; المجتمع الثقافي (1644) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1644)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2005

مشاهدات 63

نشر في العدد 1644

نشر في الصفحة 48

السبت 26-مارس-2005

«الواقع.. والفن» في مجموعة «الريح والجذوة»

أ.د. عمر بن قينة

«الحواجز المختلفة» التي تحول دون التواصل جعلت معرفتي الأخوية الفكرية بالأستاذ الدكتور حسن الوراكلي الجامعي الباحث الكاتب الأديب القاص مقصورة في البدء على الجانب الأكاديمي فيه أما حسن الوراكلي، الأديب، فقد كانت البداية في الطريق إلى معرفته مجموعته القصصية الريح والجذوة التي صدرت في منشورات مجلة المشكاة «مايو ۱۹۹۹م».

لاحظت منذ البدء أن الرجل أديب حتى في آثاره العلمية، وسرعان ما أكد الواقع توقعي ابتداء من المجموعة السالفة الذكر، وهو ما باح به في مقدمة الريح والجذوة، حيث تطفو عناوين مختلفة ذكرها الأديب نفسه، منها: «المهر»، و«فيوض» و «رسائل من أب لابنته المغتربة في طلب العلم»، و«الأشجار تموت واقفة و ممنوع الانتحار في الربيع» و«الكمامة»، وهي مما ترجم من المسرح الإسباني إلى اللغة العربية، ويوميات غير ذات شأن و الغدايا العشايا، وهي سيرة ذاتية، و«يأجوج ومأجوج و كراوفر»، و«الريح والجذوة»، والثلاث الأخيرة مجاميع قصصية انتظمت نحو أربعين قصة قصيرة، وما لم تنتظمه هذه المجاميع الثلاث مما كتبت ونشرت، قبلاً، في مجلات وصحف، فهو عندي ممحو غير مثبت، والسبب في ذلك أنه لم بعد، بعد بلوغ سن الرشد، يبلور مقتضياته واختياراته، ومن هنا فإن ما حوته المجموعات الثلاث، ومنها الريح والجذوة هي التي أحب أن يحتكم إليه في استخلاص تصوري لهذا الفن سواء في شكله أو مضمونه وما يتصل بهذا وذاك من قضايا وإشكاليات. عنوان المجموعة الريح والجذوة هو عنوان لإحدى قصصها وصورها، فبعد العنوان تتوالى العناوين التي تراوح بين مباشرة ووصف، وجنوح إلى رمز أنيق« نهر طالوت» «حمزة يعبر المجاز»« الخروج من الزمن الموحش» «السحابة السوداء» «الصرة» «العجل» «الغشاوة» «صورة »الخنساء تزغرد على شرفات القدس، ثم «لقطات» هي حيوات وصور، ومعالم، ورؤى بقلم أديب مبدع يتحرك تحت عيني رقيب لا يبرح الموقع هو المفكر الجامعي الأكاديمي الذي لا يسهو لحظة أن للكلمة سحراً ينبغي أن يصان ولكن لها أيضاً وظيفة ينبغي أن تتكرس لخدمة الإنسان في حياته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعاطفية بكل امتداداتها . فماذا أراد أن يقول لنا الأستاذ حسن في مجموعته الريح والجذوة سواء على مستوى البوح المباشر أو على مستوى التعبير الفني؟

