العنوان الوافد الكريم
الكاتب أحمد إسماعيل عبدالكريم
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 92
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 60
السبت 01-نوفمبر-2003
الوافد الكريم
عندما يهل هلال شهر رمضان الكريم تشرق الدنيا بهجة بقدومه، لأنه يجدد خلاياها ويعطرها بأريج روحاني عذب، فتصفو النفوس من أكدارها وتنتشي بأكاليل من الرحمة العارمة التي تعم الكون وتخلد في النفوس، ويتحقق الرضا النفسي لاستجابة القلوب لأمر بارئها عز وجل، فترتاد الأنفس البشرية منزلة الملائكة المقربين لرب العالمين الذين نزع الله من قلوبهم نيران الشهوات، وأزاح عن نفوسهم نزعات الهوى.
وقد أفاضت قرائح الشعراء بما اتسم به هذا الشهر العظيم من النفحات الربانية والتجليات الروحانية التي تخيم على مظاهر الحياة، فتكسبها رونقًا وجلالاً.
وقد أضفى الصوم على المؤمنين بكل التجليات التي هذبت أخلاقهم وارتقت بسلوكهم، فأدبهم ربهم فأحسن خلقهم، وروض نفوسهم حيث لا شياطين ولا أتباع يناصرون ولا أحزاب له يؤيدون بل ملائكة الرحمة يناصرون أحباب الله عز وجل.
والشعراء الذين يصورون مشاعرهم تجاهه يؤكدون أنهم ينتظرون قدومه على أحر من الجمر لما يتسم به قدومه من جليل الصفات وعظيم السجايا، فيقول الشاعر يس الفيل في قصيدته «رمضان أنت بما نحب جدير»:
شوقي على مدى الشهور يجور
ودمي لبعدك في العروق يمور
ومشاعري تهفو إليك وإن يكن
أملي بقربك ما غزاه فتور
ومحبتي لك تستحث خواطري
أن تستطيل وفي مداك تدور
قبل المجيء لنا أراك عوالمًا
منها على ملأ يفيض حبور[1]
وشاعرنا «محمد حسن فقي» يستقبل شهر رمضان، وهو أكثر فرحًا وشوقًا إليه وسرورًا بلقياه، فقدومه يتوج قلبه بالبهجة والبشر، إذ يشعر بفارق كبير بين مقدمه وحياته في بقية الأيام في عامه حيث تغمر النسمات الرمضانية روح المسلمين:
رمضان في قلبي هماهم نشوة
من قبل رؤية وجهك الوضاء
وعلى فمي طعم أحس بأنه
من طعم تلك الجنة الخضراء
ما ذقت قط ولا شعرت بمثله
أفلا أكون به من السعداء؟
وتطلعت نحو السماء نواظر
لهلال شهر نضارة ورواء
قالوا بأنك قادم فتهللت
بالبشر أوجهنا وبالخيلاء
رمضان ما أدري ونورك غامر
قلبي فصبحي مشرق ومساء[2]
وما يقتصر التشوق إلى رمضان على الناس فحسب بل تهيم الدنيا إليه شوقًا، فيصور لنا الشاعر يس الفيل مدى هيام الكون بقدوم هذا الشهر الكريم، حيث تهفو الدنيا شوقًا إليه وتألقًا بقدومه فيقول الشاعر:
فإذا أتيت وأنت أكرم زائر
للأرض هللت الربا والدور
واستنفرت سحب اليقين هطولها
وانساب موج منه يورق بور
وسما بنا ورع النهار سما بنا
في ليلنا التسبيح والتكبير
يا أيها الشهر الجليل حملتنا
حملاً لواد فيه يشرق نور[3]
وفي قصيدته رمضان يا عرس الهداية، يقول الشاعر رفعت المرصفي مرحبًا بقدومه؛ حيث تهللت أساريره وملات قلبه البهجة إذ يتدفق نبع فياض من الرحمة ويعم الخير:
رمضان يا عرس الهداية مرحبًا
يا نبع خير في الوجود تدفقا
ما أنت إلا رحمة علوية
خص الإله بها الورى وترفقا[4]
ويشيد الشاعر «جاك صبري شماس» بفضائل هذا الشهر المجيد بما حلت على الدنيا من فيض فضائله، وبما اكتست به الدنيا من وجاهة وزينة غطت أرجاء الكون، وإكساب الحياة رونقًا وبهاء يند عن الوصف يغطي شهور السنة كاملة فيقول في قصيدته «أكرم الشهور»:
