمريكي.
لقد
أدرج التقرير الأمريكي ليبيا على سبيل
المثال في القائمة للاشتباه بتورط مواطنين
منها في تفجير الطائرة الأمريكية فوق
لوكربي بأسكتلندا في ديسمبر عام 1988م،
والذي قتل فيه 270 راكباً، لكن العالم كله
صم أذنيه عن إسقاط البحرية الأمريكية
لطائرة ركاب مدنية إيرانية فوق مضيق هرمز
في يوليو عام 1988م وهو حادث اعترفت الإدارة
الأمريكية بارتكابه وقُتل فيه 290
راكباً!.
إننا
لا ننشد العدالة من الإدارة الأمريكية
فالحقوق تُنتزع غلاباً خصوصاً إذا كان
السلب الصهيوني مدعوماً من إدارة متهودة،
لكن ينبغي على العرب والمسلمين مسؤولين
وشعوباً أن يعوا هذه الحقيقة وأن لا
يتحولوا إلى أبواق تردد عبارات خارج
قاموسنا الإسلامي كالأصولية والإرهاب،
فلا خير فينا إن لم نكن أصوليين ملتزمين
بديننا (!) ولا أمل لنا بحياة حرة عزيزة إن
لم نكن نرهب عدو الله وعدونا الذي يجثم
على مقدساتنا، هم يمارسون الإرهاب والترويع
ونحن نمارس كل فنون تمكين بحق بعضنا حتى
لا يقولوا عنا «إرهابيون»!
زارت
أولبرايت جرحى العمليات الاستشهادية
الأخيرة وذرفت عليهم الدموع لكنها لم
تكلف نفسها عناء زيارة عينة من 150 ألف
فلسطيني أصيبوا برصاص الإرهاب الصهيوني!