باح لنا في مقدمته بما كان ينشده في أعماله الإبداعية، كما حرص على أن يوفر لنا وضوح الرؤية من عنوان المجموعة، مثلما وفر لنا متعة القراءة، وما منح الكاتب المجموعة عنوان إحدى قصصها إلا لموقع قصة العنوان من نفسه ورؤيته. إحدى عشرة تجربة فنية - فكرية واقعية تتربع على غلافها قصة العنوان على مساحة ثمان وتسعين صفحة. حسبت هذه التجارب في إطار واقعي شفاف يمتص رحيق الحياة بنظرة الفنان حيث تومض الصورة أو الفكرة والرؤية من دون شروح تغري بعضنا فتترهل الجمل والعبارات فإن مضت هذه التجارب لدى «حسن، معرضاً صادقاً من الحياة الواقعية المادية والنفسية فقد سمت في الوقت نفسه على أن تجعل من الفن نسخاً آلياً لمظاهر من الحياة الصاخبة أو الراكدة. لا تكاد تجتمع عناصر الواقع المادي حتى تطال من الزوايا الصور الموحية الأنيقة ويحضر توظيف التراث الديني نفسه بكل إشعاعاته المضيئة بشيراً ونذيراً منذ سنة منذ سنتين . لیست تسعفه الذاكرة مع ذلك هو الآن يتمثل الحدث. بحذافيرهأشعل أولاد الحارة النار في ذاكرته مبلغ. لم تمض إلا لحظة وجيزة حتى كانت النار تلتهم جميع أستار النوافذ … بالله، كانت نوافذ شمس وقمر.. وأصباح لا تدركها العشايا علت الوجوه كآبة كالحة . وشخصت الأبصار. هذا يوم عسر؟ قالها الرجل الغريب الذي كان يطوف شوارع المدينة، أشعث أغبر يحدث، لا يمل الحديث، لا أحد يعير الاهتمام للحديث عن قرية ظالمة، أحدث شخص ثقباً في السد الذي كانت القرية تبعد عنه آلاف الأميال والأميال…فكان طوفان، نكب فيه الآباء والبنون نلاحظ أن أثر التعبير القرآني سمة واضحة في تجارب الكاتب حسن الوراكلي، كما بدا بوضوح هنا في قصة العنوان نفسها: «فتحت أبواب السماء بماء أخضر، ليس بالعذب ولا بالأجاج، اختلجت به عروق الأشجار على سفوح جبل الصراخ والصمت. وشهق بمقدمه المحار في قيعان بحر الصراخ والصمت. لكن الرمال، كثبان الرمال ظلت مستعرة يزمجر في شرايينها اللهب، والصراخ المبهور.كالعويل! توقفت الجموع الناس والدواب والأنعام تحركت الجموع الناس والدواب والأنعام بلغت القلوب الحناجر..  لكن الأحداق ظلت تبرق برغبة، كالشبق في بقاء في حياة.. فيكون ذلك منعطفاً واضحاً إلى رمز هادئ مشع أنيق، يوظف التعبير القرآني أجمل توظيف من دون افتعال ولا تقطع متنطعين، كما نرى في خاتمة الريح والجذوة في الهزيع الأخير من الليل انطلقت ريح صرصر عاتية، ذرت رماد الحرائق، وكشفت عن جذوة نارا الريح كانت تدخل من باب، وتخرج من نافذة... الربح كانت تنعطف على زقاق لتقضي إلى ساحة واسعة..والجذوة تتوهج تتوهج . ومنها كان الفجر يقيس أنواره، ويضيء بها الآفاق والسراديب!ولا تلبث الريح نفسها حتى تغدو رمزاً، كما يغدو النهر كذلك، فتتكاتف في ذلك صور الحياة المادية في الأشياء، وظلالها النفسية مثل الحضور القوي للرؤية الفكرية المختلفة موقفاً والأدبية تصويراً. هو الأدب الواقعي الذي لا ينسخ الواقع نسخاً، وأدب الفن الذي لا يقتصر على الإمتاع لهواً، بل هما معاً متكاملان متآزران، هي وظيفة الأديب المتلبس بحياة أمته الصادق في تعبيره.

 

كتاب جديد

« من أجل أدب إسلامي فاعل ومتفاعل»

 صدر ضمن مطبوعات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو» كتاب جديد باللغة العربية بعنوان من أجل أدب إسلامي فاعل ومتفاعل. يشمل الكتاب الذي يقع في ٣١٦ صفحة من القطع المتوسط على أعمال ندوة حول الموضوع كانت قد عقدت في مقر الجامعة الإسلامية في النيجر في شهر أبريل ۲۰۰۲م، وذلك بالتعاون بين الإيسيسكو، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية والجامعة الإسلامية بالنيجر. وعقدت الندوة بهدف التذكير بقضايا الأدب الإسلامي ودوره في تعزيز ثقافة العدل والسلام بصفة عامة وبقصد التعريف بالأدب الإسلامي المكتوب بالعربية في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بصفة خاصة. اشتمل الكتاب على العديد من الدراسات والبحوث التي تناولت الأدب العربي الإفريقي، لا سيما الشعر التشادي والنيجيري والسنغالي، وهي عوالم شعرية مجهولة عند الكثيرين من مرتادي الأدب العربي. وجاء في تقديم الكتاب أن الفنون والآداب عناصر رئيسة من مجموع مكونات الهوية الذاتية لأي أمة متحضرة، فهي نتاج عقول أبنائها وثمرة قرائحهم، وهي -إلى ذلك. أبرز مظاهر تأثيرها الحضاري والفكري في الحضارات الأخرى، ومقياس وعائها الإنساني، وتجاربها الذاتية، وهي المكون الأقوى والأهم لشخصيتها الثقافية ولكيانها الحضاري، واللغة هي لسان الإبداع الفني والأدبي غالباً، وبذلك تعد العناية بها محافظة على أهم وسائل التواصل الإنساني، ورعاية للوعاء الثقافي الذي تمثله الحضارة في جانبها الفكري. ويعكس الكتاب هذه المعاني و«المفاهيم جميعاً».