أطللت وجهًا مشرقًا ريانا
وغمرت أفئدة الشعوب حنانا
وسموت بالأنداء ترفل بالشذا
وتسيل في ثغر الورى قطرانا
عاودت برك والوفاء يشدني
لأصوغ من حلل القريض جمانا
يا خير شهر قد تنزل بالتقى
يهمي خصالاً ينشد الفرقانا
تاج يزين شهور عام بالسنا
ويخط سفرًا شامخًا ومصانا[5]
ويصور لنا الشاعر «عبد المنعم عبد الله»، مدى بهجة الدنيا وسرور الكون لقدوم شهر رمضان إذ تستقبل الدنيا كلها قدومه محتفية به أشد ما يكون الاحتفاء، فيقول في قصيدته «أنا صائم»[6]:
نور يطل على الوجود ويشرق
كم باتت الدنيا له تتشوق
ترنو لمطلعه لتشهد بدره
(رمضان) إن هلاله يتألق
عطر الهدى منه يفوح فهذه
أنسامه في كل واد تعبق
كل الحياة حفية بقدومه
والخير فيه على الورى يتدفق
والشاعر «حسين عرب» يصور لنا أيضًا فرحة الكون وبهجة الدنيا بلقياه، تلك الأشواق التي لا تقف فحسب على الإنسان بل تتعداه إلى عالم الوجود المطلق قاطبة:
بشرى العوالم أنت يا رمضان
هتفت بك الأرجاء والأكوان
لك في السماء كواكب وضاءة
ولك النفوس المؤمنات مكان
سعدت بلقياك الحياة وأشرقت
وانهل منك جمالها الفتان[7]
والشاعر «يس الفيل» ينتظر قدوم رمضان العام كله، فهو يتمنى أن يكون العام كله رمضان وليس شهرًا واحدًا، لما يمتاز به هذا الشهر من الرحمات التي تعم الكون والروحانية التي تنبعث منه، فتملأ كيان الإنسان وتسمو بسلوكيات بني الإسلام وتحوطهم عناية الله عز وجل وتكلوهم نعماؤه[8]
عام ونحن على الأشواق ننتظر
لا السمع أدرك ما نرجو ولا البصر
ولا الأماني في تجوالها نعمت
برحلة لم يشوه حسنها كدر
ولا الصفاء بنا عادت محافله
تجتاح ما بقلوب الحقد يستعر
ولا أمنَّا بليل والمدى خطر
ولا طربنا وبوح الملتقى ضجر
وفي قصيدته «شهر الأمنيات» تفيض شاعرية الشاعر محمد درويش فتتهلل روحه فرحًا واستبشارًا بقدوم رمضان الكريم، فيحس بنوره يشرق في الدنيا وينير الكون، ويبدد غشاوات جمة رانت على الدنيا فاستحالت إلى ظلمات كثيفة استبد بها المقام شهورًا طوالاً، ويصور لنا الشاعر مدى ما يدخله رمضان من روحانية فتستبشر فيه النفوس خيرًا، ليعمها النعيم والرضا المقيم والسمو الروحي:
أشرق النور هلالاً من حنايا الداجيات
يحمل البشرى رجاء للنفوس القانطات
فينير الروح صفوا كالدراري الزاهرات
يتجلى الحق فيه للقلوب الطاهرات
والمعاني فيه تسمو عن وضيع الرغبات
والأماني في شذاها كالزهور اليانعات[9]
والشاعر «أحمد سالم باعطب» يخاطب رمضان ويناجيه مشيرًا إلى ما يحدثه من تغيير في الحياة، بما يجلبه على الدنيا من الخير بكفه الندية وبما يحله على الكون من المظاهر الجميلة التي تتزين الدنيا لها، مستقبلة قدومه بكل الفرح والبهجة، كما يقبل بالرحمة التي تتسع لتنال الكون كله وتملأ الدنيا بأسرها، مما يدفع النفوس هاتفة سعيدة لمقدمه الذي يعد هطول بشرى السعادة في الدارين والحظوة فيهما فيقول الشاعر[10]
رمضان بالحسنات كفك تزخر
والكون في لآلاء حسنك مبحر
يا موكبًا أعلامه قدسية
تتزين الدنيا له تتعطر
أقبلت رحمى فالسماء مشاعل
والأرض فجر من جبينك مسفر
هتفت لمقدمك النفوس وأسرعت
من حوبها بدموعها تستنفر
