; الهجوم على الإسلام.. معالجة جديدة | مجلة المجتمع

العنوان الهجوم على الإسلام.. معالجة جديدة

الكاتب عبد الوهاب صالح الشايع

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013

مشاهدات 81

نشر في العدد 2052

نشر في الصفحة 34

السبت 11-مايو-2013

ردود أفعالنا يجب أن تعكس شيئا من عظمة رسولنا محمد وسيرته لا أن تناقضها

تجنب أساليب الهياج والعنف.. فهي تأتي بنتائج عكسية

نصرة الرسول أمر واجب بالطرق الشرعية ومن أهمها سلوكنا الحضاري

 يجب دراسة ثقافة وقيم الغربيين والتعرف بعمق على احتياجاتهم ومشكلاتهم وما يعانونه وتوظيف ذلك في برامج مدروسة وهادفة معدة من قبل خبراء متخصصين

ضرورة أن نبين للغرب أن حرية التعبير يجب أن تمارس بمسؤولية ولا يجوز السماح بسوء استغلالها لنشر الكراهية وإثارة النعرات

إن الهجوم على سيدنا محمد ليس أمرًا جديدًا ولا طارئًا، فقد بدأ مع بداية الدعوة الإسلامية في مكة، والقرآن الكريم يحفل بالأوصاف التي أطلقها كفار مكة عليه، من أنه كاذب ومجنون وكاهن وساحر وشاعر ومفتر. 

ثم انتقل الهجوم على الإسلام ورموزه بعد ذلك إلى الغرب منذ أن تم طرد القوات الرومانية من بلاد الشام ومصر، فهو إذًا هجوم قديم أيضًا، ففي أواخر القرن الثامن

وأوائل القرن التاسع للميلاد، ظهرت كتابات في القسطنطينية تكيل الاتهامات والشتائم لرسولنا محمد ؤ وسيرته وللقرآن الكريم، كما ظهرت في نفس الفترة تقريبًا، كتابات في أحد الأديرة في شمال إسبانيا عرفت باسم «المقالة الإسبانية»، تهاجم القرآن الكريم والنبي محمد وتصفهما بما ليس فيهما.

الحروب الصليبية: وعندما بدا بابا الفاتيكان «أوربان الثاني» التحضير للحروب

الصليبية، ألقى خطبة في سنة ١٠٩٥م، في بلده «كليرمونت» بفرنسا في حشد من الناس، يتقدمهم الرهبان وممثلو ملوك

وأمراء أوروبا والمقاتلون وغيرهم، حثهم فيها على قتال المسلمين، الذين وصفهم بأبشع الصفات وأحط النعوت وشوه الدين الإسلامي، ووعد كل من يشترك في حربهم بأنه سيغفر له ذنوبه، بالإضافة إلى الغنائم التي سيجنيها منهم.

وفي سنة ١٢٨٥ م، أي بعد خطاب ذلك البابا بحوالي قرنين من الزمان، وقبيل انتهاء الحروب الصليبية بست سنوات، ألف شاعر هولندي اسمه «جاكوب فان مارلانت» (maerlant van Jacob) قصيدة ملحمية عن تاريخ العالم بعنوان «مرآة تاريخية»، خصص منها ٤٤٠ بيتًا عن نبينا محمد، تنضح بالكذب والافتراء والتزوير، استلهم مادتها من مؤلفات كاتب فرنسي اسمه «فينسن تيوس فان بوفيه» (Beauvais van Vincentius)، ومع أن «جاكوب فان مارلانت» كان معاديًا لليهود

كبقية أبناء أوروبا في عصره، وقد وصفهم بأبشع الأوصاف وأخس النعوت، إلا أن الإسلام ورسوله محمد ؤ ظل العدو الأكبر بالنسبة له، وكان ينطلق في عدائه للإسلام،

في أن محمدًا لم يكن رسولًا من الله سبحانه وتعالى. ولا حتى مؤسسًا لدين جديد، إنما كان مهرطقًا أتى ببدعة اسمها الإسلام، ولذلك كان يرى ضرورة شن حرب لا هوادة فيها لاجتثاث الإسلام من جنوب أوروبا وفلسطين.

الأب الروحي ل «الإسلاموفوبيا»

هذا، ويمكن اعتبار «جاكوب فان مارلانت» الأب الروحي لما يسمى «الرهاب من الإسلام» (الإسلاموفوبيا) في الغرب اليوم، وفي سنة ١٩٣٥ م كرم اسم هذا المفتري

بلوحة ثبتت على برج كنيسة قرية السيدة «دام» (Damme) في هولندا حيث عاش ومات هناك، جاء فيها عنه أنه «أبو الشعراء الهولنديين قاطبة من القرن الثالث عشر الميلادي، وأنه كان يكتب من أجل الحقيقة والعدل»، كما جاء في تعريف المكتبة الرقمية للآداب في هولندا عنه أنه كان «ذا موقف حياتي رفيع. وكان شغوفا بالتقوى وحب الحقيقة».

هجوم مستمر

هذا، ولا يزال الهجوم على الإسلام ورموزه مستمرا إلى يومنا هذا، بطرق ووسائل متعددة، منها المكشوف المباشر ومنها الخفي غير المباشر، فبعد تسعة قرون من خطاب «أوربان الثاني»، لم يجد خليفته بابا الفاتيكان السابق «بنديكت السادس عشر»، ما يقوله لمستمعيه في محاضرة ألقاها في سنة ٢٠٠٦ م في إحدى الجامعات الألمانية، إلا أن يستشهد بقول ينسب إلى أحد الأباطرة البيزنطيين الموتورين الحاقدين على العثمانيين الذين حاصروه في عاصمته القسطنطينية حتى تم إخضاعه لهم، فقد نقل عنه أنه قال: «إن محمدا جاء بأشياء كلها شريرة».

وفي سنة ٢٠٠٥ م، ظهرت الرسوم المشينة في إحدى الصحف الدنماركية، ثم تلاها في سنة ٢٠٠٦ م، فيلم «الفتنة» الذي أنتجه سياسي هولندي اسمه «خيرت فيلدرز»، ثم جاء الفيلم المسيء من الولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠١٢م.

كما أننا كعرب ومسلمين مستهدفون أيضًا من قبل جهات متطرفة وحاقدة، ويدخل من ضمنهم بعض أبناء العرب من غير المسلمين ممن استوطن بلاد الغرب، ومنهم منتج الفيلم سيئ السمعة، بالإضافة إلى الباحثين عن المراكز السياسية أو الشهرة، حيث يلتقون جميعًا في هدف واحد هو تشويه سمعة الإسلام والعرب والمسلمين، وإبقاء منطقتهم في حالة غليان وعدم استقرار، لذا تجدهم يصبون الزيت على النار لكي لا تخمد، وإذا خمدت أشعلوها من جديد بوسائل وأساليب متعددة، منها الرسومات والأفلام والتصريحات والمحاضرات والمقالات والكتب.. إلخ، يساعدهم في مساعيهم الخبيثة تلك سهولة استفزازنا، يستوي في ذلك متعلمنا وجاهلنا على حد سواء.

كيفية التعاطي مع ذلك

أولًا: لا يستفزونك:

١ - بناء على ما تقدم، أود أن أؤكد بكل ثقة واطمئنان، بأن الهجوم على الرسول محمد بأي وسيلة كانت، لم تؤثر في الماضي ولن توثر في الحاضر ولا في المستقبل على عظمته وإنجازاته مهما افتروا وزوروا. كما أن الهجوم على القرآن الكريم لا يؤثر على حقيقته من أنه وحي من الله سبحانه وتعالى، وأنه محفوظ بنصه الذي أنزل فيه، مهما كذبوا وافتروا عليه، وإنهم بسفاهاتهم تلك لن يضروا الإسلام ورموزه ولا تاريخه الناصع، ثم ألم تلاحظوا أنهم كلما هاجموا الإسلام ورموزه، اشتد الطلب بين مواطنيهم على التعرف على هذا الدين ورسوله؟!

 وعليه يجب أن تتسم ردود أفعالنا بالحكمة، التي هي وضع الشيء في مكانه. أفعالنا أو ومعنى هذا بكل وضوح، ب ردود أفعالنا يجب أن تعكس شيئا من عظمة رسولنا محمد وسيرته، لا أن تناقضها تحت أي شعار أو مسمى أو مبرر.

٢ - تجنب الهياج والعنف والتطرف أو الحث عليه بأي وسيلة كانت، فليس من الدفاع عن رسول الله ؤ إزهاق الأرواح، أو تخريب الممتلكات، أو ترويع الآمنين وتعريض حياتهم للخطر، أو مهاجمة السفارات ومحاولة الدخول إليها بالقوة، وإنزال أعلامها أو إحراقها أو حرق ممتلكاتها.. إلخ، فمثل ذلك العنف من قبلنا يعتبر رد فعل خاطئ وأهوج، على فعل أو قول قبيح أو خاطئ من قبلهم، حيث تأتي مثل تلك المواقف غير المنضبطة بآثار سلبية ونتائج عكسية، فكأننا بذلك العمل الأرعن قد قدمنا خدمة مجانية لمن أخطا بحقنا، وأراد أن يستفزنا لإظهارنا بمظهر لا يليق بنا.

٣ - يجب المحافظة على حياة وعرض ومال، كل من دخل بلادنا من غير المسلمين «بشكل شرعي»، ويشمل ذلك الزائر والمقيم والمهاجر وطالب العلم والرزق، وممثلي الدول غير المسلمة من سفراء وغيرهم، لأنهم  مستأمنون، وإن الاعتداء عليهم أو ترويعهم يعد من قبيل نقض العهود التي نهانا عنها ديننا.

٤ - يجب تجنب تجريح رموز الديانات الأخرى، أو التعدي بأي شكل من الأشكال على كتبها المقدسة.

٥ - الحذر من الانجرار وراء دعاوى بعض الأفراد أو الجماعات من المسلمين، بغض النظر عن الشعارات التي يرفعونها أو المسميات التي يحملونها، الذين يستغلون مثل هذه المناسبات للظهور بمظهر المدافعين عن الإسلام ورسوله، وهم في الحقيقة يخدمون أجنداتهم وأهدافهم الحزبية أو الطائفية أو الشخصية بالدرجة الأولى.

٦ - الغرب يتفهم الاحتجاجات والمظاهرات السلمية، فإذا كان لابد من المظاهرات فلتكن سلمية خالية من العنف تمامًا.

٧ - هناك غربيون كثيرون ليسوا من ديننا يتعاطفون معنا ومع قضايانا، فيجب المحافظة عليهم وعدم خسارتنا لهم، بتصرفاتنا وردود أفعالنا الخرقاء.

ثانيًا: النصرة بالقدوة الحسنة،

١ - إن نصرة سيدنا محمد أمر واجب علينا بالطرق الشرعية، ومن أهمها وأكثرها إيجابية وأسرعها وأشدها تأثيرًا على الإطلاق، هو سلوكنا الحضاري كأفراد ومجتمعات وشعوب، أي تفعيل الأخلاق التي حثا عليها نبينا محمد 5، والتي لخص بها رسالته كلها بقوله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه

                         فقوم النفس بالأخلاق تستقم

وقال أيضًا:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

                   فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا 

فأداء المسلمين لعباداتهم من صلاة وصوم وحج.. إلخ، وكذلك الحجاب بالنسبة للمسلمات، قد تلفت انتباه غير المسلمين في بلادنا أو في بلادهم في لحظة من اللحظات، وقد ينسون ما رأوا ولا يعودون يتذكرونه أو يتأثرون به، ولكنهم يتأثرون بشدة وبسرعة سلبًا أو إيجابا بما يروه من أخلاقنا وتصرفاتنا قولا وعملا معهم أو مع غيرهم، حيث تنطبع في ذاكرتهم ولا يمكن أن ينسوها أبدًا.

٢ - استثمار وجود المسلمين في بلاد الغرب، والعمل على رفع الوعي عندهم وتأهيلهم ليعطوا صورة طيبة عن الإسلام بسلوكهم.

ثالثًا: امتلاك زمام المبادرة،

يجب التحول من مرحلة رد الفعل العشوائي، الذي يخبو بنفس السرعة التي اشتعل بها، إلى مرحلة الفعل الفعال الإيجابي والمستمر، الذي يملك زمام المبادرة ولا تخبو شعلته، وذلك بدراسة ثقافة وقيم الغربيين خاصة، والتعرف بعمق على ما يحبون وما يكرهون وما يعتقدونه، وعن احتياجاتهم ومشكلاتهم وما يعانونه، وتوظيف ذلك في برامج مدروسة وهادفة معدة من قبل خبراء متخصصين في هذا الميدان، وتوجيهها لهم لتعريفهم بالإسلام ورسوله محمد، لتصحيح المفاهيم الخاطئة عندهم.

رابعًا: حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية:

يجب علينا أن نبين للغرب بكافة الطرق المشروعة عندهم، أن حرية التعبير يجب أن تمارس بمسؤولية، ولا يجوز أبدا السماح بسوء استغلالها لنشر الكراهية والتطرف وإثارة النعرات والقلاقل والفتن، وتأجيج مشاعر البغضاء والكراهية، أو المس بشروط العيش المشترك بين الناس لمصلحتهم بالدرجة الأولى، ومحاولة سن قوانين من قبل برلماناتهم تمنع وتجرم ذلك، تمهيدًا للجوء إلى قضائهم المعروف باستقلاليته ونزاهته، بواسطة مكاتب محاماة مؤهلة في بلادهم، ضد كل من يقوم أو يساعد بأي شكل من الأشكال بمثل تلك الإهانات.

الكيل بمكيالين

السياسة الغربية ممثلة في برلماناتها وحكوماتها، تبذل جهدها كي تعكس قراراتها القيم النبيلة التي تؤمن بها شعوبهم، ومنها نصرة المظلوم ومساعدته على من ظلمه.. إلخ، بشرط ألا تتعارض تلك القيم مع مصالح دولهم العليا، وإلا فإنهم يغضون النظر عنها.

وأقرب مثال على ذلك فيما يخص موضوعنا، قيام السلطات الفرنسية بالتدخل والضغط على صحيفة فرنسية لمنع نشر صور زوجة ابن ولي العهد البريطاني ونجحت في ذلك، في حين أن هذه السلطات نفسها، أعلنت بعد أقل من عشرة أيام من هذا الحادث، أنها لا تستطيع أن تمنع تلك الصحيفة من نشر الرسوم المسيئة للإسلام، بحجة أن حرية التعبير يكفلها القانون.

الهامشان

(١) الهرطقة: كلمة كثر استخدامها بين القساوسة النصارى يتراشقون بها ضد بعضهم بعضًا، للدلالة على الخروج على الملة. أو الطريقة التي يراها كل فريق منهم أنها صحيحة.

(٢) مستقى من كتاب «الإسلاموفوبيا»، تأليف «لوكاس كاثرين» (كاتب بلجيكي)، ترجمة محمود حميد جابر، طا1، يناير٢٠١٠م.

الرابط المختصر :