١٠٠ عام على رحيل فارس السيف والقلم محمود سامي البارودي

صلاح حسن رشيد

تجمعت عوامل خاصة وظروف مواتية ساعدت على بزوغ نجم شاعر العرب في العصر الحديث، ورائد التجديد والإحياء بلا منازع وشاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي باشا (١٨٣٩ -١٩٠٤م) الذي رد لشعرنا العربي صورته النقية ووجهه الصحيح، وروحه التي ضلت عن السرب حيث استقرأ تاريخنا الشعري عبر صفحات المتلألئة زمن الجاهليين والعباسيين.

 توصل بقريحته الفذة، وخياله المحلق في الإبداع الإنساني -وعلى رأسه ما انتجته السليقة العربية من فنون الوجدان والأنغام الساحرة إلى أعلى نموذج فني وأدبي يمكن أن تهتدي إليه الذائقة العربية.. وهكذا أحيا البارودي في الوجدان العربي تاريخنا الفني القشيب، متجاوزاً مرحلة السجع والجناس ومن ثم استنبت البارودي لأمته العربية ما يصلها بجذورها الممتدة الراسية في شجرة الحضارة والنهضة التي أسسها الأجداد العظام، وربط ما انقطع برباط متين، ولفت الأنظار إلى النموذج الأعلى في عالم الجمال الفني لكي نستمد منه الأصالة والحيوية والفتوة، وتنطلق من خلال المعاصرة إلى مناح أخرى من التجديد والتطوير والإضافة ولكن بروح عصرنا ومنطق بيئتنا وظروفنا الخاصة بالاعتماد على مضمون جديد في إطار الشكل المتعارف عليه رمز البلاغة والموسيقى.

-نشأة البارودي وبيئته

ولد البارودي في قرية إيتاى البارود بمصر فاتحاً عينيه على نغمات ربة الشعر، حيث عاش ونما وترعرع في بيئة تعتز باللفظ الرشيق وتميل إلى ترديد الفخم الجزل من الأبيات التي تعلم الفروسية والبطولة والنخوة والشهامة وكراهية الضيم. وما إن بلغ السابعة من عمره إلا وعائقته ربة الشعر والتحمت بكيانه.. فقد وجد متسعاً من الوقت في بيته ليطالع أمهات الدواوين من الشعر القديم حفظاً وتذوقاً ومعايشة كما وجد في أعمامه وأخواله وأسرته خير معين على تغذية شاعريته المتفجرة. 

يقول البارودي صبياً :أنا في الشعر عريق لم أرثه عن كلالة كان إبراهيم خالي فيه مشهور المقالة وقدر لهذا الشاعر الكبير أن يكون فارس الميدان العربي فروسية فعلية وقولية، حيث التحق بالمدرسة الحربية بمصر يريد أن يتخرج فيها ضابطاً على غرار أبيه، وكأنما كان يحن إلى استعادة أمجاد البطولة والفخار والانتصارات العسكرية المدوية في جنبات أوروبا التي سجلها عصر محمد علي باشا. وكان القدر اختار لهذا الفتى النابه أن يجمع بين الحسنيين معاً.. الريادة الشعرية، والمجد العسكري. يقول الشيخ المهدي: وفي هذه الأيام من عهد عباس الأول دخل البارودي المدرسة الحربية فلم تستطع أن ترده عن مناهل الشعر العربي القديم بل مضى يعكف عليها، ويسرف في العكوف، وكأنما أصبحت جزءاً من نفسه وكانت العروبة تتعمق في هذه النفس بحكم أسرته وبحكم بيئته المصرية العربية، وبعد تخرجه من المدرسة الحربية نراه محولاً إلى نفسه هذا السيل الغزير، وكان أكثر ما يستهويه أشعار الحماسة والبطولة والقوة وما يتراءى له في الأفق البعيد من أمجاد أسلافه المماليك الذين عصفوا بالصليبيين والمغول وطردوهم شرطردة. هذا هو البارودي وعالمه الشعري الذي تستوحي في أجوائه معاني النضال القومي والتحرير الوطني والفروسية بأجوائها التاريخية في سياقات وأشعار المتنبي وأبي فراس الحمداني، ومن قبلها شهامة ونخوة عمرو بن كلثوم ودفاعه عن العروبة إزاء غطرسة الآخر المتجبر، وهذا هو قاموسه الشعري غير المسبوق في زمانه الذي نحته نحتاً من غير مثيل ولا شبیه، وكأنه أعاد إلينا زمن المتنبي، حيث الفحولة والمتانة والفروسية ورسالة الشاعر القومية والمجتمعية. وبسبب فروسيته تلك شعراً وحرباً اشترك البارودي في الحرب التي قادتها مصر عندما استنجدت بها الخلافة العثمانية لإخماد الثورة التي نشبت في جزيرة كريت، وأبلى فيها بلاء حسناً حتى هذا قلبه لرؤية بلاده، فقال: 

