; الواقع السياسي للمجتمع الدولي والتحولات السياسية | مجلة المجتمع

العنوان الواقع السياسي للمجتمع الدولي والتحولات السياسية

الكاتب حامد أحمد الرفاعى

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989

مشاهدات 56

نشر في العدد 930

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 29-أغسطس-1989

- أسئلة هامة تطرح نفسها في ميادين العمل الجاد لتصحيح حاضر الأمة والارتقاء بمستقبلها.

- لابد من تكامل فهم المسلمين وتصوراتهم وتنمية قدراتهم ومهاراتهم.
لقد كان من فعل الحربين العالميتين الأولى والثانية وما تميزتا به من نهج قهري في معركة الصراع على السيادة العالمية والسيطرة على قدرات العالم والتحكم بموازين القوى فيه أن توجه المجتمع الدولي وجهة أمعن فيها بلغة البطش والفتك.. وأسرف في توفير أدواتها ووسائلها.. مسخرًا كل إمكاناته وقدراته الإبداعية لإنتاج أفتكها وأقدرها على التدمير والتخريب.

وقد كان له ذلك وتحولت الأرض إلى عبوة كبيرة محشوة بمخزون هائل من مادة الفناء المرعب، فضلًا عما يعمر فضاءها من مخزون عالمي في التقائه لوسائل الرصد والتحكم مما جعل مصير الإنسانية وتراثها الحضاري رهينة ضغطة زر يحيلها من بعد إلى قاع صفصف.. وهكذا أخذت الأرض وأجواؤها نصيبًا موفورًا من أسباب الفناء الجماعي الذي لا يبقي ولا يذر.. وهكذا دب الرعب والقلق في نفوس رواد تكنولوجيا الموت- بما صنعت أيديهم بمخزون أحقادهم، وذلك على حساب مقومات النماء الحضاري لشعوبهم ومستقبل أجيالها وأجيال الإنسانية الشقية يضيعهم فتنادوا حذرين للحد من انتشار راجمات حجم الموت والدمار.. وللحد من معدلات إنتاجها، وقد أيقن الجميع بعموم بلواها وشمولية خرابها ودمارها.. وقد اختصرت التكنولوجيا نفسها الزمان والمكان.. فتقاربت أطراف الأرض وطويت مسافاتها مما جعلها ذراع بطشها وحمم حرائقها تطال الجميع على السواء وبكل يسر وسهولة.

وهذا هو بتقديرنا مبعث التحولات الاستراتيجية على ساحات التأثير العالمي، تحولات تقوم على منهجية البحث عن بدائل آمنة لتحقيق طموحات التفوق والسيادة والغلبة في حلبة الصراع الدولي.. بعد أن شب عن الطوق المولود النووي وفراخ الرعب في محاضنه.. ونحسب أن البدائل عند الجميع تتجه نحو استراتيجية التفوق البشري، واستراتيجية التفوق الاقتصادي.. وقد بدأت ظواهر الاهتمام والاعتناء بمقوماتها الأساسية هي:

1- العنصر البشري ومحاولات النهوض به وفك قيوده وإطلاق مقوماته الفطرية اجتماعيًا وسياسيًا بعد أن أهمل إلى حد كبير وفق منهجية استراتيجية التفوق النووي.

2- العنصر الاقتصادي والتركيز على تعددية موارده وتوسيع مساحات تعامله واستقراره..

3- توسعة وتكثيف ميادين الغزو الثقافي على حساب الغزو العسكري الذي أثبت سلبياته بكل تجاه.

ومن أبرز المؤشرات العلمية بين يدي هذه التحولات الاستراتيجية:

- اتفاقيات الحد من سباق التسلح النووي وضبط معدلات إنتاجه.

- اتفاقية الرقابة النووية المشتركة وبوادر التعامل الميداني مع مضامينها.

- التعاون في مجال التكنولوجيا الخيرة والدخول في ميادين تبادل خبراتها.

- تهدئة بؤر التوتر العالمي.. ونزع فتيل نقاط تماسها الساخنة.

- محاولات بعث أجواء التعايش والتقارب الأيديولوجي والسياسي على مستويات مختلفة.