ويستبشر الشاعر «أكرم جميل قنيس» بقدوم شهر رمضان ويراها فرصة سنوية لاستزادة الخير ونيل السعادة والهناء:
لك البشرى فأنت لنا الهناء
وأنت الخصب يخصب والنماء
أيا رمضان يا شهر العطايا
ونبعًا كم يطيب به ارتواء
قدمت فبوركت خطوات ضيف
عزيز جاء يحدوه البهاء
يوزع في حنايانا مناه
فيثمر من عطاياه الرجاء
ويشرق في الوجوه نذير خير
على الدنيا ويبتسم الهناء[11]
وما أجمل تصوير الشاعر «أحمد عبد الهادي»، حينما يستقبل رمضان ويحتفي به، فيجده جديرًا بهذه الحفاوة، وذاك الترحيب والاستقبال، فهو شهر الخير والنفحات الربانية والتجليات الإلهية، فإذا كان الله عز وجل قد اختصه دون غيره من الشهور، ليكون فيه معجزة الزمان لنزول القرآن الكريم على نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم كان حرياً بهذا الاحتفاء والاستقبال[12]
رمضان وافى الخلق بالخيرات
فاستبشروا باليمن والبركات
واستقبلوا شهر الهدى بحفاوة
وخذوه بالأحضان والقبلات
فالله جل جلاله قد خصه
بالنور والإيمان والآيات
سبحانه فهو الذي قد خصه
دون الشهور بعاطر النفحات
والشاعر «السيد الصديق حافظ» في قصيدته «ربيع الروح»[13] تتهلل روحه لقدوم رمضان بشرًا، ويملأ السرور كيانه، ويدعو نفسه- المتمثلة في صديقه- إلى أن يغتنم فرصة وجود هذا الشهر، حيث يقترن وجوده بالطاعة والصلاح والصيام والقيام، وليس أدل على ذلك من اهتمام الكون كله بقدومه والتزين له، حيث أنواع الطيب والروح والريحان وغيرها من صنوف الطيب، وإن كان الشاعر يذكرنا بنعيم الآخرة التي يحوزها السابقون ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ (الواقعة: ٨٩)
رمضان أقبل قم بنا يا صاح
هذا أوان تبتل وصلاح
الكون معطار بطيب قدومه
روح وريحان ونفح أقاحي
وللصوم كثير من الحكم التي تعرب عن فكر الكثير من الناس وأن الله عز وجل لم يشرع شيئًا من دون أن يكون له هدف وإن لم يكن يدرك البشر حقيقة هذا الهدف، فالله وحده الذي خلق، وهو وحده الذي يعلم ما يفيد الإنسان ويصلح شأنه، وحياته، ووحده الذي يعلم ما يضر الإنسان وينفعه، فالصوم لم يشرع عبثًا وإنما للصوم فلسفته التي لا يدرك عظمتها إلا المشرع عز وجل، وهنا يشير الشاعر إلى بعض ما يرتئيه من حكم للصوم حيث أدلة الإسلام فيه كثيرة، فيقول:[14]
فالصوم ليس- كما يُظن- تواكلاً
وتعللاً بسواقط الآراء
فيه أتاح الله من آلائه
للمسلمين مواقف العلياء
لم يتركوا فيه فريضة ربهم
في نصرة الإيمان والضعفاء
وأدلة الإسلام فيه كثيرة
تغنيك بالتلميح والإيماء
كن في معيتهم وسر في ركبهم
فالدرب موصول إلى السراء
واحرص على تلك الحديقة تلقها
مثلاً يقرب منك خلد بقاء
ويأخذنا بعض الشعراء للتجوال في حديقة رمضان لنقتطف بعضاً من أزاهير حكمها الكثيرة التي لا يعلم مداها إلا الله وحده، فالشاعر محمد حسن فقي ينتابه شعور باليأس والقنوط لما اقترفه من آثام في الشهور الخوالي التي عاشها ملبيًا رغبات نفسه الجامحة التي كانت تركن إلى الحياة ومهاتراتها طاعة للشهوات وتلبية لنداء الغرائز والرغبات فيتساءل: هل يمكن شفاؤه مما أنهك قواه الجسمية والنفسية وما اعتراها؟ فهل يغيرها هذا الشهر وهل يستطيع هذا الشهر وحده أن يفعل ذلك كله؟!
وعند ذلك يتفاءل الشاعر بقدوم هذا الشهر الكريم ويحس بمدى ما سيناله من جراء تلبية نداء الفطرة السليمة في هذا الشهر المعظم حيث يحل النعيم وتناله الوقاية وتغشاه الرحمات وتكسوه المحبة من رونق حلة تقية ما أن يرسف في أغلال الظلم اللعين والقسوة المريرة، ففي قصيدته رمضان، يقول الشاعر محمد حسن فقي[15]:
رمضان ما أدري ونورك عامر
قلبي فصبحي مشرق ومساني
أأنال بعد مثالبي ومساوئي
بك منهما بعد القنوط شفائي؟
وبأنني سأنال منك حمايتي
ووقايتي من معضل الأزراء
ما أنت إلا رحمة ومحبة
للناس من ظلم قسا وعداء
وعلى رأس الحكمة التي لأجلها شرع الله عز وجل صوم شهر رمضان التقوى، التقوى التي هي المصدر الأساسي والأول في ارتقاء الإنسان وتربيته وحسن خلقه، لأنه إذا تحققت التقوى ارتقى الإنسان وسما كيانه، وصلحت حياته، ولقد أخبرنا القرآن الكريم بهذه الحقيقة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
والشاعر «أكرم قنبس» يشير إلى أفضلية مهمة شهر رمضان في تنقية النفوس من الأدران والرجس الذي اختلجها، وما ترسفد فيه من أغلال الهوى والغي والضلال، حيث تكتسي حلة من التقوى التي هي الضياء الذي ينير طريقها ويقودها إلى الصراط المستقيم[16]
وتغتسل النفوس بروح شهر
هي التقوى التي منها الوقاء
[1] يس الفيل الفيصل ٢٥٥/٢٤.
[2] الفيصل ع۱۸۳.
[3] يس الفيل السابق.
[4] رفعت المرصفي، رمضان يا عرس الهداية، الفيصل ع١٨٣/ ٧٧.
[5] جاك صبري شماس الوعي الإسلامي ع ٤٠٩ ص٣٧.
[6] عبد المنعم عبد الله حسن أنا صائم، منار الإسلام، ١٤١٧هـ.
[7] الفيصل ۱۸۲.
[8] يس الفيل مرجع سابق.
[9] محمد درويش شهر الأمنيات المنهل ٥٣٧/٥٢.
[10] المنهل ع ٥٦٢/٥٤.
[11] المنهل ع ٥٤٦ ص ٧٦.
[12] المنهل ع ١٦٢ ص ٥٦.
[13] الفيصل ع ١١٨/٨٨ ربيع الروح السيد الصديق حافظ.
[14] في حديقة رمضان، رمضان عبد المقصود أبو غالية الفيصل ع ۱۷۱ / ۱۱۷.
[15] المنهل ع ٥٣٧ ص ٥٠.
[16] أكرم قنبس المنهل ٥٤٦/٧٦.