; الهروب الكبير من الصومال | مجلة المجتمع

العنوان الهروب الكبير من الصومال

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994

مشاهدات 71

نشر في العدد 1094

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 05-أبريل-1994

بعد مرور ستة عشر شهرًا على الصيحة التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش موفدًا معها 28 ألف جندي أمريكي إلى الصومال تحت شعار «إعادة الأمل»، وقف قائد القوة الأمريكية في الصومال الجنرال توماس مونتجمري ليعلن في الأسبوع الماضي عن رحيل آخر جندي أمريكي من الصومال قبل حلول الحادي والثلاثين من مارس، وهو التاريخ النهائي الذي حدده الرئيس الأمريكي كلينتون لخروج القوات الأمريكية من الصومال أثر إثر مقتل وإصابة ما يزيد على تسعين جنديًّا أمريكيًّا في مقديشو على أيدي الصوماليين في الثالث من نوفمبر الماضي.

ولا ندري هل كانت مصادفة أن يكون الكولونيل ماثيو برودريك الذي كان قائد السرية التي أخلت مقر السفارة الأمريكية في سايجون نهاية حرب فيتنام عام 1975 هو نفسه الذي أطفأ الأنوار في مقر القوات الأمريكية في مقديشو في 25 مارس 1994 أم أن الأمر كان مقصودًا وكانت مشاعر الهزيمة والإحباط - كما يشير كثير من المراقبين - هي المسيطرة على القوات الأمريكية التي لم تستطع تحقيق الأهداف المعلنة أو غير المعلنة لدخولها إلى الصومال، ورغم كلمات الجنرال مونتجمري التي حاول بها تبديد هذه الأحاسيس أمام الصحفيين والمراسلين الذين شهدوا الهروب الأمريكي من الصومال إلا أن عدم ظهور الجنود الأمريكيين في شوارع مقديشو طوال الأسابيع التي سبقت انسحابهم وتمركزهم في الملاجئ الحصينة في منطقتي الميناء والمطار حتى لا يخسروا مزيدًا من الجنود، يؤكد ما ذكره أحد المسؤولين الأمريكيين ردًّا ردًا على سؤال لأحد المراسلين الصحفيين حينما قال: إن همنا الرئيسي الآن ينحصر في الخروج من هذا الجحيم في الصومال، وأكد نفس المعنى الجنرال مونتجمري حينما حذر جنوده من رصاص القناصة الصوماليين وقال لمراسل التايم لا يمكنك أن تكون واثقًا بشأن الصومال، ولهذا فنحن لا نخاطر بشيء وقد أكد بار توجيلمان مراسل صحيفة «واشنطن بوست» بعد حوارات عديدة مع مسؤولين أمريكيين أن «سيناريو سايجون» كان يسيطر على الجنود الأمريكيين وقد شاعت إشارات متوترة صاحبتها نكات أطلقها الجنود قبيل أسابيع من مغادرتهم مقديشو عن «الوصول مبكرًا إلى المطار للحصول على مقعد في آخر طائرة مروحية مغادرة».

وقبل أن يغادر الجنود الأمريكيون مقديشو كان الجنود الإيطاليون والألمان والفرنسيون قد غادروا الصومال حتى لا يتركوا وحدهم ليواجهوا مصيرًا مجهولًا تاركين الأهداف الإنسانية التي كانوا قد أعلنوها خلف ظهورهم.

إن الهروب الأمريكي الأوروبي من الصومال بهذه الصورة التي تم بها يؤكد ما ذهبنا إليه مرارًا وما أكده كثير من المراقبين من أن التدخل الأمريكي في الصومال لم يكن بأي حال من الأحوال مشروعًا إنسانيًّا كما أعلن بوش، وإنما كان مشروعًا سياسيًّا كبيرًا له أهداف كبيرة وطموحات واسعة في القرن الأفريقي والمنطقة بصفة عامة، لكن أصحابه قرروا إجهاضه حينما لم تتوفر له ظروف النضج والاستمرار، واكتشفوا أن تكاليفه أكثر من طاقتهم المعنوية فسعوا كي يحققوا خلال الخمسة أشهر التي منحها كلينتون لقواته ما يمكن تحقيقه من هذه الأهداف وأهمها نقل خام اليورانيوم من الجبال التي تقع قرب مدينة «بو رحمة» التي تبعد عن مقديشو 140 كيلو مترًا، وقد شوهدت طائرات الهليكوبتر الأمريكية وهي تقوم بنقل خام اليورانيوم من هذه الجبال إلى السفن الأمريكية الراسية قبالة الساحل الصومالي، وأكد ذلك كثير من التقارير وشهادات مسؤولين عاملين في هيئات إغاثية مختلفة، ومسؤولين في قوات عربية تابعة للأمم المتحدة، كما أكد مراقبون آخرون أن شواطئ السواحل الصومالية أصبحت تحوي الآن أكبر مقلب للنفايات النووية والكيماوية في العالم.

ورغم افتضاح هذا الأمر حينما نشب خلاف بين بعض الشركات الإيطالية التي تكفلت بالمهمة وبعض الذين قبضوا ثمنًا زهيدًا مقابل ذلك تم طي الصفحة بسرعة قبل أن تفوح مزيد من الروائح الكريهة التي يمكن أن تعطل هذه المهمة غير الإنسانية كما أن تبادل التهم بين الإيطاليين والأمريكيين في أعقاب مقتل الجنود الباكستانيين في يونيو الماضي 1993 قد كشف جانبًا هامًّا من أبعاد هذه المهمة.

غير أن أهم الحقائق التي أكدت عليها التجربة الصومالية هو أن الولايات المتحدة رغم امتلاكها أسباب القوة المادية لإقامة الأنظمة والمشروعات التي تطمح إليها فإنها لا تملك الأسباب الأكثر أهمية من أسباب القوة المادية وهي أسباب القوة المعنوية، فتجربة فيتنام، وتجربة لبنان وتجربة الصومال كفيلة بأن تؤكد هذه الحقيقة التي تتلخص في أن مقتل بضعة من الجنود الأمريكيين في أي بقعة من العالم كفيل بأن يدفع الرأي العام الأمريكي والكونجرس إلى أن يؤثر على الرئيس ويطالبه بسحب القوات مهما كان هدفها وهذا وحده كفيل بسحب بساط السيادة العالمية الذي أعلنته وتصر عليه أمريكا فأبسط قواعد السيادة هو الاستعداد للتضحية بالنفس والميكنة العسكرية مهما بلغت من القوة لا يمكن أن تفرض السيادة دون أن تجد الإنسان الذي يستخدمها ويوجهها ويملك قوة الصمود داخلها. وبالتالي فإن كافة الشعوب الفقيرة والمعدمة والتي لا تملك أسباب القوة المادية لن تنسى ذلك المعنى الذي أكدته أمريكا بهروبها من الصومال فالعامل المعنوي سيظل على امتداد التاريخ البشري أقوى من العامل المادي ولن تكون السيادة إلا لهذه الشعوب التي تتربى على حب الموت ومن أحب الموت وهبت له الحياة، أما الهروب مهما كانت صوره وأشكاله ومبرراته فإنه يظل على مدار التاريخ صفة أساسية من صفات الجبناء.

 

الرابط المختصر :