أجل إن القوى العالمية اليوم.. تتحرك باتجاه استراتيجية التفوق البشري لكياناتها الجماعية.. استراتيجية قوامها.. التكامل الثقافي والتكامل الاقتصادي.. وهذا لا سبيل لتحقيقه إلا بتوسيع مصادره وتوحيد قدراته.. في إطار التركيز على منهجية العمل الجماعي وتأصيل تعاونياته وتقعيد علاقاته الدستورية والسياسية على مختلف المستويات الإقليمية والقارية والعالمية.. فلا عجب بعد أن نرى اليوم ولادات لكيانات سياسية موسعة على حساب كيانات مبعثرة أو كيانات حجمت من قبل مكانتها التاريخية المرموقة، نتيجة لمقاصد سادة الحربين الكبيرتين وامتداداتها الساخنة والباردة على الساحات العالمية.. وهذا يفسر ما نلمسه من منهجية جادة لتجاوز التقسيمات السياسية التقليدية.. والقفز من فوق فواصلها التاريخية لإقامة أشكال وصيغ لكيانات جماعية بين جهات مختلفة على أكثر من ساحة من ساحات الامتداد العالمي.. وما ذلك إلا بقصد تحقيق تكامل ثقافي واقتصادي وسياسي يكسبها تفوقًا بشريًا يعزز إمكاناتها الكفائية الذاتية.. ويؤمن لها قدرات متفوقة في حركة التدافع مع الآخرين في إطار صراع موازنات التعامل الدولي.. القائمة على أساس معركة إثبات الذات وتحقيق الطموحات العالمية.. أجل إن استراتيجية التفوق البشري القائمة على منهجية التكامل الجماعي لفعاليات القوى العالمية.. أصبحت اليوم الملاذ الحصين لتحقيق أمنها واستقرارها.. ومن ثم تحقيق طموحاتها العالمية في السيادة والغلبة.. بعد أن تأكد لديها فشل وتدهور استراتيجية التفوق النووي في تحقيق هذه الطموحات.. وبعد فإن ما تقدم يؤكد أمرًا لا لبس معه ولا غموض، وهو أن لا مكان من قبل ولا من بعد للفردية السياسية في حلبة الصراع العالمي، فأي كيان سياسي لن يستطيع المحافظة على وجوده.. وتأكيد سيادته فضلًا عن تحقيق مصالحه وطموحاته الحاضرة والمستقبلة إلا عبر منهجية العمل الجماعي مع من تجمعه معهم مقومات وخصائص التكامل الجغرافي والاجتماعي والسياسي وغيرها على جميع المستويات الإقليمية والقارية والعالمية.. وكذلك عبر منهجية العمل الجماعي الإنساني وفق مبدأ الاستخلاف العام لعمارة الأرض.. ففي إطار حركة المفاعلة والتدافع بين مختلف اتجاهات ومذاهب الاستخلاف والعمارة في الأرض.. يتهيأ للإنسانية عامة أسباب الخير والصلاح.. وتتراجع أسباب المفسدة والخراب.. فالتدافع الإنساني سنة من سنن الله تعالى في خلقه اقتضتها حكمته ومشيئته لعموم فضله على العالمين.. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 251).

والآن وفي ضوء كل ما تقدم.. وامتثالًا لمهمة شرف التكليف الرباني لتكونوا شهداء على الناس فما عسانا فاعلون نحن المسلمين؟ فما هو موقفنا مما يجري من حولنا؟ وكيف نتعامل مع توجهاته العالمية؟ بل ما هي استراتيجيتنا الموازية.. إن لم تكن المتفوقة.. وما هي مقوماتها؟ وكيف نستطيع تحقيقها والسير بها في خضم التصارع والتدافع الاستراتيجي العالمي؟ هذه أسئلة وأخرى غيرها تطرح نفسها في ميادين العمل الجاد أمام الرغبة المخلصة لأجيال أمتنا في تصحيح حاضرها والارتقاء بمستقبلها.. أسئلة ضاغطة وملحة.. تفرزها المعاناة الصعبة من واقعنا الاستثنائي نسبة لواقعنا التاريخي.. ونسبة لأصالة رسالتنا الحضارية أسئلة تفجر معانيها وطاقة البحث عن إجاباتها.. الواقع الضاغط لطبيعة نهج المجتمعات الدولية من حولنا.. وتسارع تحركاتها باتجاه تغييب هويتنا ووأد مواقع الخيرية من حاضرنا، وإجهاض بشائر الجدية في صناعة مستقبلنا.. أجل أسئلة موضوعية تدفع بها رغبة جادة لأجيال أمتنا في تحقيق ذاتها وإعادة مجدها واستئناف واجبها الحضاري في تسديد وترشيد مسيرة الإنسانية من حولها.