سرى البرق مصرياً فأرقني وحدي                   وأذكرني ما لست أنساه من عهد

-النضال والثورة ضد الظلم

ولما عانى الناس من الظلم والفاقة في عهد الخديوي إسماعيل ثار الغيورون، وعلى رأسهم بالقطع فارس الحلبة وشاعر العرب ومصر محمود سامي البارودي الذي قال: 

حليت أشطر هذا الدهر تجربة            وذقت ما فيه من صاب ومن عسل

 فما وجدت على الأيام باقية               أشهى إلى النفس من حرية العمل

لكننا من رجال السوء في زمن                أهل العقول به في طاعة الخمل

ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت         قواعد الملك حتى ظل في خلل

وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة                بعد الإباء وكانت زهرة الدول 

ولهذا فلا تنتظر من البارودي الثائر الفارس المغوار الباني للعربية مجدها الشعري في العصر الحديث سوى مجابهة الطغيان والذل والقهر، وليس الخضوع والاستسلام لأن قاموسه الحياتي والشعري لا يعرف إلا لغة القوة والصمود.

-قوة العزيمة

وباستقراء ديوان البارودي المكتنز بالخيال الجميل والصور الرائعة والألفاظ المتينة القوية ذات الجرس العالي نلحظ ميله إلى الحديث عن طلب المجد وسل السيف ونشدان الحرية مثلما كان يفعل المتنبي، وكأنه قرينه في هذا العصر من صاحب العجز لم يظفر بما طلبا فاركب من العزم طرفاً يسبق الشهبا لا يدرك المجد إلا من إذا هتفت به الحمية هز الرمح وانتصبا يستسهل الصعب إن هاجت حفيظته ولا يشاور غير السيف إن غضبا إن حل أرضاً حمى بالسيف جانبها وإن وعى نبأة من صارخ ركبا فاحمل بنفسك تبلغ ما أردت بها فالليث لا يرهب الأخطار إن وثبا يقول الدكتور شوقي ضيف عن زيادة البارودي مصرياً وعربياً وحمله تاج الإحياء والتجديد وبينما يعاني الشعر العربي في كل قطر من الأقطار العربية هذه المحنة - يقصد التكلس الشعري زمن المماليك والعثمانيين - التي تأخذ بأنفاسه إذا مصر يقدر لها أن تكون أسبق هذه الأقطار إلى النهوض به وبث الحياة فيه من جديد لا عن طريق هؤلاء الشعراء، وإنما عن طريق البارودي الذي كان أمة وحده في عصره والذي امتلأ طموحاً بتحقيق مجد شعري تعنو له الوجوه، وقد ملك عليه الشعر قلبه، واستهوى ليه؛ فإذا هو يرفع لواءه محرراً له من قيوده الغليظة، وإذا هو يحمل شعلته إلى الأجيال الجديدة، وسرعان ما توهجت وهجاً «لا نزال نعيش فيه إلى اليوم».


-قصة قصيرة: 

