; الهدية | مجلة المجتمع

العنوان الهدية

الكاتب عبدالناصر محمد مغنم

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

مشاهدات 72

نشر في العدد 1121

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

ألقى به الجنود كخرقة بالية في الزنزانة المظلمة.. ارتطم رأسه بالجدار الإسمنتي الغليظ.. صرخ من شدة الألم.

  • أخ.. رأسي..

شعر بحركة بجانبه امتدت إليه يد حانية تتحسس رأسه الجريح.

  • مجرمون.. أنذال..

جلس أحمد على ركبتيه وحاول تأمل وجه السجين الآخر في الظلمة الحالكة.. أمعن النظر دون جدوى فالظلام دامس لا يمكن معه رؤية شيء.

  • من أنت؟

جاء الرد الحزين بصوت خافت..

  • لا يهم أن تعرف من أنا.. ربما كنت مثلك ممن يأبى الذل والهوان تحت سطوة هؤلاء اليهود الجبناء.
  • «فطن إلى أن القيد ما يزال بيديه» إنني مقيد يا هذا، فك قيدي أرجوك.

امتدت اليد الحانية لتفك القيد اللعين عن اليدين الثائرتين الغاضبتين.

  • أخ.. ذراعي.. انتبه أرجوك.
  • ماذا بك؟ هل عذبوك؟
  • بكل وحشية وهمجية.. بكل الأساليب الدنيئة الهابطة.
  • لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يجب أن تتحمل هذا قدرنا.
  • إنني أشعر ببرد شديد، ما هذه الغرفة البئيسة؟
  • لا بأس عليك.

يخلع قميصه ويضعه على كتفي صاحبه ليخفف عنه البرد بعض الشيء.

  • لا تفعل يا أخي، أخشى أن تصاب بالبرد.
  • لا عليك إنني بصحة جيدة.
  • بارك الله فيك.
  • إن لم نكن هكذا فكيف سينصرنا الله عليهم؟
  • صدقت لابد من التكاتف والتعاضد والوحدة.
  • ولا شيء يمكنه أن يجمعنا سوى العقيدة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103).
  • تعلمنا أن المبادئ الثورية يمكن أن تجمعنا أيضًا.
  • إنما هي شعارات براقة خادعة يروجها أعداء الإسلام لإبعادنا عن الحقيقة.
  • وأين هي الحقيقة؟

يخرج كتابًا من جيبه.

  • هنا تجد الحقيقة ناصعة بيضاء ليلها كنهارها.
  • ما هذا؟
  • قرآن كريم.
  • يمد يده ويتناوله ويقبله.
  • أبقه معك واعتبره هدية مني لك.

لم تمض دقائق حتى سمعا وقع أقدام تتجه نحو زنزانتهما، فُتح الباب الحديدي وأطل منه أحد الجنود.

  • حسن.. حسن.. هيا.. قم.. أسرع.

نهض بتثاقل دون أن يتسنى لصاحبه رؤية وجهه المضيء، تمتم أحمد بصوت خافت.

  • حسن.. هذا هو اسمه إذن.. أرجو أن أراه ثانية خارج السجن، ولكن كيف سأعرفه؟

ومرت الأيام بطيئة ثقيلة ليخرج بعدها «أحمد» طليقًا يبصر النور، كانت أيامًا عصيبة اشتملت على تجربة مرعبة، مد يده نحو جيبه وأخرج المصحف الصغير الذي أهداه إياه «حسن».

قلب صفحاته، ينظر بين أوراقه، قبله بحرقة ودمعت عيناه.

  • تری.. أین أنت الآن يا حسن؟

خرجت الناس في غزة أرسالًا مبتهجين بانسحاب اليهود منها بعد دخول الشرطة الفلسطينية العائدة من الخارج، تنفس الجميع الصعداء لزوال كابوس الاقتحامات اليومية للأحياء والقرى والمخيمات وخفّت حدة المواجهات الدامية في كل أرجاء غزة تقريبًا.

لم تمض أيام على انسحاب اليهود حتى بدأ مسلسل جديد من الاعتقالات والتحقيقات في السجون التي تسلمتها الشرطة الفلسطينية من الجيش الإسرائيلي، وحدثت مجزرة بالقرب من حاجز «إيريز» وكشفت الستار عن حقيقة مبادرة السلام المشينة، وتبع ذلك هجمات شنتها مجموعات مجاهدة على اليهود انتقامًا لقتلى وجرحى المجزرة المؤلمة.

أزبد رابين وأرعد، وهدد وتوعد، وتوالت الاجتماعات والمؤتمرات من أجل وضع حد للهجمات الفلسطينية البطولية على قطعان المستوطنين، وعلى الأثر شنت الشرطة الفلسطينية حملة مداهمات خطيرة بعد طلوع الفجر لمنازل المشتبه بأنهم من المجاهدين.

في غرفة متواضعة في سجن «دير البلح» جلس بعض المعتقلين ينتظرون نداء ضابط التحقيق، فتح الباب الحديدي وأطل شرطي من الأمن العام الفلسطيني.

الشرطي: حسن عبدالباقي.. جاء دورك تعال.

نهض حسن بخفة ومضى خلف الشرطي والأسى يعتصر قلبه لهذا التحول المحزن، بالأمس كان يقبع في زنازين اليهود ومعتقلاتهم الآثمة، واليوم يساق من قبل بني وطنه مكبلًا ليُرمى به في السجن.

التهمة لم تتغير.. والسجون لم تتغير.. تغير السجان والجلاد والشرطي والحارس، بالأمس كانوا من الأعداء واليوم من أبناء الوطن، واحسرتاه.. أي مأساة هذه التي لحقت بنا؟

تمتم بهذه الكلمات وهو يسير بخطى بطيئة نحو غرفة التحقيق.

الشرطي: يفتح باب غرفة جانبية: لقد حضر یا سیدي.

«يلتفت إلى حسن» ادخل.

يدخل حسن متحسرًا يكاد ينفجر قهرًا وغيظًا، ماذا سيقول للمحقق، أي مهزلة هذه؟

الضابط: أنت حسن عبدالباقي؟

حسن: «يرفع رأسه» نعم أيها الضابط «ينظر بين يدي الضابط».

  • غير معقول.

الضابط: ينظر إليه باستغراب: ماذا تقول؟ حسن: من أين لك هذا المصحف؟

الضابط: هذا مصحفي.

حسن: من الذي أعطاك إياه؟

الضابط: وما شأنك أنت؟ ولماذا تسألني هذه الأسئلة؟ جئنا بك لنحقق معك لا لتحقق معنا.

حسن: ألم يعطك إياه سجين اسمه حسن، ألم يقدمه لك هدية في الزنزانة؟

الضابط: أمر غريب كيف عرفت؟ هل..

حسن: نعم أنا حسن عبد الباقي، هذا مصحفي انظر الكتابة على الصفحة الأخيرة.

يقلب الضابط المصحف يتأمل الصفحة الأخيرة يتمتم.

  • حسن عبدالباقي.. يا الله ما هذه المصيبة؟

يجلس على كرسيه خلف المكتب وقد أصابه الدوار، يضع يديه على رأسه يجهش بالبكاء.

  • سامحني یا حسن، سامحني يا أخي إنها الأوامر لعنة الله على اليهود.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ (الممتحنة: 1).

يأمر الضابط «أحمد» بإطلاق سراح حسن ومن معه، يخلع بزته العسكرية، يخرج ورقة من مكتبه يخط بقلمه استقالته ليقدمها لقيادته.

لن أكون حربة في ظهر إخواني أبدًا، لن أكون أداة لقمع شعبي وأبناء وطني، لن أحارب إلى جانب اليهود، لن أقاتل الأطهار الشرفاء حتى لو أدى ذلك إلى مصرعي.

الرابط المختصر :