وأمام هذه الأسئلة الموضوعية الجادة.. النابضة بحيوية صحوة أجيال أمتنا.. لابد من تفاعل موضوعي مسؤول وجاد نتلمس به الإجابات المكافئة لحيوية هذه الأسئلة وعظم مسؤوليتها أمام الله تعالى.. ومن ثم أمام حق الأجيال علينا في حاضرنا ومستقبلنا.. ونحسب أن أول الخطوات الجادة والموضوعية في تلمس هذه الإجابات هي التزام الجرأة والشجاعة مع الموضوعية والتجرد في تحديد أسباب الاستقصاء الحضاري في مسيرة أمتنا.

واستجابة لهذه المعاني نقول- وبالله تعالى نستعين وعليه نتوكل وبه نستعصم من كل زلل وزيغ: إن ما أصاب ويصيب أجيال أمتنا من تعثر واستعصاء في استئناف مسيرتها وحيوية عطائها الحضاري.. مرده لأمرين اثنين أساسيين: أولاهما: خارجي يتعلق بموقف جهات عالمية من تراثنا الحضاري ونموذجيتنا السياسية التاريخية.. الموقف المتسم بالجحود والنكران في طمس معالمنا ومسخ فضائلنا الحضارية.. بل الحؤول دون تجدد قيامها وعودة صيغها الإنسانية الخيرة.. وثانيهما: داخلي ذاتي.. يتعلق بالواقع المتردي.. ثقافيًا وسياسيًا.. لغالب الكفاءة العربية والإسلامية.

أما ما يتعلق بالعامل الأول.. والذي مداره ومآله.. المكر والكيد والعمل الجاد دون تجدد انبعاث الفعالية الإسلامية ودون استئناف مهمتها الحضارية العالمية.. نحسب أنه ما ينبغي أن نشغل أنفسنا ونبذل أكثر مما بذل في وقت وجهد في إثباته وفضح حقيقته لأن القضية بالنسبة للمسلمين على الأقل محسومة أدلتها تاريخيًا بقصص القرآن الكريم ومؤكدة بتحذير الله تعالى لرسول الإنسانية- صلوات الله وسلامه عليه- بقوله الجامع المانع: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾ (البقرة: 120)، ولكن الجانب من هذا الأمر والذي لا يزال بحاجة إلى كثير من بذل الجهد والوقت.. هو الفهم الميداني الدقيق لأبعاد هذا الموقف.. والإحاطة الموضوعية بوسائله وأساليبه المعاصرة في المكر والكيد.. الفهم والإحاطة بالقدر الذي يخدم استكمال دراستنا عن الواقع الإنساني وطبيعة مناهجه الميدانية.. بما يحقق تكامل فهمنا وتصوراتنا وينمي قدراتنا ومهاراتنا في التعامل مع مكرهم وكيدهم.. والتفوق عليه ورده في نحور أصحابه ورواده.. وفق معاييرنا وثوابتنا الأخلاقية نحسن أن مرده لغياب وحدة الفهم والتصور لمادة الإسلام.. في ميادينها التطبيقية على الأقل بعد انحسار الشريعة الإسلامية عن واقع المسلمين ومناهج حياتهم المعاصرة.. إلا ما هو قائم بفضل الله تعالى في المملكة العربية السعودية.. رغم كل هجمات الكيد والتآمر.. وكذلك لغياب وحدة الفهم والتصور لعلاقة المسلم بغيره، وغياب وحدة الفهم والتصور لمهمة المسلم في عمارة الأرض في إطار وسياق التكليف الإنساني العام لتحقيق هذه العمارة.. أجل إن غياب وحدة الفهم والتصور حول هذه المعاني وغيرها هو العامل الأهم الذي يحول دون انبعاث الفعالية الإسلامية ودون إقلاع الأمة من ميادين ضعفها وتخلفها.. ومن ثم دون انفلاتها لاستئناف مهمتها الحضارية بين الأمم.. وخلاصة القول وباختصار بالغ فإن استقصاء وتعثر مسيرتنا الحضارية مرده لغياب تكامل فهمنا لرسالتنا ومهمتنا الإنسانية.. وغياب تكامل لقاءاتنا ومهاراتنا لأداء هذه المهمة، وبعبارة أدق لغياب تكامل فهم الحق وغياب من في إطار قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).