 الميكانيكي

أوقفت سيارتي في نفس المكان الذي تعودت أن أوقفها فيه.. لم تكن هذه هي الزيارة الأولى لهذا المكان، فقد تعودت أن أقوم بفحص دوري للسيارة كلما شعرت بالحاجة لذلك. لم يكن قاسم كبيراً في السن، وإن كنت أقرأ في ملامحه تجاعيد الأربعين.. بدا لي كشجرة مهملة لم يتعهدها أحد بالري والتشذيب. فجفت بعض أغصانها واصفرت.. ونمت من حولها الأعشاب فزاحمتها على الحوض، كان ضعيف البنية، لوحت الشمس بشرته فبدا لونه محترقاً، يظهر التعب على وجهه، وتغار عينه في حزن ورجاء.. تقرأ في ابتسامته مرارة العمل وطلب الرزق، وتعب الغربة والتفكير في الأهل. هل تحتاج إلى تغيير الزيوت؟ يمكنك أن تسير عليها مدة إضافية... لا بأس أفضل أن أغيرها الآن.. ربما لا أجد وقتاً فيما بعد.ذهب مسرعاً ثم عاد يحمل في يده زجاجة باردة دفعها لي وابتسم، وأصر على أن أشربها.. ثم بدأ في عمله صامتاً.عدت للحديث معه ثانية.. «أنت مغترب، أليس كذلك؟ » «نعم، أنا كذلك» وابتسم لي في سذاجة. «أهلك معك هنا.. أم أنك تركتهم في البلاد؟» سرت لحظة صمت.. شعرت كأنها سيف مزق تقاسيم وجهه.. وقبل أن أسمع الإجابة كنت قد رحلت إليهم هناك في قرية صغيرة تقع على قمم الجبال.. ورأيت البيوت الحجرية القديمة.. والأغنام تسرح مع خيوط الفجر إلى المراعي الصخرية تلتمس عشبة تظهر من بين الصخور.. وأطفالاً في ثياب شبه ممزقة أو في رفع مجتمعة إن صح التعبير.. وأيقظتني إجابته من غفلتي تركتهم هناك في البلاد مع بقية الأسرة. 

انشغل قاسم بالسيارة ينظفها ... ثم ذهب وعاد حاملاً خمس علب صفها فوق منضدة تشبعت بالزيت.. وأخرج من جيبه قطعة حديد مدببة في طرفها وفي الطرف الآخر تشبه السكين التي يستخدمها الفنان في النقش على الخشب، وبهدوء فتح العلب وعاد للسيارة وبيده قمع مسحه وبدأ في صب الزيت «هل تفكر في السفر؟» «نعم.. لابد أن أسافر، ولكن ليس في الفترة الحالية». «متى تنوي السفر؟» كنت أتأمل في ملامحه المنكسرة.. كان فيه شيء عجزت عن الوصول إليه.. إنه نوع من الذل أو الشعور بالغربة، أو المرارة، لا أدري ما هو بالضبط، ولكنه شي يجعلك تشعر به وتشفق عليه «ربما بعد سبعة أشهر أو ثمانية» «أتشعر بالراحة هنا؟» «أنا مرتاح.. ويوجد لي قريب هنا يزورني بين فترة وأخرى». قلبت نظري في ملابسه.. بدت لي الملابس متشبعة بالزيت.. تعمدت الا يراني أنظر إليه هكذا.. مع أنني متأكد أنه لن يهتم بنظرتي... لم يكن من النوع الشكاك، أو الذي يؤول نظرتك.. بدا ساذجاً بسريرة صافية.. أطهر من أن يحمل في نفسه حقداً على أحد. انتهى من تغيير الزيت.. ولكنني أردت أن أبقى معه فترة أطول.. شعرت أنه أهزل مما تصورت في البداية.. ترى لماذا تغيرت نظرتي له؟بدأ يحدثني عن الأمطار في بلاده.. عن الربيع.. عن الناس البسطاء وابنه أحمد الذي سيبدأ في الدراسة هذا العام كنت أسافر معه في قصته البسيطة يرويها لي بأحرف عامية، لكنني شعرت ببلاغتها تهزأ بأقلام الكتاب لم تكن القصة تروي شيئاً معيناً كان ينتقل من نقطة لأخرى شعر بالأنس لي فبدأ يحكي لي تفاصيل غربته. انتهيت من السيارة. هل ترى الماء إذا تكرمت؟ فتح علبة الماء.. ثم ذهب وعاد حاملاً ماء في أخضر وأخذ يصبه في السيارة.. اختلفنا الحساب.. لم يكن يريد أن يأخذ المبلغ الذي دفعته إليه.. أصر وازداد إصراري.. ومع قسمي عليه قبل بالمبلغ وهو مطأطئ الرأس انطلقت بسيارتي، ولكنني كنت في مكاني معه.. أفكر في أسرة تعيش في الجبال في انتظار ثمن علبة زيت يعيشون بها ويتعلمون بثمنها.. ومن هذه المعيشة البسيطة تخرج قلوب صافية كقاسم متصلة بربها متفانية في عملها مستقرة في مشاعرها، قنوعة لا ينغص عيشها سوى الشعور بالشوق لمن تحب.
 

عبدالله بن علي السعد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1250

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

139

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

125

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع