; الهوية في عالم متغير .. إيجابية الفكر التأصيلي في ظل طوفان التغريب | مجلة المجتمع

العنوان الهوية في عالم متغير .. إيجابية الفكر التأصيلي في ظل طوفان التغريب

الكاتب محمد شاويش

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003

مشاهدات 76

نشر في العدد 1562

نشر في الصفحة 44

السبت 02-أغسطس-2003

  • كثير من الدراسات الحديثة سلط الأضواء على تناقضات الحياة الغربية وافتقارها للجانب الإنساني

  • لماذا ينشغل القائمون على الثقافة الإسلامية بمهمة الدفاع دون إسهام في دراسة الحضارات الأخرى؟

  • علماء غربيون برهنوا على أن الحضارات لا تتفاعل في القيمة، بل تتمايز في الخبرات

  • طابع «الهدوء» أعطى الثقافة الإسلامية بعدها الإنساني وجعلها مميزة عن غيرها

منذ قرن ونصف القرن تقريبًا انشغل القائمون على الثقافة الإسلامية المعاصرة بمهمة الدفاع عن منجزات الهوية الثقافية الخاصة ومهمة إثبات جدارتها بالبقاء، من منظور مزاياها بالمقارنة مع الهويات الثقافية الأخرى عمومًا، ومع الثقافة الغربية بشكل خاص، هذه النزعة الدفاعية قادت إلى أعمال تحليلية لم تخل من بعض الإنجازات، فقد ألقت الأضواء على الجانب الهجين من الثقافة العربية المعاصرة مع تبيان الطابع المرضي المفعم بعقد النقص في كثير من المشروعات الثقافية العربية المنبهرة بالثقافة الغربية بكل ما فيها، لكن هذا الكشف لم يخل في بعض الأحيان من الاتهامات المرسلة التي حلت مكان التحليل الدقيق والبرهان العلمي.

 ومع دخول مثقفين عميقي المعرفة بالثقافة الغربية إلى الساحة التأصيلية في السنوات الأخيرة تحسن الوضع كثيرًا، ومنهم من له أصول مسيحية، ومن أبرز هؤلاء إدوارد سعيد الذي كانت دراساته المتميزة في نقد الاستشراق والطريقة التي تفهم بها دوائر إعلامية وأكاديمية غربية «خصوصًا أمريكية» الإسلام، مساهمة غير مباشرة في الجهد التأصيلي، فهو حين فكك المقولات الاستشراقية وبين تناقضاتها الداخلية ساهم -ربما على غير قصد منه- في تفكيك المقولات نفسها في شكلها الداخلي الذي استبطنه المثقف العربي الحديث، وسار عليه في اللاشعور.

 والمفكر الثاني من أصول مسيحية الذي لم يحظ بشهرة حتى الآن رغم جدارته هو المفكر السوري «جريجوار مرشو»، وهو يمتاز عن إدوارد سعيد بأنه -علاوة على تسليطه الأضواء على تاريخ العلاقة بين الثقافة الغربية والظاهرة الإمبريالية في كتابه «مقدمات الاستتباع»- سلط الأضواء على تناقضات الثقافة الحداثية العربية ومن المفكرين المرموقين في هذا التيار من المسلمين أذكر شخصيتين بارزتين هما الدكتور عبد الوهاب المسيري والدكتور جلال أمين، ومع هذا التيار الأخير برزت دراسات عميقة للفكر الغربي وللأسس المعرفية والأخلاقية التي تستند إليها الحضارة الغربية المعاصرة، كانت كفيلة -لو قرئت بعمق- لأن تزعزع المعتقد التسليمي الذي ساد في العصرين الليبرالي والقومي الاشتراكي العربيين، حيث كان تبني الشكل الحضاري الغربي كأنه قدر محتوم، بل هو قدر مرغوب به أيضًا ومرجو، هذه الدراسات قدمت لأول مرة في الفكر العربي المعاصر براهين معمقة على تناقض الأسس التي تقوم عليها الحضارة الغربية المعاصرة ونواقصها الخطيرة والجوانب النسبية فيها، التي هي خيارات كان يمكن تصور خيارات أخرى بدلًا عنها.

 ومن المعروف أن هذه الدراسات التقت مع دراسات قام بها مفكرون غربيون كبار أيضًا، فقد بين العالم الأنثربولوجي الفرنسي الكبير كلود ليفي شتراوس في دراسته اللامعة العرق والتاريخ (۱)، أن الحضارات المختلفة لا تتفاضل في القيمة المطلقة، بل هي تختلف فحسب في نوع الخبرة التي حازتها عبر تجربتها مع العالم، وقد برهن على امتياز كل حضارة بجوانب معينة قيمة لا تمتلكها غيرها، وإن كان أكد على فوائد الانفتاح والتفاعل بين الحضارات ومزايا هذا الانفتاح للحضارة التي تقوم به بالمقارنة مع وضعها لو ظلت منغلقة منعزلة.

 وفائدة هذه المحاججة لا تخفى، فهي تشكك في الفكرة الساذجة التي نشأت في القرن الثامن عشر، ولا تزل لها امتدادات حتى الآن والتي تقول إن كل ما يخالف الموجود في أوروبا الحديثة هو مجرد أمر همجي لا حضاري، وهذا يفتح الباب لفكرتين على جانب كبير من الأهمية:

الأولى: هي أن البشرية تخسر كثيرًا إذا أصرت على إبادة التجارب الحضارية المتنوعة لصالح تجربة حضارية واحدة.

 الثانية: هي أن المجال مفتوح لتجارب حضارية أخرى قد تستطيع تجنب مشاكل حاسمة لم تستطع الحضارة الغربية تجنبها.

 التيار التأصيلي:

      هذا التيار الذي أسميته في مقالات عديدة التيار فتح الباب لمنجزات علمية تستحق البقاء بلا شك، من بينها مثلًا مزيد من التعمق في فهم ظاهرة الفروق في البنى الحضارية، وما يقابل هذا التعمق من فهم دقيق للأوليات المرضية بفتح الراء والصحية، لما تسميه «التثاقف» ومن بين منجزاته التي تستحق المتابعة والتطوير الدراسة الدقيقة لأثر العلاقة مع الغرب في التغيرات الثقافية المركبة من عناصر متنوعة اجتماعية وفكرية وأدبية ولغوية في العالم الإسلامي عمومًا والعربي على وجه التخصيص، في العصر الحديث في اعتقادي أن طريقة تفكير هذا التيار في حد ذاتها إنجاز لا بد من المحافظة عليه، ويفضل هذه الطريقة طرحت مواضيع للبحث العلمي ما كان يمكن للتيار الآخر الذي يرى التبني البسيط لكل ما في الحضارة الأخرى (بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره) أن يقبلها من نوع قضية التحليل الملموس لوظائف البنية الثقافية المحلية وارتباطاتها مع بعضها، وبالتالي فهم مغزى، بل وضرورة وجود بعض المكونات الثقافية التي كانت تبدو للمغربين مجرد مكونات ضارة.

 ومن هذه القضايا التي ينفرد الفكر التأصيلي بالقدرة على طرحها القضية المعاكسة للقضية السابقة أي عدم وجود مغزى أو جدوى أو ضرورة لبعض العناصر الثقافية التي جرى استيرادها ومحاولة إدخالها بالقوة، وزرعها في نسيجنا الثقافي الخاص، هذا النقد كان يشكل -بلا ريب- عنصر كبح للانفتاح الفوضوي بلا حدود، الذي كان من شأنه أن يقود العرب إلى وضع مجتمعات أخرى جارة وبعيدة، حطمت ثقافاتها الخاصة ولم تبن بدلًا منها ثقافة غربية متماسكة، بل تحول المجتمع ببساطة إلى أنقاض، كما في بعض المجتمعات الإفريقية وغيرها.

ماركس وفيبر:

     وإذا كان التأصيليون ينطلقون من مثال يدافعون عنه، المجتمع يحافظ على هويته الثقافية المستقلة، فإن خصومهم المغربين ينطلقون أيضًا من مثال معاكس لمجتمع تبنى النموذج الغربي، أو أعاد بناء نفسه على أساس هذا النموذج، ولا يتناقض الانحياز الأيديولوجي المسبق مع الإنجاز العلمي بالضرورة، فلولا عداء ماركس المسبق للرأسمالية وقناعاته الاشتراكية لما وجد نفسه مضطرًا للقيام بدراسته التفصيلية الشاملة للرأسمالية الحديثة، وهي دراسة تظل على كل حال حاوية لحكم كثيرة لا يضر المؤمن أن يلتقطها إذ الحكمة ضالته وهو أحق بها.

 وثمة مثال آخر لمفكر غربي غير ماركس أراه هذه الأيام صاحب تحليلات تستحق منا المناقشة هو ماكس فيبر، ولا سيما دراسته عن العلاقة بين البروتستانتية والرأسمالية، وقد حيرني هذا المفكر في كونه يكاد ينطلق في جميع أبحاثه من سؤال يريد إجابة عنه، هو: ما الذي يميز المجتمع الغربي الحديث عن المجتمعات الأخرى؟ وهذا الهاجس فيه شيء من الغرابة بالنسبة لي؛ إذ هو مألوف ومفهوم عند مفكري العالم الثالث الذين يشغلهم -بالمقام الأول- هاجس البحث عن سر الغرب، أي سر قدرته على السيطرة على العالم، أما أن يشغل هذا الهاجس مفكرًا غربيًا فشيء يستحق بعض التأمل (۲) أذكر هنا من أفكار فيبر التي تستحق الانتباه دراسته المفصلة للتفاعل بين العقائد الدينية والبنى الاقتصادية الاجتماعية، وفكرته عن العقلانية التي تميز المجتمع الحديث عن «المجتمعات التقليدية» وبالذات ما يسميه «عقلانية الغرض» zweckrational وهو بالمناسبة لا يتردد في الإشارة إلى أن هذه العقلانية لها جوانب سلبية أخلاقية مهمة مما لم يكن ليبعده عن النقد التأصيلي الذي أشرت إليه قبل قليل، لولا أنه يؤكد أن هذه المسيرة الغربية حتمية لا راد لها.

 وحيث إن الناقد التأصيلي شأنه شأن بعض خصومه المغربين يدافع عن نموذج بديل مرجو لمجتمعه، فإن من البديهي أن هذا الناقد لن يمانع -ولو مع بعض الأسف أو كثير منه- أن يتنازل عن بعض مركبات نموذجه إذا اتضح له أن وجود المجتمع بالذات وبمعناه الفيزيائي أو على الأقل الثقافي مهدد، بحيث إن النموذج المؤصل الصافي لا يكفي لرد عادية الفناء عن هذا المجتمع، وهذه الحالة يمكن تصورها إذا أخذنا في اعتبارنا تجارب حضارات بادت حقًا وفعلًا، ليس لأنها -كما يريدنا المغربون بتشديد الراء أن نظن- متخلفة بطبيعتها لا تستحق الحياة، وليس لديها ما تقدمه، وإنما لأنها ببساطة رغم مزاياها التي لا تنكر والتي لا ينفك الأنثربولوجيون الغربيون المنصفون من أمثال شتراوس وغيره يذكرونها- لم تستطع أن تحافظ على وجودها إزاء عدوان ثقافة أخرى كان عندها قدرة أكبر على الإبادة، وهذا يمكن أن نشبهه بملاكم يقهر شخصًا لا يتقن الملاكمة، وهذه الحقيقة لا تعني أن الملاكم متفوق حضاريًا بصورة مطلقة على المغلوب، ولكن حقيقة الهزيمة تبقى مع ذلك ثابتة، ولا يفيد المغلوب أنه موضوعيًا عنده قدر كبير من القيم كانت جديرة بالبقاء لو نظر إليها بصورة مجردة، من هنا كان تقليد المغلوبين للغالبين لأزمة ضرورية، ولكن على حساب بنية حضارية ربما تكون أفضل أو عندها ما يميزها وما تقوله على أقل تقدير.

تلاقح فكري:

    إن الفكر التأصيلي الذي فرض عليه تعديل نموذجه المجتمعي المرجو، والذي يتولى بحث شروط تنفيذ هذا النموذج أسميه «الفكر التأصيلي الفاعل» وهو فكر لا يكتفي (شأن الفكر التأصيلي الذي ذكرناه) أولًا بالدفاع عن الهوية الثقافية الخاصة وإثبات مزاياها، ولكنه يحاول أن يجد طريقة تستطيع فيها هذه التجربة الثقافية الفريدة أن تدافع عن نفسها تجاه التحديات الخارجية. وسؤال الفكر التأصيلي الفاعل ليس هو فقط سؤال إثبات استحقاق هويتنا للحياة، وإنما هو أيضًا سؤال قدرتها على الحياة، وهما سؤالان مرتبطان ولكنهما غير متطابقين، فقد تستحق الهوية الحياة نظرًا لمزاياها الخاصة، ولكنها تفنى مع ذلك لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها تجاه التهديدات الخارجية.

 هنا سيلتقي الفكر التأصيلي لأول مرة مع اهتمامات تيارات أخرى مختلفة كليًا لم تطرح على نفسها قط هم الحفاظ على الهوية، شأن التيار النهضوي الذي يحاول أن ينقل بعض التجارب الغربية في عالم التحول المجتمعي إلى وضع المجتمع الصناعي، ويلتقي أيضًا مع مفكرين صالحين من حيث العلاقة مع الهوية، ولكنهم لم يكونوا يحسون بشكل كاف بمأزق الهوية أو المخاطر التي تتهددها، ومن هذا الصنف الأخير سأذكر المفكرين الإسلاميين مالك بن نبي وجودت سعيد، فالأول جعل إشكالية النهضة الحضارية هي عقدة كتاباته المركزية، والثاني جعل من قضية تغيير الذات مدخلًا لكل حل ولم يبد عليه في اعتقادي أي تنبه لمعضلة الحفاظ على الهوية والفروق المهمة بين النماذج الحضارية في العالم،

 مع ذلك لا بد للفكر التأصيلي الفاعل من أن يتفاعل مع جوهر دعوة بن نبي الأساسية، يجب أن تركز على أداء الواجب لا أن نستمر في التركيز على أننا هدرت حقوقنا أو بتعبيره: يجب أن نجتث القابلية للاستعمار عندنا، لا أن نستمر إلى الأبد في الحديث عن جناية الاستعمار علينا، وعند جودت سعيد يجب أن يركز هذا التيار التأصيلي الفاعل على مبدأ تغيير ما في النفس ومبدأ وجود سنن مشتركة بين الأمم، سواء كانت مسلمة أم لا، تخضع لها ظواهر النهوض والانهيار، إن الله -عز وجل- أرحم بنا من أن يتركنا بين خيارين إما خسارة الآخرة بالتخلي عن ثوابتنا العقدية، أو خسارة الدنيا بالتضحية بالدنيا في سبيل العقيدة؛ إذ النهضة الحضارية بالتأكيد لا تستلزم بحال التخلي عن الثوابت، والله -عز وجل- يذكرنا في القرآن ببعض الضرورات التي قد يلجأ إليها المجتمع المسلم اضطرارًا، وإن لم تتناسب مع الوضع المثالي الذي يسعى الإسلام إلى أن يكون البشر عليه، فالأصل في علاقات البشر هو السلم حتى لو اختلفوا في الدين: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (سورة البقرة: ٢٥٦) ولكن المجتمع مضطر للدفاع عن نفسه إزاء قوى لا تريد السلم: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة الممتحنة: 8-9) والأصل أن يدخل الناس في السلم كافة، وهو المطلوب والمثل النموذجي الأعلى للمجتمع البشري في نظر الإسلام.

صخب وهدوء:

     ضربت موضوع الدفاع عن النفس كمجرد مثل، وفي الحقيقة لا يقتصر التعديل الهادف إلى بناء هوية ثقافية فاعلة، على هذا إن في العقلانية التي يذكرها فيبر كأساس للمجتمع الغربي الحديث جوانب سلبية لا ريب فيها، فهي تحول الإنسان إلى ما يشبه الآلة الحاسبة، وتميل إلى التقليل من شأن العواطف والانفعالات البشرية، وتدفع المرء عمليًا إلى البخل، وكل هذا مما لا يتفق مع المنظور الأعلى للمجتمع البشري، فقد نضطر لأجل النهوض الاقتصادي إلى كف أيدينا عن الجود «الكرم الحاتمي المعتاد في قيمنا» وإلى المحاسبة الدقيقة، لا وفق النوايا، بل وفق النتائج المادية الملموسة، وإلى أن نضع أمام المجتمع مهمة نزع الطابع الشخصي عن العمل المؤسساتي، وكل هذا في اعتقادي الخاص أمر لا ينسجم مع رغباتنا حين نتمنى بقاء نموذجنا الثقافي الأصلي كما هو إنها ضريبة تدفعها الهوية حين تريد أن تستمر في الحياة في مجتمع مهدد، وفي عالم يوشك أن ينقلب إلى غابة ولأخذ مثالًا يعرفه من أقام مثلي في الغرب ردحًا من الزمن، وهو هذا الوضع الصاخب السريع للمجتمع الذي لا يكاد يهدأ، ولا يجد فيه الفرد فرصة تذكر لبناء علاقات إنسانية هادئة وحميمة من تلك التي نعرفها في مجتمعنا، لا بد للقادم من مجتمعنا أن يقارن، وهو فيما أظن سيفضل نمط حياتنا الأهدأ بكثير، وليس هذا بالغريب، وأذكر هنا أن محمد أسد -رحمه الله- تأثر بهذا الهدوء في مجتمعنا، وهو أول ما شده للإسلام، نرى هذا في فقرة ابتدائية من كتابه الشهير «الإسلام على مفترق الطريق» حيث يقول ما نصه في عام ۱۹۲۲ تركت النمسا بلادي لأتجول في إفريقيا وآسيا بصفتي مراسلًا لبعض أمهات الصحف الأوروبية، ومنذ ذلك الحين قضيت كل أوقاتي تقريبًا في الشرق الإسلامي، ولقد كان اهتمامي بالشعوب التي احتككت بها في أول أمري اهتمام رجل غريب، لقد رأيت نظامًا اجتماعيًا ونظرة إلى الحياة تختلف اختلافًا أساسيًا عما هي عليه الحال في أوروبا، ومنذ اللحظة الأولى نشأ في نفسي ميل إلى إدراك للحياة أكثر هدوءًا أو -إذا شئت- أكثر إنسانية، إذا قيست تلك الحياة بطريقة الحياة الآلية العجلى في أوروبا، ثم قادني هذا الميل إلى النظر في أسباب هذا الاختلاف، وهكذا أصبحت شديد الاهتمام بتعاليم الإسلام الدينية (۳). هذا الهدوء بالذات مهدد في حال أردنا أن نحول هذا المجتمع إلى نموذج ناهض، وقد لا يعرف المسلم المتعجل عواقب هذا التغيير إذا كان لا يعرف نمط الحياة الغربي الذي يعود -في تقديري- جزء لا بأس به من فعاليته المادية الهائلة إلى نمط الحياة السريع هذا، ولكن المجرب يعرف أنها خسارة لا يستهان بها، ولكن ثمة حدود طبعًا للتعديل لا نتجاوزها -إن شاء الله- ولي ثقة أن مجتمعنا لن يصبح قط باغيًا، بل سيبقى ركيزة العدل والسلام العادل في العالم.

هوامش:

  1. انظر دراسة شتراوس العرق والتاريخ، في الإنثروبولوجيا البنيوية، الجزء الثاني – منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي – دمشق ۱۹۸۳- ترجمة د. مصطفي صالح.

  2. يبدو لي إمكانية تفسير هاجس فيبر هذا إن أخذنا بالاعتبار أن المانيا أصبحت دولة صناعية حديثة فقط في جيله هو، أو على أكثر تقدير في الجيل الذي سبقه في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ماكس فيبر ولد عام ١٨٦٤، وتوفي عام ١٩٢٠ وفي عهده كانت البنى السياسية الألمانية لم تزل فيها بقايا قوية من القرون الماضية، ولهاجسه هذا اعتبار ثان يشير إليه الباحثون غالبًا هو رغبته في نقد نظرية ماركس المادية.

  3.  محمد أسد الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة الدكتور عمر فروخ – دار العلم للملايين – بيروت ١٩٦٢.

الرابط المختصر :