أجل إن المؤمن ليمكر ويكيد ولكن بمعايير خيرة يحكمها العدل والإنصاف.. والبعد من الجور والاعتداء.. أي إن المكر من حيث هو لا يقلقنا كثيرًا.. إلا بقدر غياب فهمنا بطبيعة وبقدر غياب قدراتنا ومهاراتنا في استيعاب وتصريف مكائده وبكلمة أخرى فإن الذي يقلقنا ويقض مضاجعنا هو غياب الاستعداد والتهيؤ لبعث الاستراتيجية الإسلامية القادرة على التصدي لكل ما يراد بنا.

وعن العامل الثاني وهو الأهم والأخطر.. على مسيرتنا وما تلاقيه من تعثر واستقصاء والذي يتعلق بالواقع المتردي- ثقافيًا وسياسيًا- لغالب أمتنا العربية والإسلامية.. هذا الواقع الذي لا يزال يقف حائلًا دون تحولها من الغثائية الواهنة إلى الثقلية الحضارية المنشودة رغم الرغبة الجادة والجهود المخلصة المبذولة هنا وهناك غير ميادين النبض الصحوي لأجيالنا المعاصرة.. ممارسة الحق.

والآن.. إن كان ما تقدم هو سبب التعثر وعدم التقدم لأمتنا.. فما السبيل لتكامل فهم الحق وما السبيل لكسب المهارة اللازمة لممارسة هذا الحق؟

وابتداءً نقول: لا شك أن الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها يتعذر على شخص بمفرده أو نفر قليل مهما توفر له من كفاءة وإحاطة- أن يوفيها حقها أو يأتي على كل وقائعها ومع هذا لا يمنع بل هو الواجب الملح.. أن يقدم كل من يستطيع المساهمة بما لديه من إمكانية، فمن تكامل الرؤى والأفكار يتولد تكامل الفهم للحق ومن تكامل التجارب والمهارات.. تتولد المهارة المطلوبة والمتكافئة مع الحق في ميادينه التطبيقية.. ورحم الله تعالى الشيخ الزهاوي وقد عبر عن ذلك بقوله: «إن العالم الإسلامي اليوم يحترق، فمن استطاع أن يصب قليلًا من الماء ليطفئ الحريق فليفعل.. ونحن بروح الإحساس بالمسؤولية تجاه حاضر أمتنا وقد اتسعت حرائقه، وتأججت بل تسعر نيرانه.. لنتجاوز الحاضر باتجاه ساحات المستقبل.. نقترح المشروعات التالية:

أولًا: التكامل الثقافي لأجيال الأمة وعناصره:

1- وضع منهاج يحقق هذا التكامل.

2- وضع برنامج عملي لتطبيق المنهاج.

3- اختيار نخبة قادرة على إنقاذ هذا المنهاج.

4- توفير جهة مسؤولة تتبنى هذا المشروع وتيسر إمكانات تنفيذه.

ثانيًا: هيئة حكماء المسلمين وعناصره:

1- فكرة المشروع.

2- مهمة هيئة الحكماء.

3- البرنامج العملي.

4- مواصفات الحكماء.

5- مقر المشروع.. ومشروعية وجوده.

ثالثًا: التأصيل والتنسيق مع مواقع العمل الإسلامي في العالم.. عناصره:

1- فكرة التأصيل.

2- منهجية التنسيق.

3- البرنامج العملي للمشروع.

4- الكفاءات المناسبة لإنقاذ المشروع.

رابعًا: الاتجاه العالمي للوقف الإسلامي في المهجر:

1- 1- فكرة الوقف.

2- 2- منهجية الوقف.

3- 3- البرنامج العملي لتحقيقه.

4- 4- الشخصيات المناسبة لإنقاذه.

كما وأننا بعون الله تعالى سنتابع في طرح بعض الدراسات المتعلقة بهذه القضية، فإلى لقاء إن شاء الله.

الرابط المختصر :